2018-11-30 15:18:30

السُنّة في لبنان: بيت بمنازل كثيرة

< >

السُنّة في لبنان: بيت بمنازل كثيرة

 

الرئيس  الراحل تقي الدين الصلح كان  يعتبر ان السنة في لبنان هم الدور العربي فيه . وحينما بادرت حركة ((أمل)) الشيعية الى رفع لافتة مقاومة اسرائيل في جنوب لبنان، بحث تقي بك عن مجموعة من خمسة فدائيين لبنانيين سنة، لكي ينفذوا عملية مقاومة ضد اسرائيل .واعتبر الصلح حسبما روى الصحافي الراحل ميشال ابو جودة ان شرف المقاومة لحماية عروبة لبنان هو لكل اللبنانيين ولكن للسنة فيه دور الريادة.

وقبل ذلك كان حدث في سبعينيات القرن الماضي ان أجبرت المقاومة الفلسطينية على الخروج من الاردن. وجاء زعيمها آنذاك ياسر عرفات ليبني قيادة له في بيروت بدل عمّان. القوى اللبنانية اليمينية المسيحية رأت في جيش عرفات بأنه جيش السنة في لبنان. وصحح آنذاك ابو عمار - من وجهة نظره - هذا التوصيف قائلاً نحن جيش الدور العربي في لبنان الهادف لتحرير فلسطين. وعلى ذلك لم يحدث مرة ان جرى فصل بين سنة لبنان والدور العربي. وعندما جاء الرئيس رفيق الحريري أضاف لمصطلح الدور العربي عبارة ((المعتدل)). وكل معنى اتفاق  الطائف الذي أنهى المارونية السياسية، يكمن في أنه جعل الدور العربي الذي يعبر عنه دور السنة في لبنان، بمثابة نص في آلية انتاج عملية الحكم في لبنان، حيث القرار هو في مجلس الوزراء مجتمعاً الذي يرأسه الرئيس الثالث.. السني.

والاشتباك اليوم بمناسبة تأليف الحكومة، هو في خلفيته على صلاحيات الرئيس الثالث كما كرّسها جوهر فكرة الطائف، أي دستور لبنان العربي. حزب الله يريد بمناسبة طرح العقدة السنية، القول بأن الطائف هو دستوران: واحد عربي وآخر ايراني. الأول مكتوب ويتمثل بصلاحيات الرئيس السني المكلف وتوجهاته بما تحمل من بعد عربي، والثاني واقعي ويمثله التوازن الجديد في المنطقة حيث لإيران الغلبة فيه.

تحاول المارونية السياسية الجديدة التي يعمل العهد على إعادة النبض لها، استغلال الشقاق القائم بين الطائف المكتوب او الطائف العربي وبين الطائف المفروض بفعل توازن القوى، أي الطائف الايراني، لإرجاع منطق الحكم في لبنان لشيء من معادلة دستور الـ43. وهكذا فإن العقدة السنية محكومة بأنها عقدة على صلة بتأويل الطائف واستتباعاً بهويته الداخلية والاقليمية، ومن هنا صعوبتها، مقارنة بالعقد التي سبقتها، أي العقدتين المسيحية والدرزية.

 

الديموغرافيا المنكوبة..

 

حينما رشح الرئيس سعد الحريري العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية، بدا قراره هذا مستغرباً من قبل كثير من رفاقه في تيار المستقبل. وبذل الحريري جهداً غير عادي لاقناعهم. شارحاً لهم ان هذا الترشيح سببه اضطراره لإنقاذ البلد من الاضمحلال سياسياً واقتصادياً وأمنياً. وان السنة في لبنان معنيون بدفع الثمن الصعب من أجل انقاذه، وذلك لعدة أسباب، منها ان البنية الديموغرافية السنية الأهم في شمال لبنان، تضررت من الحرب السورية على نحو مفجع. وعرض أرقاماً تبين ان نسبة كبيرة من الشباب السنة في تلك المنطقة هاجرت شأنهم شأن ما يحدث للشباب السوريين في محافظة حمص. والفكرة الهامة هنا هي ان شمال لبنان حيث عاصمة السنة طرابلس بدت للحظات خلال عزّ حمأة الحرب في سورية، معرضة لأن يصيبها من الأضرار ما يصيب منطقة حمص . وعليه كان لا بد من استدراك هذا المصير، والعمل لإنقاذ الشمال الذي هو أكبر بيئة ديموغرافية سنية في لبنان من تحوله الى قطعة من ميدان الحرب السورية ونتائجها. ومن بين الأسباب غير المعلنة لترشيح الحريري لعون، هو ان الفراغ الرئاسي في لبنان فيما لو استمر لمدى أبعد، كان يمكن ان ينتهي بنسف الطائف.. بمعنى تحميل الفراغ الرئاسي للطائف بوصفه دستوراً عاجزاً عن انتاج آليات تداول الحكم والسلطة.

لم تنتهِ مع انتخاب عون مشكلة القلق السني في لبنان التي حدثت خلال الحرب السورية وانعكاساتها على الشمال. ربما نجحت المعالجات السريعة التي تمثلت بإنتاج التسوية الرئاسية في الحد من أزمة الصداع السني اللبناني الناتج عن تحولات الصراع الاقليمي، ولكن الخشية ما تزال موجودة من ان يكون المقبل من الأيام ما يزال يخبئ مفاجآت وانقلابات حادة.

وتكمن المشكلة السنية اليوم في مجموعة عوامل، هي التالية:

أولاً : المؤرخ اللبناني كمال صليبـي صاغ منذ بدايات استقلال لبنان مصطلحاً يفيد ان لبنان بيت بمنازل كثيرة. فالطوائف الـ16 ((أصبحت رسمياً 18)) ليست فقط عائلات روحية بل غرف مستقلة داخل المنزل اللبناني، ولكل واحدة منها خصوصياتها الحادة التي ترقى لتجعلها فيدرالية اجتماعية وسياسية واقتصادية وبسيكولوجية قائمة بذاتها.

.. اليوم تتجه الغرف الطائفية اللبنانية لتتكتل داخل خصوصياتها.  ورغم فشل تفاهم معراب، إلا انه إشارة الى وجود رغبة مارونية لتكثيف ثقلها داخل المعادلة اللبنانية السياسية وداخل معنى الطائف في لبنان. الثنائية الشيعية اثبتت انها تمثل((طائف شيعي)) بحد ذاته داخل معادلة الطائف العربي. وكل ما تقدم يشي بأن طوائف المنازل اللبنانية اتجهت خلال السنوات الاخيرة لتحصين قلاعها. ولكن ذلك لم يحدث، ولو من باب المحاولة داخل الطائفة السنية، ويعود سبب ذلك الى الحاضن الاقليمي لسنة لبنان ((السعودية)) الذي انكفأ عن اعتبار لبنان ساحة ذات أولوية بالنسبة إليه. ومنذ مطلع العقد الجديد اعتبر هذا الحاضن الاقليمي ان الوضع في لبنان يتم حسمه في سورية، ثم لاحقاً جاءت حرب اليمن لتنقل مركزية اهتمامه الى هناك. وبالمقابل كان الحاضن الايراني يركز جهده على المشرق، ويعتبر، إضافة لذلك، أن كل ساحات الصراع ذات صلة ببعضها البعض. لقد فقدت مركزية قيادة السنة في لبنان الممثلة بالحريرية السياسية العربية والوطنية والمعتدلة، اهتمام حاضنها الاقليمي بها. والأخطر من ذلك هو ان هذه الحاضنة، سعت في الفترة القريبة الماضية، وذلك في خضم توجه الطوائف اللبنانية لتحصين قلاعها، الى طرح فكرة انه قد يكون الأجدر بالرياض ان تتخلى عن فكرة الاعتماد على دعم زعيم سني واحد في لبنان، كما كان الحال مع رفيق الحريري، وبدل ذلك عليها توزيع دعمها ليطال عدداً من الزعماء السنة اللبنانيين. لقد أوحت مثل هذه التوجهات للساحة السياسية السنية اللبنانية، ان البعد الإقليمي الحاضن لهم، يطلب منهم الانتشار والتوزع وليس التوحد خلف نهج محدد وزعيم – قائد.

ثانيا ً- داخل خلفيات أزمة رغبة حزب الله بجعل سنة لبنان فريقين أحدهما مع خيارات محور ايران والثاني منقاد من خيار الحريري العربي، توجد مسألة عميقة لا يتم الاشارة اليها اعلامياً، علماً انها موجودة بشكل نافر داخل كواليس 8 آذار السياسية وأيضاً داخل محافل اقليمية ودولية . ومفاد هذا المسألة هو وجود تفكير يقول ان السنية السياسية في لبنان يجب ان تعترف بأن عليها سياسياً دفع ثمن نتائج الحرب السورية، بمعنى ان عليها الإقرار بأنها خسرت رهانها في هذه الحرب، ما يعني ضرورة تقبلها ثمن هذه الخسارة.  ثمة باحث فرنسي زار لبنان قبل عدة أشهر، وكان لافتاً أنه شبّه الوضع السني في لبنان بوضع الموارنة عشية الطائف. وقال :اذا صح ان الموارنة خسروا الحرب الأهلية ودفعوا ثمنها من خلال قبولهم بالطائف، فإن سنة لبنان خسروا الحرب السورية وعليهم دفع ثمن ذلك من خلال قبولهم بإدخال تعديلات على الطائف.

وخلاصة الفكرة في هذه الجزئية هي ان الظن الذي ساد بأن حزب الله لن يوظف لبنانياً نتائج مشاركته في حرب سورية، ليس صحيحاً. وكلام نصر الله في خطابه الأخير بأنه لن يتواضع بعد الآن في رفع صوته بمطالب الشيعة داخل النظام، هو أول خطوة في بدء موسم الحصاد الايراني السياسي داخل معادلة الحكم في لبنان وداخل معادلة هويته الاقليمية.

ثالثاً - العقدة السنية المطروحة حالياًَ، يريد مطلقوها استخدامها كترميز مصغر للإشارة الى وجود عقدة قيادة سنية في لبنان.  والقول ان هذه العقدة ناتجة عن ((انتصار)) محور ايران على المحور العربي في المنطقة.. ولفت النظر الى ان أزمات الحكم السنية في المنطقة لها تتمة في لبنان.

ويريد هذا الاتجاه حرف الأنظار عن وجود صراع عربي-  ايراني وشيعي- سني لمصلحة ان الصراع هو سني - سني، تماماً كما تحول الصراع نهايات الحرب الأهلية في لبنان الى صراع ماروني - ماروني كان له اليد الطولى في نقل البلد من دستور العام 43 الماروني الى دستور الطائف. هناك رهان على ان الشقاق السني السني في لبنان سيضعف الطائف وسيجعله قابلاً  لإدخال تعديلات جوهرية عليه، كالمثالثة .

.. ولكن أبعد مما هو مضمر من خلفيات للعقدة السنية المطروحة حالياً، فإن السؤال المباشر هو عن المرحلة التي تجتازها الساحة السنية حالياًَ في لبنان؟؟

الإجابة عن هذا السؤال تبرز عدة معطيات:

المعطى الأول يتم النظر اليه من زاوية ان قوى سياسية عديدة في لبنان ترى ان الديموغرافيا اللبنانية خلال السنوات الأخيرة تعرضت عملياً لهزات كبيرة. فإضافة للديموغرافيا الفلسطينية التي وصفت مرة بأنها جيش السنة في لبنان، ودخلت الى البلد منذ خمس سنوات ديموغرافيا جديدة هي الديموغرافيا السورية النازحة التي تتشكل بمعظمها من السنة.  وبمحصلة الأرقام الفعلية للواقع الديموغرافي المعاش في لبنان، وليس الواقع القانوني، فإنه من بين كل عشرة مقيمين على الساحة اللبنانية هناك ثمانية منهم مسلمون سنة، وذلك بغض النظر عن جنسياتهم.

ويتم افتعال النظر الى هذه الديموغرافيا السنية بوصفها تمثل الثقل الديموغرافي غير المنظم او المهمش او المسبب للفوضى داخل الاجتماع اللبناني. وخلال فترة جرت محاولات لتحميلها مسؤولية انها حاضنة للارعاب. ويجدر حالياً التنبه الى الزيارة التي قام بها قبل ايام كبير مسؤولي عصبة الانصار ((التي هي فرع من القاعدة عقائدياً)) الى ايران. وهدف هذه الزيارة توجيه رسالة تقول ان الجهة القادرة على ضبط وعقلنة الاتجاهات السنية المتطرفة في لبنان هي ايران وليست اي دولة اخرى. وفي الوقت نفسه يقول حزب الله انه هو الجهة المطالبة والقادرة على تمثيل سنة لبنان غير الموافقين على سياسة الرياض في المنطقة والقادرين على احياء تنوع سياسي داخل الاجتماع السني في لبنان.

المعطى الثاني يتمثل بمحاولات تسليط الضوء على الفسيفساء السنية السياسية في لبنان، حيث يمكن هنا العودة لتطبيقات ان السنة اللبنانيين هم بيت بمنازل كثيرة: فجمعية المشاريع ((الاحباش)) هم اتجاه سني صاعد بل مستقر في صعوده داخل العاصمة بيروت التي تمثل المركز الاجتماعي المديني لسنة لبنان. بمقابل اتجاهات الاخوان المسلمين المتمركزة في صيدا العاصمة الثانية للثقل الاجتماعي الخاص بسنة لبنان. وثقل اخوان صيدا لا ينفصل عن حيويته الجارية في مخيم عين الحلوة للاجئين الفلسطينيين، وهي حيوية عادت للبروز مؤخراً بفعل دخول حماس ((من سلالة الاخوان)) بقوة الى الساحة الفلسطينية في لبنان، وتحديداً في عين الحلوة والمية ومية بدعم من حزب الله، وذلك ضد (( فتح)). أضف الى ذلك ثقل السلفية السنية اللبنانية التي تفضل طهران التعاون معها في المشرق لكونها تيارات وليست جسماً تنظيمياً مركزياً، ما يسهل على ايران احتواؤها بأسلوب القضم المتدرج لإجزائها.  والواقع ان استقبال ايران لممثل عصبة الانصار ذات الثقل العسكري في عين الحلوة يؤشر الى توجهها لخلق بصمات متقدمة لها داخل اجتماع البنية الديموغرافية السنية التي تضخمت في لبنان نتيجة النزوح السوري والتحولات داخل البيئة الفلسطينية في المخيمات. الى ذلك تجري محاولات لتكريس عودة السنية السياسية في لبنان الى منطق زعامات المناطق وليس الزعامة المركزية التي أرساها رفيق الحريري، آل كرامي في طرابلس، وآل سلام في بيروت وآل سعد في صيدا وعبدالرحيم مراد في البقاع الغربي وما حوله وزعامات مناطقية ينحصر تأثيرها داخل دساكر وقرى وبلدات، وتكون سياسياً في مدار حارة حريك. اضافة لانتاج توزيعة من الزعامات السنية الموسمية التي تشتت ثقل القرار السني داخل المعادلة السياسية اللبنانية، ويكون حضورها في الحياة السياسية السنية قائماً على وزن ظاهرة سركيس سركيس في الحياة السياسية المسيحية.

ولا شك بأن الخارطة السنية الجديدة باتت تتسع للمزيد من القوى والفاعليات على رأسها الرئيس نجيب ميقاتي والنائب فؤاد مخزومي وعبدالرحيم مراد وآخرون، من دون إسقاط ما للتيارات السلفية من حضور ولا سيما في مناطق الشمال ومن بين قيادات هؤلاء الشيخ سالم الرافعي وآخرون, مع الاشارة دائماً الى ما بات يعرف بسنة المعارضة او سنة الثامن من آذار.