2019-07-04 23:21:19

السلم الاهلي اللبناني.. المسلح: ((انتفاضة)) جنبلاط

السلم الاهلي اللبناني.. المسلح: ((انتفاضة)) جنبلاط

السلم الاهلي اللبناني.. المسلح: ((انتفاضة)) جنبلاط

السلم الاهلي اللبناني.. المسلح: ((انتفاضة)) جنبلاط

مجلة الشراع 5 تموز 2019 العدد 1907

 

*لا شغل لباسيل إلا استفزاز خصومه وفق الاتهامات الموجهة له وتحركه يخلو من برنامج وطني عابر للمناطق والطوائف

*هل أراد جنبلاط ممارسة 6 شباط صغيرة في الجبل؟

*جنبلاط دخل مرحلة ((الضمور)) الاستراتيجي ما يحتم صدمة لتجديد زعامته

*قانون الانتخاب بالصوت التفضيلي يدفع الطوائف الى التقوقع داخل مناطقها

*علاقة جنبلاط بحزب الله مرت بثلاث مراحل والأخيرة يبدو انها على وشك الانتهاء

 

رغم حالة الدهشة المفتعلة داخل الاوساط اللبنانية، إلا ان ما حدث في قبرشمون لم يكن مفاجئاً لا للمراقبين ولا للمواطنين. وكان يمكن لهذا المشهد ان يحدث في أي منطقة من لبنان. وقد سبق ان حدثت مؤخراً حادثة تشبهها ولكن من دون اطلاق نار، وذلك حينما زار الوزير عينه جبران باسيل بشري، فاستنفر القواتيون الذي يعتبرون هذه المدينة قلعتهم السياسية والاجتماعية  ويقدمون أنفسهم بصفتهم حراسها وحملة مفاتيحها.. ثم حدث الأمر نفسه مع نائب من حزب الله حاول إلقاء محاضرة في مركز ديني اسلامي في طرابلس فاستنفر مؤيدو تيار المستقبل الذين يعتبرون عاصمة الشمال هي قلعة السنة ومفاتيحها بيد تيارهم الازرق.. والأمثلة كثيرة، وبعضها ما كشف النقاب عنه، والكثير منها ظل طَي الكتمان.

والواقع انه خلال الآونة الاخيرة ظهر تعاظم لظاهرة هروب أحزاب الطوائف اللبنانية لإقفال قلاعها الاجتماعية بوجه الآخر اللبناني وغير اللبناني، وذلك تعبيراً عن رغبة كل حزب من هذه الاحزاب بالتحصن داخل قلعته او منطقته وبناء سياج من الحماية لزعامتها حولها.

هناك من يقول انhg قانون الانتخابي النسبي المسلح بالصوت الطائفي التفضيلي هو المسؤول عن تعاظم هذه الظاهرة الموجودة أصلاً ولكن كانت حدتها أقل اثراً فهذا القانون الانتخابي حفز أحزاب الطوائف على مراجعة أساليب تكريس زعاماتها داخل طوائفها وجعلها أكثر حذراً داخل الطوائف الأخرى التي لها تشابك ديموغرافي مع مناطقها. والبعض الآخر يقول ان سبب هذه الظاهرة يعود لبروز ظاهرة في الحياة السياسية اللبنانية اسمها جبران باسيل الذي يرفع شعار استرداد الحقوق المسيحية التي أصابها التهميش داخل معادلة الدولة والحكم خلال فترة نفي ميشال عون في باريس. ويشكو أصحاب هذا الرأي من ان باسيل لا يطرح استعادة حقوق المسيحيين بقدر ما يطرح تصفية حساب مع الطوائف الأخرى وبخاصة تلك التي لها تشابك ديموغرافي مع مناطق الحضور الديموغرافي المسيحي, علماً ان باسيل لا يدخل الى المناطق غير المسيحية كعابر للمناطق والطوائف والمذاهب ببرنامج وطني جامع بل بخطاب ولد اتهامات لدى الآخرين بأنه خطاب فئوي وينكأ جراح الحرب التي أصابت الكل ولم يقتصر وجعها على طائفة دون الطوائف الأخرى.

وتاريخياً تعتبر منطقة الشوف في جبل لبنان مختبر التفاعل في العلاقات بين الدروز والموارنة. وخلال أيام الرئيس القوي كميل شمعون، كانت المختارة تعاني من صداع تحالف الشمعونين الموارنة مع الإرسلانيين الدروز. وحدث ان هذا التحالف اسقط ذات مرة كمال جنبلاط في الانتخابات التي سبقت الحرب الأهلية عام 1958 والواقع ان ((عقدة الشوف))  هي عقدة مكونة من نصفين في تاريخ جبل لبنان السياسي الحديث: نصفها يتمثل بعقدة مارونية من الدروز ونصفها الثاني يتمثل بعقدة درزية من الموارنة. وبكلام يعكس ترجمة بالأسماء لهذه العقدة، يمكن القول انها عقدة المختارة من قصر بعبدا، وعقدة قصر بعبدا من المختارة.

وبعد الدخول السوري الى لبنان اهدى غازي كنعان المختارة قانون انتخاب جعل إمارة الجبل كما كانت عليه في أيام لبنان الصغير أي ملكية انتخابية لوليد جنبلاط، وصار الشوف منقاداً بالمعنى المناطقي والانتخابي والسياسي من المختارة. ومنذ ذلك الوقت لم يعد الجبل منقاداً من ثنائية الزعامات المسيحية والدرزية بل صارت كل زعامته جنبلاطية. وَقّاد جنبلاط مع البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير مصالحة الجبل بين دروزه ومسيحييه وشغلت شخصيات من الحزب الاشتراكي ادارة صرف أموال الدولة على إعادة المهجرين المسيحيين الى الجبل. ورغم ان المصالحة حدثت على منابر الاحتفالات السنوية بإنشائها، الا انها عملياً ظلت مصالحة ليس لها تطبيقات على الارض وذلك لجهة انها لم تحقق عودة المهجرين المسيحيين ليقيموا بشكل نهائي في قراهم وبلداتهم. وليس بالضرورة ان سبب عدم عودتهم يعود لكون جنبلاط عرقل ذلك، بل لأن المعادلة السياسية في الجبل لم تعد ثنائية بل صارت أحادية، وعليه صار التعايش المسيحي- الدرزي على ارض الجبل، لا يتمتع بحياة سياسية مشتركة ومتساوية.

بعد خروج السوريين من لبنان، وكم التطورات الهائلة التي حصلت في لبنان وفي المنطقة، والتي نال جنبلاط أكثر من غيره نصيباً من انعكاساتها السلبية عليه، باتت المختارة أشبه بدارة لا يتسع بابها لأن تمر عبره كل المعادلات السياسية التي كان جنبلاط يمثلها. فجنبلاط أيام عز المختارة زمن السوريين، كان يمثل أكثر من معادلة في وقت واحد: كان امير دروز لبنان ومرجعية لدروز فلسطين وسورية. وكان جنبلاط زعيم الجبل بمعناه الدرزي والمسيحي. وكان جنبلاط بيضة قبان معادلة التوازنات السياسية اللبنانية. وكان جنبلاط فيما يمثل يعتبر آخر إقطاعية في لبنان، كما يصفه الرئيس حسين الحسيني الذي يرصد انهيار الإقطاعية السياسية الشيعية الوائلية ((احمد وكامل الاسعد))وانهيار الإقطاعية المشيخية المارونية، وانهيار إقطاعيات البيوتات السنية المختلفة. وحدها إقطاعية المختارة صمدت أمام امواج حرب أهلية عاتية وتغييرات اقليمية وديموغرافية وسياسية كبرى.

وخلال السنوات العشر الأخيرة فقد جنبلاط ميزات معادلته المركبة الواحدة بعد الأخرى. بداية لم يعد بيضة قبان التوازنات السياسية اللبنانية. كما سخر منه مؤخراً أمين عام تيار المستقبل أحمد الحريري في تغريدة أشعلت وسائل التواصل الاجتماعي.

لم يعد بيضة قبان وزاد من معنى هذا المسار الجديد انه أقلية سياسية وليس ركن التوازنات السياسية  قانون الانتخاب الأخير الذي جعله نصف أمير على امارة الجبل وجعله يبحث عن تتمة سياسية لتكمله مع السنة او الشيعة ليصبح له معنى في معادلة كل البلد السياسية. ومن ثم، وبفعل انعكاسات الحرب في سورية عليه، لم يعد امير الدروز في المنطقة، فلقد ابتعد عنه دروز سورية الذي اتخذوا من الحرب في بلدهم موقف الحياد فيما جنبلاط دعاهم ليقفوا الى جانب الثورة السورية. كما ان جنبلاط كآخر إقطاعية في لبنان شعر انه يتحول الى قائد يعيش فصول خريفه، خصوصاً بعد ان استشعر بأن عملية توريث نجله تيمور عباءة الزعامة الدرزية، تتخبط في بحر متلاطم  و في هذ النقطة ثمة  أرقام لا يعوز جنبلاط حسن قراءتها.. منها أرقام آخر انتخابات حيث نافس وئام وهاب مرشح الاشتراكي الأقوى مروان حمادة. ويشاع ان عملية تزوير حصلت، او ((تواطؤ)) جرى لمصلحة ضمان نجاح الأخير. ومنها أيضاً أرقام غير منشورة عن نسبة مشاركة الطوائف في آخر حراك مدني جرى في لبنان منذ عامين. وتظهر هذه الأرقام ان نسبة الدروز بين محتجي هذا الحراك المدني كانت الأكبر تقريباً، قياساً بنسبة المشاركة من الطوائف الأخرى. وهو  ما يشير بوضوح الى ان طائفة الموحدين وخلافاً لما هو شائع ليست متقوقعة او ما زالت تقبع في أسر ما كان رائجاً عنها بتوزعها بين الجنبلاطيين والارسلانيين, وانها بنخبها وأبنائها تطمح الى بناء دولة المواطنة والقانون والمساواة والعدل بعيداً عن المحاصصة والصفقات وسلطة المافيات المتحكمة.

وكل ما تقدم جعل مراقبين يصفون وليد جنبلاط بأنه دخل مرحلة الضمور الاستراتيجي وان تجديد شباب زعامة المختارة أصبح بحاجة لصدمة تعيد النبض لقلبها المصاب بوهن واضح. وبدا ان جنبلاط يفتقد المبادرة على هذا الصعيد، فعلاقته بدمشق ما عاد يمكن تجديدها، كما ان علاقته بحزب الله الرافعة الأهم داخلياً دخلت بثلاث مراحل وجميعها تم استنزافها: المرحلة الاولى شهدت تفضيله على العلاقة مع عون. من خلال التحالف الرباعي وكان ذلك خلال الفترة الأولى من عودة عون من باريس ومحاولاته للبقاء في مربع 14 آذار/ مارس. والمرحلة الثانية تمثلت بالفترة التي امتدت بين توتر العلاقة السنية- الشيعية حتى لحظة 7 أيار/ مايو التي اعتبر خلالها السيد حسن  نصرالله جنبلاط بأنه المتآمر الاول على حزب الله. والمرحلة الثالثة تمثلت بفترة الهدنة بين حزب الله وجنبلاط وتطبيع العلاقات الباردة . وهذه المرحلة صرف جنبلاط كل اوراقه فيها لتبدأ حالياً مرحلة القطيعة بين الطرفين التي يبدو ان نصر الله ليس ميالاً للبقاء فيها ، خصوصاً بعد تصريح جنبلاط الأخير عن ان مزارع شبعا ليست لبنانية.  ويدخل في هذا المجال تصريح الوزير محمود قماطي الأخير في خلدة بعد الحوادث الاخيرة وقوله ان ((زمن الميليشيات قد ولى)).

ومن خلال الاصطفاف السياسي لحلفاء حزب الله بدءاً من طلال ارسلان الذي وجه اتهامات خطيرة الى الوزير أكرم شهيب متحدثاً عن محاولة اغتيال تعرض لها وزيره صالح الغريب من قبل الاشتراكي , مروراً بوئام وهاب الذي لم يتردد في وصف جنبلاط من دون ان يسميه بـ((دراكولا)) الى آخرين يبدو ان معركة سيد المختارة اليوم بالغة الصعوبة في ظل تعقيدات الوضع في المنطقة.

زد على كل ما تقدم ان جنبلاط يشعر بنار يراد توسيع نطاق احتراقها  تحت أقدامه في معقله بالجبل، اذ  ان المطروح عملياً حالياً ليس فقط شراكة زعامة هذه المنطقة بينه وبين رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، بل أيضاً بينه وبين حلفاء حزب الله والرئيس ميشال عون من دروز الجبل، وهؤلاء باتوا يتصرفون على أساس انهم محصنون ضد جنبلاط، فمن جهة ينعمون بحماية حزب الله ومن جهة ثانية ينعمون بحماية العهد العوني. وعليه فإن جبل جنبلاط بات قلعة ترفرف فوقها عدة أعلام وتحرس بوابتها عدة قوى لها امتدادات تحالفية داخلية وخارجية، ووحده حارس القلعة الجنبلاطي لا يملك اية امتدادات وتحالفات يعتد بها.

وثمة من يقول ان جنبلاط قرر الهروب الى الأمام او أنه قرر ممارسة انتفاضة 6 شباط/ فبراير صغيرة في الجبل ضد ميشال عون وتعبيره العملي باسيل، كتلك التي قام فيها في بيروت ضد أمين الجميل حينما كان الأخير رئيساً للجمهورية.

ليس هناك أدلة دامغة تثبت صحة هذه المعلومة المنتشرة في اوساط بيئات غير مؤيدة لجنبلاط، ولكن الأكيد ان حادثة  قبرشمون الخطيرة  هي تعبير عن الضيق الجنبلاطي بالحصار الذي بدأ يشتد حول خناقه.

واذا كان من المرجح ان يتم تسوية الموضوع على قاعدة نزع فتيل التفجير وليس على قاعدة حل الأزمة كما جرت العادة على الطريقة اللبنانية, بعد تدخل الحكماء من أجل الحفاظ على الاستقرار ولو في الحد الأدنى الذي يخشى من الآن وصاعداً ان يتعرض بين الفينة والفينة الى هزات غير محمودة العواقب.

احمد خالد