بيروت | Clouds 28.7 c

رفيق الحريري كما عرفته رئيسا" للحكومة!/ كتب: حكمة ابو زيد

 

رفيق الحريري كما عرفته رئيسا" للحكومة!/ كتب: حكمة ابو زيد

الشراع 12 شباط 2024

الذين اغتالوا رفيق الحريري في 14 شباط عام 2005 ما كانوا يستهدفون شخصه فقط، بل ان هدفهم الأول كان اغتيال مشروعه السياسي والاقتصادي والتربوي الذي كان يعمل على تنفيذه في لبنان. ويبدو اليوم، بعد مضي تسعة عشر عاما" على الاغتيال أن القتلة في طريقهم للإجهاز على "رفيق الحريري المشروع" كما اسميته في كتابي "رؤساء حكومات لبنان كما عرفتهم". الصادر عن "دار النهار للنشر " في كانون الأول 2003 والطبعة الثانية في آذار 2004. ومن هذا الكتاب استخرج، للمناسبة، بعض ما كتبته فيه ونشرته في حياته. قلت:

"لست أنكر إعجابي برفيق الحريري، وتقديري لطاقاته، وإمكاناته، وعلاقاته الإقليمية والدولية، التي تميّزه عن غيره من السياسيين اللبنانيين،وتؤهله لان يكون قادرا" على القيام بدور لا يستطيعون القيام به. ولست أخفي محبتي له كإنسان ما لقيتُ منه، على مدى الأعوام الستة التي أمضيتها معه وهو رئيس للحكومة، إلاً المودّة، والتعاطف، والتقدير، وبعض "التميز" في بعض الأحيان. وقد كنت صادقا" معه وموضوعيا" في جميع الأمور التي استمع الى رأيي فيها، وأشهد بأنه تقبّل برحابة صدر ملاحظات فجّة أبديتها في بعض الحالات، وهو المتهم بأنه لا يقبل حتى الملاحظة الخجول!!"

"شاهدته أول مرة في منزل الرئيس عمر كرامي، العام 1991، إثر تشكيله الحكومة، وكان اسم الحريري قد شاع وملأ الاسماع بفضل المنح المدرسية التي قدّمها لألوف التلامذة والطلاب، والمساعدات الصحية، والمادية، والغذائية، التي وصلت منه لألوف العائلات إبان الحرب اللعينة، والدور الذي كان له في إنجاز "اتفاق الطائف" الذي أنهى القتال، وأسس لانتخاب رينه معوض رئيسا" للجمهورية والذي استشهد بعد ذلك."

"ويدعي معارضو الحريري إن المساعدات المادية التي قدّمها للميلشيات مدّت بعمر الحرب، بينما كانت "ورشة " تنظيف بيروت، وغيرها من المدن، من أثار الحرب حلقة في سلسلة خطوات مشاها الرجل على طريق الوصول الى رئاسة الحكومة!؟"

"حطّ رفيق الحريري رحاله في "القصر الحكومي" بمحلة الصنائع قبل أن يصدر مرسوم تشكيل الحكومة؟ فمنذ أن كلّفه الرئيس الياس الهراوي بالتشكيل جاء مستشاره نهاد المشنوق الى القصر، يرافقه فريق من المهندسين والفنيين المختصين، واتفق مع الأمين العام لمجلس الوزراء، هشام الشعار، على "نفض" المبنى، وتحديث أثاثه، وتزويده بالكمبيوتر والتجهيزات الأخرى المتطورة. وبدأ السباق مع الوقت لإنجاز الاشغال قبل تشكيل الحكومة، ليكون المقر جاهزا" لاستقبال الرجل الذي سينقذ لبنان من الازمة المالية العاصفة المتمثلة بسعر للدولار يقارب الثلاثة آلاف ليرة لبنانية."

"رفيق الحريري "مشروع" كبير جدا"، وإمكانات هائلة جدا"، وعلاقات واسعة جدا"، وصداقات مهمة جدا"، وخصومات حادة جدا"، وطموحات جموحة جدا" جدا". "

"والرجل محظوظ. وهو بنفسه يؤمن بذلك ويقول:" كنت أمشي على شاطئ البحر في صيدا، مع بعض الأصدقاء، عندما جاء بائع يانصيب يطلب مني شراء ورقة. ترددت فألحّ، فقلت له: "إذا اشتريت بدي اربح" قال: " صحتين على قلبك". فاشتريت ورقة واعطيته إياها وقلت له: " اربحها إنت". وهكذا كان". "

"إنه من مواليد صيدا العام 1944. تلقى علومه الابتدائية في مدرسة "فيصل الأول" المجانية التابعة لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية، والثانوية في ثانوية المقاصد في صيدا، ونال التوجيهية المصرية العام 1964، ودخل جامعة بيروت العربية كلية التجارة العام 1965. ويروي أنه عمل مع والده بهاءالدين، وشقيقه شفيق، في قطاف الحمضيات، وأنهما كانا يذهبان الى المدرسة وهما يلبسان "القبقاب" الخشبي في أرجلهما!!"

"في السياسة يظهر مشروعه في الخطوات التي مشاها خلال الحرب، باتجاه جميع أفرقائها المحليين، ليكون على علاقة معقولة بهم جميعا". ثم في الدور الذي مارسه لعقد "اتفاق الطائف" بالصيغة التي خرج فيها. وبعد ذلك في الخطاب البرنامج الذي ألقاه في الجامعة الأميركية في بيروت، وكان وكأنه البيان الوزاري للحكومة التي رئسها بعد ذلك بوقت قصير."

"وقد أمضي باسم السبع ونهاد المشنوق سبعة عشر يوما" في اعداد هذا الخطاب، بين بيروت وجدة، وفي إضافة جملة وحذف أخرى بناء على طلب الحريري او بعد الوقوف على رأيه. وكان من أهداف الخطاب طمأنة المسيحيين الى أن اتفاق الطائف لم يهمش دورهم، ولا قَضَمَ الصلاحيات التي كانت لمواقعهم الرسمية. غير ان مسيرة الممارسة، بعد ذلك، لم تكن متناغمة مع هذا الهدف!"

"فمع وصوله الى موقع المسؤولية والتقرير راح ينفّذ الدستور المنبثق من "اتفاق الطائف"، بأسلوب معيّن أدّى الى الصدام مع رئيس الجمهورية، الياس الهراوي، وهو الذي كان من أشد الناس حماسة لترئيسه الحكومة. وقد "هلكت لأقنع الرئيس حافظ الأسد به" يقول أبو جورج."

"تفشّى اقتناع في الوسط المسيحي بأن الحريري يهمّش رئيس الجمهورية وموقعه في التركيبة اللبنانية. وعلت أصوات شيعية تحذّر من سعي الرجل الى احتكار القرار الإسلامي والتفرد به. وراح المتضررون منه، والضائقون ذرعا" بقوته ونفوذه يكيدون له، ويشوشون عليه لبنانيا" وسوريا"، بينما انصرف فريق آخر الى الغوص في ملفات المشاريع وشركة "سوليدير"، والهاتف الخليوي، واستخراج ما يعتبرونه مخالفات فيها وتجاوزات وتحميل الحريري تبعة ارتكابها."

"وقد تكون هناك أخطاء، وربما خطايا، يُحاسب الرجل عليها أو يّدان بها. فكل من يعمل يخطئ ووحده الذي لا يعمل لا يُخطئ."

"ومن يتعاطى الشأن العام معرّض للنقد والتجريح والظلم أحيانا"، وقديما" قال الشاعر: إن نصف الناس أعداء لمن ولّي الاحكام هذا ان عدل!"

"والعدل بعينه نسبي، وخاضع للاجتهاد، باعتباره عملا" بشريا" غير معصوم عن الخطأ فكيف إذا كان الامر يتعلق بالسياسة ورجالها وألاعيبها وزواريبها ومصالحها وخلفياتها وأبعادها؟!"

"وإذا كان للتاريخ أن يحاكم ويحكم، فها أنا أدوّن فيه، وله، نتفا" من تجربتي مع رفيق الحريري، علّها تفيد وتساعد، محتفظا" في ذاكرتي، وضميري، بنتفٍ أخرى هي وليدة مجالس خاصة لها حرمتها، وأمانتها، وليس مسموحا" التعرّض لها، طالما أن "المجالس بالأمانات". "

"أزعجه كلام قيل، ونشر، مفاده أنه يعمل لأسلمة لبنان وتهمش المسيحيين فيه، وأن البطريرك الماروني مار نصر الله صفير عنده هذا الاقتناع. يومها قال لي: "أنا استمرار لرياض الصلح وسياسته، ونهجه، فكيف يمكن أن أعمل لأسلمة لبنان! إننا ميثاقيون وسنبقى كذلك"."

"كان يحب الفنون، ويقدّر الفنانين وأصحاب المواهب، وتغمره السعادة عندما يجد نفسه محاطا" بهم، أو يقوم بافتتاح معرض، أو يحضر حفلة موسيقية أو مسرحية. ولطالما حضر مسرحيات تنتقده، وشاهد ممثلين يقلدونه، وهو يقهقه ضاحكا" حتى عندما يجنح أحدهم في نقده أو تقليده. "

"أفهم مشاعر رفيق الحريري، وأقرأ انفعالاته وهو يرى نفسه في خضم مسائل يعتبرها صغيرة تأخذ الكثير من وقته وجهده للاهتمام بها وللتعاطي مع الذين يثيرونها وهو " العالمي الوزن" الذي بإمكانه أن يفطر مع جاك شيراك في باريس، ويتغدى مع طوني بلير في لندن، ويتعشى مع جورج دبليو بوش في واشنطن، بعد أن يكون شرب الشاي مع كوفي أنان في نيويورك!! ودون حضور وزير الخارجية ...طبعا"! "

"رفيق الحريري ظاهرة غير عادية في الواقع السياسي اللبناني، لذلك ليس غريبا" أن يكون أداؤه غير عادي وطموحاته غير عادية، وأن يعتبره بعض الناس منقذا وأن يرى فيه البعض الآخر "القاشوش" الذي سيستولي على كل شيء في لبنان!! أما الحكم النهائي فللتاريخ! "

حكمة .س. أبو زيد

   صحافي وكاتب سياسي