أول قمة عربية - اوروبية في التاريخ: الاستغناء عن المظلة الأميركية في مواجهة روسيا وايران / بقلم: محمد خليفة
- *الجامعة العربية تعد لها, والقاهرة تستعيد دورها
- *قادة خمسين دولة يجتمعون لتأسيس شراكة استراتيجية
قبل 150 سنة اجتمع عدد كبير نسبياً من ملوك اوروبا في القاهرة للاحتفال بافتتاح ((قناة السويس)) التي دشنت تحولاً جيو- سياسياً في طرق المواصلات بين اوروبا والشرق الأقصى.
في نهاية شهر شباط/ فبراير القادم سيعود قادة اوروبا الحاليون الى مصر لا لتدشين طريق تجارة جديد فقط, ولكن لتدشين مسار تاريخي وتحول جيو- سياسي وعالمي, غير مسبوق مع العرب جميعاً, لا مصر وحدها.
هذا الحدث الكبير الذي تعد له وتستعد القاهرة, يعد حدثاً لا سابق له في التاريخين القديم والحديث, ويمثل بلا شك علامة إشعاع نادرة في الواقع العربي الراهن, ويحمل مؤشراً مهماً على عودة العاصمة المصرية لأداء دورها الريادي والقيادي على المستويين العربي والدولي يتمثل في عقد أول مؤتمر قمة يجمع القادة العرب والاوروبيين معاً. ويتمثل أيضاً في عودة الجامعة العربية لأداء دور فاعل على المستويين ذاتيهما.
أهمية القمة تكمن في أن القادة الخمسين الذين سيجتمعون يمثلون حوالى خمسين دولة ((28 أوروبية, و22 عربية)) وتمثل شعوباً يزيد عددهم على سبعمائة مليون نسمة, ويمثلون حضارات عريقة هي الأعظم في التاريخ العالمي. ولهم امكانات هائلة في الاقتصاد العالمي, فضلاً عن علاقات تعاون تجاري كبيرة, ينقصها الإطار السياسي, وخصوصاً من الجانب الاوروبي الذي يريد أن يحتفظ بمصالحه مع العرب بدون التزامات سياسية. وتشير الأرقام الى أن حجم المبادلات التجارية بين دول الاتحاد الاوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي بلغت عام 2017 155 مليار دولار.
وفي المغرب العربي تتراوح نسبة المبادلات التجارية مع اوروبا بين 50 و70 في المائة من اجمالي مبادلاتها الخارجية مع العالم.
وبالنسبة لمصر تبلغ 40 % من حجم تجارتها الخارجية. وهذه الأرقام تظهر أن علاقات العرب الاقتصادية مع اوروبا علاقات كبيرة تؤهلهم لمطالبة أوروبا بسياسة خارجية واستراتيجية أكثر توازناً وتلبية للمواقف العربية. كما أن معاناة أوروبا من مشكلة الهجرة غير الشرعية, ومشكلة الإرعاب والتطرف القادمين من الشرق الاوسط يفرض عليها أن تبحث مع العرب اجراءات موحدة للحد من آثار هاتين المشكلتين, ويفرض على الدول العربية تلبية بعض مطالب الاوروبيين للحد من مشكلة الهجرة الصعبة.
بناء على هذه المصالح يشعر العرب والاوروبيون بالحاجة الماسة للعمل معا لتدشين أسس صلبة وقيم موحدة لعلاقات استراتيجية في مجالات الشراكة الاقتصادية, والتعاون الأمني الشامل. ويتوقع أن
تكون منظمة الأمن والتعاون في أوروبا حاضرة بقوة للاضطلاع بدور مركزي في إرساء هذه الأسس والقيم بالتعاون مع الجامعة العربية ((من خلال آليات التعاون القائمة مع المنظمات الأوروبية، وبحث ما تم إنجازه من الإرتقاء بالتعاون العربي الأوروبي, والانتقال به إلى مرحلة جديدة)) بحسب ما قالت مديرة إدارة اوروبا في الجامعة العربية رانية اوراغ, في مؤتمر صحافي سابق.
وأضافت إن الجانبين يرغبان في إحداث نقلة نوعية في العلاقات بينهما في مختلف المجالات، لا سيما في ظل الفرص والتحديات المشتركة التي أضحت تربط المجموعتين أكثر من أي وقت مضى.
وتشير المعلومات المتوافرة الى أن هناك وجهتي نظر رئيسيتين بين الطرفين. تركز الأولى على حصر التعاون في ميادين الاقتصاد والتجارة ومكافحة الارعاب والهجرة والجريمة المنظمة والاتجار بالبشر, وحل النزاعات.
والثانية تريد توسيع التعاون لتشمل ميادين التعاون السياسي والأمني الاستراتيجي.
تعويض الغياب الاميركي:
وتتداول دوائر صنع القرار في المجموعتين تقريب وجهات النظر قبل وضع جدول أعمال القمة. وكان مندوبو الدول العربية في الجامعة قد اجتمعوا الأسبوع الماضي في القاهرة للاتفاق على أجندة عربية لطرحها على اجتماع وزراء خارجية الدول الخمسين المقرر في بروكسيل في الرابع من شباط/ فبراير القادم للاتفاق على جدول أعمال القمة المقررة – مبدئياً - يومي 24 – 25 شباط/ فبراير.
وترغب الدول العربية في دفع علاقاتها مع الجيران الاوروبيين في المستقبل وإعادة بنائها على قواعد سياسية واستراتيجية وإرساء تفاهمات راسخة حول الأزمات والنزاعات والملفات الرئيسية التي تشغل تفكير العرب, وعلى رأسها القضية الفلسطينية, وتدخلات ايران في شؤونها الداخلية, والإرعاب, والأمن الدائم والاستقرار في البحر المتوسط, والشرق الأوسط.
وصرح سفير فلسطين لدى الاتحاد الاوروبي أن المجموعة العربية ستطالب الدول الاوروبية بتبني ((المبادرة العربية للسلام)) مع اسرائيل رسمياً وعدم الاعتراف بأي إجراء يتعارض معها ورفض الخطوات الانفرادية التي تقوم بها اسرائيل, أو أي دولة أخرى, بما فيها نقل السفارة الاميركية الى القدس, أو محاولة الالتفاف على حقوق اللاجئين الفلسطينيين, وخصوصاً حق العودة. وتريد أيضاً مساهمة أكبر من الدول الاوروبية في مشاريع التنمية العربية.
أما المجموعة الاوروبية فتريد الاتفاق على معايير محددة لحقوق الانسان والديموقراطية تلتزم بها الدول العربية، تدخل فيها حقوق الاقليات الدينية والقومية, ومعايير محددة لسياسات التنمية, ولا سيما ما يتعلق منها بالمرأة.. إلخ .
وبصرف النظر عن عمق الخلافات في بعض المسائل, أو حجم المصالح الاقتصادية الضخمة بينهما فإن حوافز وعوامل التقارب العربي - الاوروبي تزداد مع الوقت, ومع تغير الظروف الدولية لغير صالح الطرفين الجارين, وكلاهما يواجهان تحديات استراتيجية متشابهة, فهما يواجهان التهديد الروسي للأمن الاقليمي في أوروبا والبحر المتوسط والشرق الأوسط وإشعال الحروب على محيطهما, وكلاهما يشعر بحاجته للآخر لمواجهة تحديات أمنية واستراتيجية لا سابق لها منذ الحرب العالمية الثانية, وفي مقدمتها تراجع الاعتماد على المظلة الأمنية للولايات المتحدة الاميركية ثنائياً أو جماعياً.
وتتشاطر الدول الخمسين حالياً شعوراً واحداً, ناتجاً عن تراجع الاهتمام الأميركي بأمن الشركاء العرب في الخليج والذي تبدي بعدم اتخاذ سياسات جادة وقوية لمواجهة التوسع الايراني في الخليج والشرق الأوسط من ناحية أولى, وتراجع اهتمام اميركا - من ناحية ثانية - بأمن الشركاء الاوروبيين في مواجهة الأخطار الروسية, وتهديد ترامب لهم في العام الماضي بالانسحاب من حلف ((الناتو)), إذا لم يتحمل شركاؤه حصصاً عادلة في نفقات الحلف الدفاعية, ورد هؤلاء عليه بأن الأمن ليس سلعة للتجارة, ولكنه علاقة تحالف واسعة وراسخة تستند على قيم ومصالح مشتركة غير قابلة للمساومة.
لقد أيقظت هذه التطورات المفزعة الدول العربية والاوروبية كلاً على حدة من استرخائها واطمئنانها الى المظلة الاميركية الواقية, ودفعتهما الى البحث عن البدائل والخيارات المتاحة. وصدرت مواقف مهمة ومتشابهة عن مسؤولين كبار من الطرفين ترد على ترامب, تؤكد عدم التمسك بالعلاقات مع الولايات المتحدة. فالرئيس الفرنسي دعا حلفاءه لبناء جيش اوروبي بدلاً عن حلف ((الناتو)). والعربية السعودية ردت على ابتزاز ترامب لها ببيان رسمي في تشرين الأول/ اكتوبر الماضي جاء فيه إنها لن تدفع لأحد مقابل الأمن, وأنها قادرة على الدفاع عن نفسها.
القمة العربية - الاوروبية المنتظرة تشكل رداً نوعياً وقوياً من كلا المجموعتين على سياسة الولايات المتحدة الانعزالية والأنانية , وخطوة عملية لتأسيس شراكة بين مجموعتين كبيرتين بكل المعايير وتملكان امكانيات اقتصادية وبشرية وعسكرية, وتواجهان ظروفاً وتحديات متشابهة، وإذا كان من المبكر الآن الحديث عن النتائج, إلا أن القمة ستفتح الآفاق أمام الدول المشاركة لتعاون استراتيجي واسع.