2019-03-21 20:28:10

قراءة في مذبحة مسجدي نيوزيلاندا الرافضة والخوارج بالمنطق الجديد/ بقلم السيد صادق الموسوي

قراءة في مذبحة مسجدي نيوزيلاندا الرافضة والخوارج بالمنطق الجديد/ بقلم السيد صادق الموسوي

قراءة في مذبحة مسجدي نيوزيلاندا الرافضة والخوارج بالمنطق الجديد/ بقلم السيد صادق الموسوي

محطة حرة

قراءة في مذبحة مسجدي نيوزيلاندا الرافضة والخوارج بالمنطق الجديد/ بقلم السيد صادق الموسوي

 

  صُدم العالم بأجمعه بسماع خبر دخول مجموعتين إلى مسجدين في نيوزيلاندا يوم الجمعة الماضي 15/3/ 2019 وإقدامهما على إطلاق الرصاص وقتل المصلين فيهما بدم بارد، وكان الذهول لما رأى زوار مواقع التواصل الإفتراضي أن واحداً من المجرمين ثبّت جهاز تصوير على رأسه وقام بتصوير العملية وبثّ مشاهد القتل مباشرة على شبكة الإنترنت دون خوف من ملاحقة الأجهزة الأمنية، ولم تسارع الشبكة العنكبوتية بعد ذلك بحذف الفيديو كونها مادة إرعابية.

  إن اتخاذ القرار من جانب أشخاص في بلد مثل نيوزيلاندا للقيام بقتل أشخاص يعتقدون بغير معتقدهم أمر جدير بالدراسة المعمقة، فلو كان الأمر معكوساً بأن أقدم رجل في بلادنا بالدخول إلى مركز عبادة غير إسلامي وبادر إلى قتل مؤمنين بغير ايمانه لأقامت المراكز العلمية والنفسية وغيرها الدنيا وضخت التحليلات والدراسات وانتهت إلى اتهامات بالجملة للإسلام والمسلمين وتتالت المواقف الدولية المنددة وسارع مجلس الأمن الدولي إلى الإجتماع وإصدار بيان إدانة شديدة بإجماع الأعضاء الدائمين وغير الدائمين وصار كل مسلم يحذر السير مطمئناً في شوارع كثير من الدول خوفاً من الإنتقام الأعمى للقتلى غير المسلمين.

  إن الصورة القبيحة عن الإسلام الحنيف والتي انتشرت من خلال العالم الإفتراضي في السنوات الماضية أي منذ نشوء التنظيمات التكفيرية بمختلف تسمياتها وربطها بالدين الإسلامي، والتمسك من قبل القتلة المجرمين لتبرير فعلتهم بأفعال صدرت من جانب من يْسمّون بالسلف الصالح أي في الصدر الأول للإسلام، وحتى تلاوة آيات من القرآن الكريم حين قيامهم بتلك الأعمال الوحشية، واستغلال الأوساط المعادية للإسلام والمسلمين أصلاً وبالأخص وسائل الإعلام الصهيونية أو الخاضعة لها هذه الفيديوهات المقززة وإذاعتها على أوسع نطاق، جعل بعض الناس في أنحاء العالم يعتقدون أن الإسلام من أساسه هو المحرض على هذه الأعمال والمبرر لها، ولذلك يندفع البسطاء منهم لمعاداة عموم المسلمين ومن ثمّ مهاجمة المسلمين والمباهاة بفعلتهم كما حدث في المسجدين في نيوزيلاندا في الأيام الماضية.

  وما يؤيد القول هذا أن أحد أعضاء مجلس الشيوخ في نيوزيلاندا خرج بعد المذبحة الوحشية مندداً بالعملية لكونها ((تشوّه صورة نيوزيلاندا)) لكنه استند إلى فظاعات العصابات التكفيرية بإسم الإسلام ليتهم إيديولوجية الإسلام بالوحشية ويصف النبي صلى الله عليه وآله والعياذ بالله بـ(( الطاغية)).

  من هنا لا بد من تسليط الضوء على الذين هيأوا المناخ للكراهية من خلال إصدار الفتاوى والنفخ في بوق العصبية والتحريض على قتل الناس لكونهم غير مسلمين، وتأليب بعض المسلمين على بعضٍ لاختلاف مذاهبهم، وحتى إباحة كل فريق دم الفريق الآخر من المذهب نفسه، وانتهى الأمر بدفع الأفراد للقيام بالعمليات الإنتحارية لقتل أخوانهم في التنظيم الواحد حتى يوم أمس طمعاً بالجلوس في الجنة على مائدة رسول الله صلى الله عليه وآله، وتمّ استقدام عشرات الألوف من أربع أطراف الأرض من المؤمنين السذج وشحنهم بالفكر التكفيري ودفعهم لتمزيق أجسادهم فرحين بين الجموع من أخوانهم في الدين والمذهب وحتى في العقيدة التكفيرية عينها وفي التنظيم الواحد لمجرد حدوث اختلاف.

  لقد كان هؤلاء المحرضين للشباب على ((الجهاد)) حتى الأمس القريب ضد الحاكم الفلاني في هذا البلد وذاك واصفينهم بالمرتدين المستحقين للموت هم أنفسهم كانوا يقولون طوال عشرات القرون بوجوب طاعة الحاكم حتى بالعنف والغلبة وإن كان فاسقاً جهاراً، وكان المتردد في طاعة هذا الوالي عاصياً والمعارض لسلطته خارجياً، وكان مبرر الفريق الرافض للحاكم المغتصب فساده وفسقه وظلمه للرعية لكن صفة الرفض هذه تحولت تهمة ألصقت طوال القرون بطلاب الحق والعدل والحريصين على التزام تعاليم الإسلام الأصيل من منبعها ونبذ البدع المحدثة.

  إن الإسلام الحنيف الذي جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله هو دين الرحمة لـ(( العالمين)) و((الصفح الجميل)) و ((الخُلق الحسن)) وهدفه هداية ((الإنسان)) حيث كان إلى ((الصراط المستقيم))، وقد فرض على المنتسبين لهذا الدين ((الجدال بالتي هي أحسن)) حتى مع ((الكفار)) والتشويق لإستعمال البراهين في سبيل هداية الناس وبيّن فضل الهداية والنهي عن الاعتداء حتى على البادئين في الاعتداء وجعل العفو ((أقرب للتقوى))، لكن المنطق الذي انتشر عبر الفكر الظلامي جعل جميع المسلمين من غير المسَلِّمين لهم مرتدّين، مباحة دماؤهم، حلال أموالهم، جائز سبي نسائهم، وهذا ما حصل فعلاً على أيدي خريجي المدارس التكفيرية التي تمّ تأسيسها بأموال الدول التي بدأت اليوم تكتوي هي بنار المتطرفين الذين ابتدعتهم وربّتهم ورعتهم وموّلتهم وسلّحتهم وحمتهم، وصار الموصوفون بـ((المجاهدين)) حتى يوم أمس الذين كانوا يمجّدون على أغلب منابر المسلمين وتُرفع ملايين الأكف إلى السماء داعية لنصرهم (إرعابيين)) تُشكّل لمواجهتهم المؤسسات وتقام لدرء شرورهم المؤتمرات والندوات وتتبادل أجهزة استخبارات الدول عنهم المعلومات وترسل لهم على المنابر السابقة نفسها اللعنات.

  لكن الأثر السيىء الذي تركه سلوك هؤلاء في نفوس الرأي العام العالمي والصورة القبيحة التي رسمها هؤلاء عن الدين الإسلامي في الأذهان لا يمكن محوهما من العقول والنفوس، خصوصاً أن المستفيدين من بقاء هذه الصور والمستغلين لها لتنفير الناس عن الإسلام بعد ما تمدد على كامل مساحة أوروبا والقارة الأميركية واستراليا يحتاجون كثيراً لهذه الصور.

  إن المطلوب من أصحاب العقول النيّرة من أتباع المذاهب في أرجاء العالم بذل الجهود لمحو هذه الصور القبيحة التي بثّها التكفيريون من دون تأخير، وفي الوقت نفسه لا يجوز العودة إلى السكوت على ظلم حكام بلاد المسلمين وتبرير سلوكهم الجائر ولعبهم بمصائر الشعوب، وأن يتبعوا في نهجهم أمير المؤمنين وأئمة أهل البيت عليهم السلام الذين قاوموا حكام الجور في زمانهم ورفضوا مظالمهم بحق الناس حتى عُرف أتباعهم بالرافضة، لكنهم وقفوا بكل قوة أمام الخارجين على أصل الدولة الإسلامية، فهذا علي عليه السلام الذي ظل على يقينه بأنه صاحب الحق في خلافة الرسول صلى الله عليه وآله وقف إلى جانب ((الغاصبين)) في حماية أصل الكيان الإسلامي، بل قدم أفضل المشورات لعمر بن الخطاب لضمان نصر المسلمين في حربهم ضد الروم والفرس، وإلاّ فإن العنصريين المعادين للإسلام والمسلمين في مختلف بلاد الغرب سيقتلون المزيد من المسلمين جماعات وأفراداً.