2021-06-09 19:34:29

عمارةُ الأرض بالعلم وخرابُها بالجهل / بقلم الشيخ أسامة السيد

عمارةُ الأرض بالعلم وخرابُها بالجهل / بقلم الشيخ أسامة السيد

عمارةُ الأرض بالعلم وخرابُها بالجهل / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 10 حزيران 2021

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {أولم يروا أنَّا نأتي الأرض ننقُصُها من أطرافها} سورة الرعد.

جاء في "جامع البيان" للإمام الطبري في تأويلها عن ابن عبَّاسٍ قال: "ذهاب عُلمائها وفُقهائها وخِيار أهلها". وقال علم الهدى الماتريدي في "تأويلاته": "ووجه هذا هو أن الفقهاء والعلماء هم عُمَّار الأرض وأهلها وبهم صلاح الأرض فوصفَ الأرض بالنقصان بذهاب أهلها وهو كما وصف الأرض بالفساد وهو قوله: "لفسدت الأرض" سورة البقرة وقوله: "ظهر الفساد في البر والبحر" سورة الروم. فالأرض لا تفسُد بنفسها ولكن وُصفت بالفساد لفساد أهلها فعلى ذلك لا تنقُص بنفسها ولكن وُصفت بالنقصان لذهاب أهلها وعمَّارها وفقهائها وعلمائها".

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن الله لا يقبضُ العلم انتزاعًا ينتزعُه من العباد ولكن يقبضُ العلمَ بقبض العلماء حتى إذا لم يُبق عالما اتخذ الناسُ رءوسًا جُهَّالًا فسُئلوا فأفتَوْا بغير علمٍ فضلّوا وأضلّوا" رواه البخاري ومسلم. إن الله لا يقبض العلمَ أي العلم الديني الذي به قَوامُ أمرِ العباد والبلاد في آخر الزمان قبضَ انتزاعٍ ينتزعهُ من صدور الناس عند رفعه من الأرض لأن الله تعالى كريم ولكن يقبض اللهُ العلمَ بقبض نُفوس العلماء أي بموتهم.

هكذا يذهب العلم

 وفيما ذُكر في الحديث إشارةٌ إلى أن العلماء الصَّالحين كنوزٌ مودعةٌ في الأرض لنفع الخلق وكم من علماء نفعوا الناسَ في حياتهم وما زالت آثارهم باقيةً بين أظهُرنا ينتفع بها الناس حتى يومنا هذا يشهد لذلك حالُ الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المشتهرة وغيرهم، فقد أيَّد الله بهم الدينَ فكانوا مصابيحَ هداية يقصدهم الناسُ لكشف الملمَّات وما زال تراثهم العلمي العظيم بعد وفاتهم بمئات السنين بين أيدينا نبراسًا وهَّاجًا للمسترشدين الطالبين سلوك الطريق القويم. وفي هذا المعنى قيل:

قد مات قومٌ وما ماتت فضائلُهم               وعاش قومٌ وهم في الناس أموات

وكلنا يقين أن الأرض لا تخلو من عالمٍ هو حقُّ عالم فقد روى أبو نُعيمٍ في "حِلية الأولياء" عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالبٍ أنه قال: "لا تخلو الأرض من قائمٍ لله بحُجَّةٍ لئلا تبطُل حُجج الله وبيِّناته أولئك هم الأقلون عددًا الأعظمون عند الله قدرًا" فلو خلت الأرض من أمثال هؤلاء لأضاع الناسُ معرفةَ الحُجج والبيِّنات. ولكن فرقٌ كبيرٌ بين زمان كان لا تخلو فيه مدينةٌ من بلاد المسلمين أو ربما لا تخلو بلدة من إمام هدى يرجع إليه الناسُ فيما دهمهم وزمانٍ صار يندُر فيه أمثالُ هؤلاء، بينما أغلب أدعياء المشيخة صاروا يرون في المشيخة وظيفةً لكسب الأموال والأرباح المادية فيسكتون بالتالي عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مداراةً لزعيمٍ وطلبًا لودِّ ثري.

وإزاء ذلك نقول تذكيرًا للغافل وتنبيهًا للجاهل: جاء في "غريب الحديث" للقاسم بن سلام عن عبد الله بن مسعودٍ قال:"دُروس (ذهاب) العلم بموت العلماء". وفي "التذكرة" لابن الجوزي عن سيدنا علي بن أبي طالب أنه قال:"إذا مات العالم انثلم في الإسلام ثُلمةٌ لا يسدُّها إلا خلفٌ مثله". وفيه عن أبي الأسود قال: "الملوكُ حكَّامٌ على الناسِ والعلماءُ حكَّامٌ على الملوك". إذًا بالعلماء يُحفظ العلم وبذهابهم يذهب العلمُ وبقدر ما يذهب من العلم يذهب من الدين، وبالنظر في ذلك يمكننا أن نُدرك كم نقص من الأرض من خيرٍ منذ زمن النبي صلى الله عليه وسلم إلى يومنا هذا.

عندما يسُود الجهَّال

ونتيجة ذلك صرنا نرى الفساد تلو الفساد وكثيرٌ من ذلك يتأتى اليوم على يد من أقامهم الناسُ لرعاية مصالحهم أو ائتمنوهم على دينهم فخانوا الأمانة وخانوا الأمة من حيث يدرون أو لا يدرون لأنهم ليسوا علماء في أنفسهم ولا استعانوا بالعلماء الصادقين أعني العلماء الذين هم في الحقيقة كنوزٌ أغلى من كنوز الذهب وهم الذين أقامهم اللهُ في الأرض أدلَّةً على الخير، ولكن يرفع اللهُ تعالى تلك الكنوزَ في الوقت الذي شاء بقبضهم فيصيرون إلى الرحمة والرضا بما أعدَّه الله لهم من الأجر الجزيل على ما قدَّموا من عمل صالح وتصير الأرض إلى نقصان بفقد الأبرار، وقديمًا قيل:

الأرض تحيا إذا ما عاش عالمها                   متى يمت عالمٌ منها يمت طرفُ

وإذا لم يبق عالمٌ في ناحيةٍ ما يقوم بما يُصلح أمور الأمة واحتاج الناس إلى رأسٍ يلي أمورهم اتخذوا رءوسًا جُهَّالًا فهلكوا فما أكثر ما نقص من أطراف الأرض اليوم وكم نرى أصحاب مناصب في مواقع ليسوا أهلًا لها فلا هم يقومون بما أُنيط بهم من مسؤوليات جِسامٍ ولا هم يتركون تلك المقامات لأصحابها وتراهم إذا ما سُئلوا في الأمور المهمة أفتوْا بغير علمٍ ومنها فتاوى ضد العقيدة الصحيحة فضلُّوا في أنفسهم لافترائهم على الله الكذبَ وأضلُّوا من استفتاهم بإيقاعه في الفساد، وترى أحدهم من أشد الجاهلين ويجهل أنه من الجاهلين وهيهات أن تصلُح أمور الناس بأمثال هؤلاء. قال الأفوه الأَوْدِي:

 لا يصلح الناس فوضى لا سَراةَ لهم                ولا سَراةَ إذا جُهَّالُهمُ سادوا

"وسَراة القوم" قادتهم الذين يُدبِّرون أمورهم، فلا يستقيم أمر الناس بدونهم ولا ينبغي أن يكون سَراةُ الناس جهالًا وإلا عمَّ الشَّر جدًا لأن الجاهل يريد أن يُصلح فيفسد من حيث لا يدري كتائهٍ في الصحراء بلا دليلٍ يريد الذهاب شرقًا فيتَّجه غربًا، وإذا ما تقلَّد المسؤوليات غيرُ أهلها كانت النتيجة اختلاطَ الصحيح بالفاسد حتى فيما بين أدعياء المشيخة والدعوة إلى الإسلام، والتبست جرَّاء ذلك الأمور فكثرت الفتن واتسع الخَرقُ على الراقع فاستأسد الثعلب ولبس الذئب ثوب الحَمَل، ولكن يعرف كل عاقل أنه ليس كل قائم على شؤون الناس هو عمر بن الخطاب ولا كل قائدٍ هو خالد بن الوليد ولا كلُّ من تصدَّر للفتوى هو الإمام الشافعي وليس كل من مسك القلم هو سيبويه. فالحذر الحذر فإن علم الدين ليس عطيةً تُوهب للشخص بمجرد الحصول على مناصب دنيوية عالية، ومن يبيع المبادئ بالمواقع ليس أهلًا لما أُقيم له وكم من مغمورٍ لا يُعرف هو أعلمُ وأفضلُ عند الله تعالى من كثيرٍ من أدعياء الإمامة أو أصحاب المناصب المتقدمة ولولا خشية الإطالة لضربت لذلك أمثلةً كثيرة.

 والحمد لله أولًا وآخرا.