2021-06-03 12:47:59

إضاءة على مفهوم بر الوالد لولده / بقلم الشيخ أسامة السيد

إضاءة على مفهوم بر الوالد لولده / بقلم الشيخ أسامة السيد

إضاءة على مفهوم بر الوالد لولده / بقلم الشيخ أسامة السيد


مجلة الشراع 3 حزيران 2021

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {ءابآؤكم وأبنآؤكم لا تدرون أيُّهُم أقربُ إليكم نفعا} سورة النساء.

قال علمُ الهدى الإمامُ الماتريدي في "تأويلات أهل السنة": "قال بعضهم: هذا في الدنيا وهو أن يلزم الابن نفقة والده عند الحاجة والقيام بأمره والأب يلزم أن يُنفق على ولده في حال صغره وعند الحاجة إليه والقيام بحفظه وتعاهده فإن كان ما ذكرنا لم يُدر أيهما أقرب نفعًا نفع هذا لهذا أو هذا لهذا". وفيه: "وقيل: قوله "لا تدرون أيُّهم" أنتم في الدنيا "أقرب لكم نفعا" يقول: أخصُّ لكم نفعًا في الآخرة في الدرجات الوالد لولده أو الولد لوالده". فقد ينشأ الولد نشأةً صالحةً فينفع والده ويكون ذخرًا له في أخراه وربما شفع لأبيه في القيامة فأدخله الله الجنة أو العكس.  

ولا يخفى ما حثَّ عليه الشرع الشريف من بر الوالدين وكم يؤكِّد المشايخ والخُطباء على منابرهم والوُعَّاظ في مجالسهم على الأبناء الاعتناء ببر آبائهم وأمهاتهم وعدم العقوق ومدى خطره وهذا جيدٌ وعظيمٌ ومطلوبٌ وينبغي أن يتكرر مرةً بعد مرةٍ، وليس الكلام في هذا الموضوع محل نزاعٍ بين العقلاء، ولكن قلَّ أو ندر أن نسمع كلامًا أو نقرأ مقالًا يتكلَّم فيه صاحبه عن بر الأب لولده وربما يستغرب القارئ من هذا العنوان وهذا الموضوع والحقيقة أنه لا داعي للغرابة في ذلك فقد عنوَن الإمام الكبير البُخاري في كتابه "الأدب المفرد": "باب بر الأب لولده" وروى فيه عن ابن عمر قال: "إنَّما سمَّاهم الله أبرارًا لأنهم برّوا الآباء والأبناء كما أن لوالدك عليك حقًا كذلك لولدك عليك حق". وبرُّ الآباء بالإحسان إليهم وبرُّ الأبناء بالإحسان إليهم أيضًا وكما لا يخفى ما للأب من حقٍ على ولده فينبغي أن لا نتغافل عمَّا للولد من حقٍّ على والده، والعاقل من أعطى كل ذي حقٍ حقَّه. وفي "الأدب المفرد" أيضًا عنونَ البخاري في موضع آخر: "باب أدب الوالد وبرِّه لولده" وروى فيه عن نُمير بن أوسٍ أنه سمع أباه يقول: كانوا يقولون (أي السلف الصَّالح) الصَّلاح من الله والأدب من الآباء"، ولا يعني هذا أن الأدب بخلق الآباء، حاشا فإنه لا خالق إلا الله، ولكن يُستفاد منه أنه ينبغي للآباء الاعتناء بتأديب أولادهم فإن قصَّروا في ذلك كانت النتيجة عادةً على خلاف ما يُحبون.

أسئلة لبعض الآباء

وربما يسمع كثيرٌ منا شكاوى لكثيرٍ من الآباء من أبنائهم ويتساءل أولئك الآباء وغيرهم ما السبب في ذلك ولماذا هذا العقوق؟ ونحن نقول: قد يكون سبب العُقوق أحيانًا ناشئًا عن إهمال الأب لولده في الصغر فإن للولد على أبيه حُقوقًا لا ينبغي للأب أن يتهاون في أدائها أو يُقصِّر في القيام بها، وهذه الحقوق بعضها فرضٌ أن يُؤتى به تجاه الولد وذلك كتعليمه ما يحتاج إليه من أمور الاعتقاد كتنزيه الله عن المثيل والشريك وكل ما هو من صفات المخلوقين، وتعليمه فوق ذلك شيئًا من القرآن وأحكام الطهارة والصَّلاة وأمره بإقامتها إذا بلغ سنًا معينة وحرمة الزنى والكذب والسَّرقة وغير ذلك من الأمور الظاهرة، وبعض حقوق الولد على الأب هي مستحبةٌ من الأب وليست واجبةً وقد عنونَ مفتي بيروت الأسبق الشيخ عبد الباسط الفاخوري في كتابه "الكفاية لذوي العناية": "باب حق الولد على والده" وساق ضمنه أشياءَ مهمةً من الحقوق المفروضة والحقوق المستحبَّة. ولا أريد أن أتوسَّع في ذلك لأن الكلام في هذه الحقوق يحتاج إلى تفصيلٍ وشرح ولكن على الآباء النظر في هذا الشأن، ومن عرف تلك الحقوق فليطبق ما عَرف، ومن لم يعرفها فليتعلّمها ليعلم ما هو المطلوب منه تُجاه أولاده فإنه لا يجوز للآباء ظلم الأولاد، وليس للأب أن يتسبَّب لولده بالعقوق، وكم نسمع عن بعض العاقِّين لوالديهم إذا ما كُلِّموا في الكفِّ عن العقوق يقول أحدهم مثلًا: هو ظلمني في الصغر أو ضيَّعني أو كذا أو كذا وبالتالي هو يُبادل والده أو والدته بزعمه بمثل ما فعلا به، وهذا لا يُجيز له في الشرع أن يكون عاقًّا. وقد عنون الإمام البخاري في "الأدب المفرد" "باب بر والديه وإن ظَلَماَ" ولكن وإن كُنَّا لا نرى ظلم الوالد لولده يُبرر للولد العقوق وإذا ما تخلَّى الأب عن مسؤولياته تجاهك صغيرا فلا يسوغ لك أن تتخلَّى عن مسؤولياتك تجاهه كبيرًا وإن فعلت فأنت عاصٍ لربك ولكن يتوجَّه إلى كثيرٍ من الآباء في هذا المقام ما يلي: هل عرفتم حقوق أولادكم عليكم؟ هل اهتممتم بتعليم أولادكم ما يجب عليكم تعليمه لهم من أمور الدين؟ هل نظرتم في شؤون الولد من يُصاحب وأين يذهب وكيف يُخاصم وكيف يصافي؟ هل قوَّمتم له سيرته ووجَّهتموه نحو الخير؟ هل أدَّبتموه بالآداب المحمدية التي يسعد من التزم بها في الدارين؟ هل سألتموه من أين أتى بهذا المال أو بهذا المتاع وأين كان في منتصف الليل؟ هل بحثتم في حقيقة الشكاوى التي رفعها إليكم في شأنه أصحابُكم وجيرانكم وما اعترضوا به عليه مما أساء فيه أم صدَّقتم إنكاره لكل ما يُقال عنه ونسبتم أصحابَ تلك الدعاوى إلى التحامل عليه والحسد له؟ هل زرعتم في قلبه الخوف من الله وأن منتهى الأمر الآخرة لا الدنيا أم كان غاية أمركم إطلاق يده في جلب المال كيفما اتفق ليُنافس أقرانه في دنيا زائلة فحسب؟

وما أكثر ما نذكر لفظ "هل" لو أردنا أن نسترسل في مثل تلك التساؤلات، وإذا ما كنت أيها الأب غير مبالٍ بكل ذلك وتكاسلت عن القيام بالحقوق المطلوبة منك بل ولم تعرفها أصلًا فهل ستتوقع من ولدك بعد البلوغ أن يكون نظير الأئمة الأربعة؟ هيهات.

وبالتالي فإننا ننصح الآباء المقصِّرين في أداء الحقوق المطلوبة منهم تجاه أولادهم بإعادة النظر في كيفية تعاملهم مع أبنائهم، فعن عبد الله بن عمر يقول: سمعتُ رسولَ اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكُم راعٍ وكلكم مسئولٌ عن رعيته، الإمامُ راعٍ ومسئولٌ عن رعيته، والرجلُ راعٍ في أهله وهو مسئولٌ عن رعيته، والمَرأةُ راعيةٌ في بيت زوجها ومسئولةٌ عن رعيتها، والخادمُ راعٍ في مال سيده ومسئول عن رعيته" قال: وحسِبْتُ أن قد قال "والرجلُ راعٍ في مال أبيه ومسئولٌ عن رعيته وكلكم راعٍ ومسئولٌ عن رعيته".

والحمد لله أولًا وآخرًا.