2021-05-30 18:27:10

مملكتي المناذرة في الحيرة والغساسنة  في الشام ومعركة ذي قار / بقلم عبد الهادي محيسن

مملكتي المناذرة في الحيرة والغساسنة  في الشام ومعركة ذي قار / بقلم عبد الهادي محيسن

مملكتي المناذرة في الحيرة والغساسنة  في الشام ومعركة ذي قار / بقلم عبد الهادي محيسن

مجلة الشراع 30 أيار 2021

 

هاجرت بطونا من كهلان في اليمن واحتلت جزءاً من ريف العراق ثم لحقهم من هاجر من العدنانيين وسكنوا الجزيرة الفراتية ، وقد استطاع هؤلاء العرب أن يكوّنوا لهم مُلكا في منطقة الحيرة ، وفي عهد أردشير مؤسس الدولة الساسانية الذي استطاع أن يعيد لدولة فارس وحدتها وأن يخضع العرب المقيمين في العراق ، ولكي يمنع القبائل العربية المتاخمة من الإغارة على حدود مملكته فقد رأى أن يبقي على مملكة الحيرة ، وأن يُمّلك عليهم رجلا منهم ذو عصبية تؤيده وتمنعه وبذلك يكتفي أردشير بخضوع ملوكها اليه ، فولى جذيمة الأبرش ونصبه ملكا على الحيرة .

بعد موت جذيمة 268م ولي الحيرة عمرو بن عدي اللخمي في عهد كسرى بن أردشير ، ولم تزل ملوك اللخميين تتوالى على الحيرة حتى ولي الفرس قباذ بن فيروز ، وفي عهده ظهرت الديانة المزدكية  وقامت بالدعوة الإباحية فتبعها قباذ وكثير من الفرس من رعيته ، ثم أرسل قباذ الى ملك الحيرة وهو المنذر بن ماء السماء يدعوه الى الإباحية المزدكية ، فأبى عليه ذلك حمية وأنفة فعزله قباذ وولى بدلا منه الحارث بن عمرو الكندي .

خلف قباذ كسرى أنو شروان وكان يكره هذا المذهب فقتل مزدك وأعاد المنذر بن ماء السماء  الى ولاية الحيرة الذي استمر الملك في عقبه حتى كان النعمان بن المنذر وهو الذي غضب عليه كسرى بسبب وشاية دبرت ضده ، وهي أن النعمان يأنف أن يزوج بناته وأخواته الى كسرى وأولاده .. فتوعده كسرى وطلبه فأدرك النعمان سوء المصير فخرج سرا الى هانيء بن مسعود سيد بني شيبان وهم من بكر بن وائل ، فأودعه أهله وولده وماله وسلاحه ثم توجه الى كسرى فحبسه حتى مات .

ولى كسرى الحيرة إياس الطائي وأمره أن يرسل الى هانئ بن مسعود يطلب رد ودائع النعمان من أموال ودروع وغيرها ، فأبى هانيء حمية ووفاء بالعهد وبلغ كسرى الخبر فغضب وهدد باستئصال بكر بن وائل ، وبعد مفاوضات عرض عليهم كسرى إحدى ثلاث خصال : الإستسلام لكسرى ، أو الرحيل عن الديار ، أو الحرب . وأجمعت كلمة بنو بكر على الحرب فجمعوا شتاتهم ورصوا صفوفهم وانضم اليهم بنو عجل وبنو إياد وبنو شيبان .

كانت بين الفريقين وقعة هائلة عند ذي قار انتصر فيها بنو بكر بن وائل وانهزمت الفرس هزيمة منكرة وهذا أول يوم انتصرت فيه العرب قبل الإسلام على الفرس ، وعلى أثر هذه المعركة وفي سنة 632 عاد المُلك الى آل لخم فتولى منهم المنذر بن النعمان ولم تزد ولايته على ثمانية أشهر حتى قدم عليه خالد بن الوليد بجيوش المسلمين .

وقد كان لأهل الحيرة أثر كبير في الحضارة العربية فقد كانوا يجوبون أرجاء الجزيرة العربية بالتجارة ويشتغلون بتعليم القراءة والكتابة ، وبذلك أصبحوا واسطة لنشر المعارف في الجزيرة كما ساعدوا على نشر المسيحية في بلاد العرب على أثر اعتناق بعض ملوكهم الدين النصراني بعد تركهم الوثنية .

في العهد الذي هاجرت فيه قبائل من اليمن الى العراق ، هاجرت قبائل من قضاعة  أيضا واستقرت في بادية الشام وهم المعروفون بالضجاعمة فاصطنعهم الرومان ليمنعوا عرب البادية من الإغارة على حدودهم وولوا منهم ملكا ثم تعاقب فيهم المُلك سنين من أول القرن الثاني الميلادي الى نهايته ، حيث انتهت ولايتهم بعد قدوم آل غسان فجعلتهم الروم ملوكا على عرب الشام ولم تزل تتوالى الغساسنة على الشام بصفتهم عمالا لملوك الروم حتى جاء الإسلام وكانت وقعة اليرموك سنة 13هجرية ، وكان آخر ملوكهم جبلة بن الأيهم الذي كتب له رسول الله يدعوه الى الإسلام فأسلم ثم ارتد الى النصرانية ويقال أنه عاد وأسلم إثر انتصار العرب في اليرموك غير أنه ما لبث أن ارتد وهجر وطنه ليستقر نهائيا في بلاد الروم ، وقد كان الغساسنة كلهم على دين النصرانية عند ظهور الإسلام .

أما حدود مملكة الغساسنة فلم تكن ثابتة ولهذ نجد مُلك الغساسنة يتوسع ويتقلص بحسب الظروف فيصل الى مقربة من دمشق والى فلسطين ولبنان وحتى ولايات سوريا الشمالية في بعض الأحيان ، وقد بلغت دولة الغساسنة درجة كبيرة من الحضارة ، فتركت خلفها الكثير من الحصون كما كان بها الكثير من البيع والكنائس وكان ملوكها يقتنون الجواري الروميات أما مبانيها فكانت مكسوة بالحجر الأبيض المأخوذ من الجبال القريبة ... وقد تعلم الغساسنة من مخالطتهم الروم ومحاربتهم الفرس الفنون الحربية وطرق الدفاع وكسبوا المران العسكري .

عبد الهادي محيسن ... كاتب وباحث