2021-05-16 20:03:55

بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي / بقلم عبد الهادي محيسن

بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي / بقلم عبد الهادي محيسن

بغداد في ثلاثينيات القرن الماضي / بقلم عبد الهادي محيسن

مجلة الشراع 17 أيار 2021

 

كانت الحياة العامة في بغداد منذ مطلع الثلاثينيات حتى نهاية الستينيات تلفها الرومانسية ، لقد كان منصب الملك منصبا رومانسيا أنتجت طبخة مبتكرة ، لقد كان جسد بدوي ملتف بعباءة داكنة، وعقله مشبع بثقافة الأشراف عبادة السيد وعبيده، فقد خلع العباءة ونفض رمال الصحراء عنه ولبس بدلة بريطانية وسمح لعواطفه أن تسهر في ( بيت المس بيل ) مساعدة المندوب السامي البريطاني .

كان الملك حامل وثيقة المساواة ، ومتحمسا للتنوير فالتقت الإرادتين، إرادة المرأة صنيعة المدن الكبرى وإرادة رجل الصحراء، الأمير البدوي الرومانسي، كانت المس بيل مولعة في البحث عن الأقوام البائدة فبنت صرحا للحلي واللقى والأشكال والكتابات المسمارية فكان مولد متحف بغداد .

أحبت هذه المرأة الإنجليزية الشعر والموسيقى والرسم وأشكال الفنون، وشجعت ملاكي الأرض والمال على إرسال أولادهم الى أوروبا وأمريكا للدراسة ، لقد كتبت مرة تقول .. لا آبه للإقامة في لندن فقد أحببت بغداد والعراق بأسره .. إنه عين الشرق ، ويثير فيّ الأحاسيس الكثيرة ، إن أجواء الرومانسية تلمس شغاف قلبي ..! وتغمرني ..

وفي ثلاثة عقود غصت بغداد بأربعين داراً للسينما وعشرات المنتديات والمسارح وقاعات ومعارض الرسم ، وكافة أنواع الفنون من نحت وموسيقى ومدارس وكليات مختلطة ومستشفيات حديثة ومئات الصحف بالإضافة الى حرية الإضراب ... وبعد سنوات قليلة عاد أبناء العراق من أوروبا مشبعين بالعلوم والفنون وروح الإبداع مما ساهم في خلق أجواء ثقافية ورومانسية وحرّك النهوض العام في العراق .

في هذا الجو الجديد .. تم كسر عامود الشعر العربي الصلب والمكابر ، فكان ضربة حظ بالنسبة الى بغداد طار تأثيرها الى لبنان ومصر وبقية البلدان العربية ، فكسر جزء من التقاليد المغلقة والمحَصّنة ... وفي أطراف المدن ، حين رفع (طالب النقيب) إبن أكبر سادات مدينة البصرة كاس البراندي في صحة السيدة الرومانسية على أنغام معزوفة شوبان .

لقد كانت طبقة أبناء المدن هي التي تحمي الثقافة بأخلاقها المتطورة ، وهي طبقة بغداد الأرستقراطية في وجه عادات أبناء الأرياف .. لكن الثوار أبناء الأرياف خسَّرَت هذا الوطن رهان أبناءه على التطوير والعصرنة .. فكان 14 تموز وكانت الحركات العسكرية التي تلته ، وكان صدام حسين يمثل هؤلاء الذين استولوا على السلطة وفرضوا عاداتهم وتقاليدهم وشعاراتهم ، فأخذوا السلطة والمال والنفوذ وكان ما كان .. فانهى العرش الهاشمي الذي حكم العراق بالدعة والديموقراطية والحريات من عهد فيصل الأول من العام 1920 حتى العام 1932 وعهد الملك غازي من ذلك التاريخ حتى العام 1955 ثم ابنه فيصل الثاني الصغير عبر وصي على العرش حتى العام 1958 ..

عبد الهادي محيسن ..... كاتب وباحث