2021-05-12 10:51:59

كيف نستفيد من محطة العيد / بقلم الشيخ أسامة السيد

كيف نستفيد من محطة العيد / بقلم الشيخ أسامة السيد

كيف نستفيد من محطة العيد / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 12 آيار 2021

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: {قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرَحوا هو خيرٌ مما يجمعون} سورة يونس.

جاء في "تفسير القرآن" لابن زمنين: قال قتادة: "فضلُ الله الإسلامُ ورحمتُه القرآن "فبذلك فليفرحوا" تفسير بعضهم "فليفرحوا" يعني المؤمنين "هو خيرٌ مما يجمعون" مما جمع الكفَّار". أي فليفرحوا بما منَّ الله به عليهم من هذا الخير العظيم وليثبتوا على هُدى القرآن فذلك خيرٌ مما يجمع الكفَّار من حطام الدنيا، فإن كل ذلك إلى زوال أما ثواب الله في الآخرة فإنه يبقى وبالتالي هو أولى أن يهتم به العقلاء.  

وعن أنس بن مالك قال: "قَدِم النبي صلى الله عليه وسلم المدينةَ ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما بالجاهلية فقال: قدمت عليكم ولكم يومان تلعبون فيهما في الجاهلية وقد أبدلكم الله خيرًا منهما يوم النحر ويوم الفطر" رواه البيهقي.

مهما تبدَّلت الأيام وتغيَّرت الأحوال يبقى العيد السعيد مظهرًا من مظاهر الفرح عند المؤمنين ولكن يعود العيد هذا العام وفي النفوس غُصَّة وألم وحزنٌ إما لفقد عزيز قضى بجائحة كورونا أو بغيرها وإما لبلاء بات يعصف بقلوب كثيرٍ من الناس، ولا يخفى ما نعانيه من الضَّائقة التي أحكمت سيطرتها على وطننا لبنان ولكننا مع هذا كله نشتاق إلى العيد ونرى في هذا اليوم بارقة أملٍ لغدٍ مشرقٍ إن شاء الله، فإنه مهما حشد الليل الظلام فلا بد أن يُعسعس أمام طلائع الفجر وكم نحن بحاجة إلى العيد لنرى مظاهر الأُلفة تتألق من جديد وليتذكَّر الغافل أهله وأرحامه فيصلهم ويواسيهم بعد انقطاع طويل بنفسه وبماله أو بكلمة طيبةٍ تُبلسم جراحهم وتُكفكف أحزانهم.

 

فلتتسامى القلوب

 ولقد قيل:

لا خيل عندك تُهديها ولا مالُ                           فليُسعف النطق إن لم تُسعف الحال

فلتتسامى قُلوبنا في العيد بالصفح عمن أساء إلينا وبالسعي لمصالحة من جفانا، فكم من قطيعةٍ طال أمدها وصلها العيدُ برِفده، وكم من قلوبٍ عانت من أمراض الحقد والحسد والبغضاء شُفيت بنفحات العيد، وكم من عاقٍّ لوالديه أو مسيءٍ لأهله وإخوانه صقل قلبَه نورُ العيد فتاب لربه وخرج مما هو فيه من الإثم إلى الطاعة، ولا شك أن كل ذلك من المفاهيم والمثُل العليا التي نحتاج أن تتجدد في مجتمعنا مرةً بعد مرةٍ ليرتفع بها الصدأ الذي لطالما أحاط بعلاقات الناس بعضهم مع بعض فما أحوجنا أن نعمل على إصلاح ذواتنا فإن صلاح المجتمع يبدأ بصلاح الفرد. وليس معنى العيد أن نتجمَّل بلبس الثياب الجديدة فحسب ولا أن نهتم لشراء آخر ما توصلت إليه صناعة الأزياء الشرقية والغربية أو أن يكون أكبر مرادنا في هذا اليوم شد الرحال للرحلات الترفيهية بقصد الاستجمام والنزهة وغير ذلك من مغريات الحياة غير متنبهين لتلك المبادئ القيمة التي ينبغي أن نفهمها من العيد فإن الفرحة العظمى أن تزيد طاعاتك وتكثر حسناتك وتتوب إلى ربك ليغفر لك سيئاتك، وإلا فما معنى أن يتجمَّل المرء باللباس ويُبالغ في التنعم بالتفنن في المأكل والمشرب وقد هجر أخاه المؤمن ولم يرتدع بحديث أبي أيوب الأنصاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يحل لرجلٍ أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليالٍ يلتقيان فيُعرض هذا ويُعرض هذا وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" رواه البخاري. فما بال من قطع أرحامه الشهور والسنين بل وكم من أناسٍ هجروا إخوانهم العمر وراحوا يذرفون دموع الندم عند موت أولئك الأقارب.

ونظرًا لأهمية العيد وما يُمثله في الزمان فإننا ندعو في هذا اليوم المبارك إلى تلاقي القلوب قبل القوالب فإنه إذا التقت القلوب صفا الود ولم يؤثر بعد ذلك بعدُ المسافات واختلافُ البلاد والأوطان، أما إذا نفرت القلوب وغرقت في الفساد فلا خير في اجتماعها على ذلك بل إن لقاء أصحاب مثل هذه القلوب لا ينتج عنه في العادة إلا مزيد الشر وبالتالي فإنه ليس المراد من اللقاء في العيد مجرد اجتماع الأبدان وإذا ما قام عائقٌ أمام الكثيرين يمنع من التلاقي فلا ينبغي أن يكون هذا العائق مانعًا من غسل القلوب من الأحقاد والضغينة.

العيد يوم شكر

 ولنتذكر أن روابط الأخوة في الدين أقوى من روابط الأنساب وما تجمعه رابطة الإيمان أقوى مما تجمعه رابطة القرابة والمصاهرة، وإذا ما كنا على قلب رجل واحدٍ كنا أقرب لبعضنا البعض وإن بعدت ديارنا، أما إذا كانت قلوبنا شتى فنحن أبعد ما نكون عن بعضٍ ولو كنا في غرفة واحدة، وربنا تعالى يقول: {إنما المؤمنون إخوة} سورة الحجُرات. وشأن الأخ حقًا أن يكون عونًا لأخيه على المعروف ظهيرًا له على نوائب الدهر وصروف الزمان وبذلك يتجلَّى مظهر الوحدة بين المؤمنين في أقطار الدنيا إذ يجتمعون في يوم واحد على قلب رجل واحد وهذا مظهرٌ عظيمٌ ندعو إلى العمل على ترسيخه أكثر فأكثر لا سيما في هذه الظروف الحالكة من تاريخ أمتنا المجيدة التي ما زال الخير فيها رغم كل الجراح والمآسي. فالعيد مظهرٌ من مظاهر الخير والتَّقدُّم تبرزُ فيه صورةٌ مشرقةٌ تدل على سماحة دين الإسلام العظيم وفضل ما جاء به نبينا محمدٌ صلى الله عليه وسلم وما بثَّه بين الناس من الرشاد ومدى أهمية تطبيق هذه التعاليم وما يُسهم الالتزام بها في تحقيق المصالح العامة والخاصة.  

إن من عظيم فضل الله ورحمته بهذه الأمة أن أبدلهم يومي اللهو واللعب اللذين كانا في الجاهلية المظلمة بيومي الذكر والشكر وجعلهما من شعائر الدين فيستبشر فيهما المؤمنون ويُظهرون المسرَّة فيما بينهم فرحين بما منَّ الله تعالى به عليهم من خيراتٍ وبركات راجين ربهم عزَّ وجل أن يوفقهم لما يحبه ويرضاه ويحرّك العيدُ المجيد في النفوس الصادقة الهمةَ والعزمَ على الاستمرار في عمل الخير والمعروف والطاعة ابتغاء مرضاة من له ملكوت السموات والأرض تبارك وتعالى، ولسان الحال قبل لسان المقال يردد: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله وبحمده بكرةً وأصيلا، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وأعزَّ جنده وهزم الأحزاب وحده".

والحمد لله أولًا وآخرا.