2021-05-02 00:17:31

دفاعاً عن يحيى الفخراني في سؤال الدراما والإقتباس / بقلم نداء عودة

دفاعاً عن يحيى الفخراني في سؤال الدراما والإقتباس / بقلم نداء عودة

دفاعاً عن يحيى الفخراني في سؤال الدراما والإقتباس / بقلم نداء عودة

مجلة الشراع 2 أيار 2021

 

وسط إزدحام المسلسلات على الشاشات عبر شهر رمضان المبارك من كل عام، يشوب السباق الدرامي العربي عموماً الوَهن، حيث الكتابة السريعة وإنجاز الأعمال تصويراً وإخراجاً بشكلٍ أسرع، الأمر الذي يُفقد معظم الأعمال من قيمتهُا الفنية ، هناك بضعة أعمال وهي معدودة على الاصابع تلك التي يمكن القول انها عمل فني تتكامل فيه القيمة الفنية مع الصناعة، حيث يجري التركيز الدرامي، عموماً ومنذ سنوات الطفرة الفضائية، على مواضيع يُسقط عليها طابع الأكشن والبوليسية والعنف حتى وإن كانت ذات طابع اجتماعي، من هنا تُصبح معايير تسويق الأعمال على القنوات الفضائية وجمهورها هي ارتباطها بالنجوم الكبار، أو حضور نجوم ونجمات الإثارة والجمال فيها.

ووسط هذا الواقع التركيب للقصة وابطالها وهو الغالب على معظم ما يتم تقديمه في الدراما..

 ألا يجدر بنا السؤال، لماذا يلجأ ممثل قدير وفنان عربي كيحيى الفخراني إلى الإقتباس، بدلاً من إتهامهِ بالسرقة الادبية؟

والا يحيلنا هذا إلى السؤال عن واقع الكتابة للدراما والسينما؟

وإذا حصرنا اسئلتنا على مستوى مصر كامّ الفنّ العربي، فأين هم الكتّاب الذين يرسمون الشخصيات رَسماً نفسياً عميقاً طالعاً من  قاعدة مجتمعاتهم وارتباطها بالتحوّلات التاريخية والسياسية فيها، أين جيل الكتّاب الجديد الذي يمكنه ان ينطلق من عظمة كتّاب سيناريو وروائيين رُوّاداً  مثل أسامة أنور عكاشة، عبد الحيّ أديب، مصطفى محرّم محمد جلال عبد القوي والذي الذي كان  يحيى الفخراني لعب احد أجمل اعماله للدراما "الليل وآخرو"؟

الجواب هو أن معايير الكتابة للدراما الجديدة صارت " تريند" الأحداث والإثارة والتشويق، ومنذ استحوذت معايير السوشال ميديا على محورية اهتمام المتلقّي ونظرته المُجتزلة والمُسطّحة للفنّ، لم يعد هناك، إلاّ، نادراً، كتابة متأنية للدراما من شأنها التأثير في وعي الجمهور إضافة إلى إمتاعهِ.

ووسط شبه غياب للنصوص العميقة، والتي من شأنها نَسج عمل فني بعيد عن فبركة حبكة تشويقية تتزلّف لمعايير السرعة والإثارة عند جمهور يبني ثقافته الجديدة على معايير السوشال ميديا، يلجأ النجم يحيى الفخراني إلى الإقتباس في عمله "نجيب زاهي زركش" من كتابة عبد الرحيم كمال وإخراج شادي الفخراني.

ويبدو النقد حول العمل فيما خصّ الإقتباس وأحياناً إعتباره سرقة ادبيّة، قد أنسى متناوليه بالنقد الأهمية الفنية للمسلسل والتي تستغرق في كوميديا هادفة ترسل للمتلقّي رسائلها الإنسانية فتبعث فيه التاثُر، هذا فضلاً عن إمتاعهِ بصرياً في فانتازيا إخراجي وكوميديا خالية من الهزل..

فنجيب زاهي زركش شخصية متمرًدة على التقاليد، لكنه بعد حياة العازب العاشق لحريته الشخصية، بدأ يبحث عن الدّور، أي دوره في الحياة عبر أبوة غير مؤكّدة لواحد من ثلاثة اولاد، فمن "يفقد دوره هو الذي يموت" وليس من يكبر في السنّ، وهي واحدة من الجُمَل الواردة في الحوار كمثيلاتها من الحوارات الإنسانية الهادف ومن ضمنها ما يعبر  عن شعور البطل بالكِبَر والخوف من الوحدة، فضلاً عن مصرنة الابطال الآخرين كهالة فاخر (شفيقة) التي تلعب دور عشيقة زركش ويتزوجها نزولاً عند رغبتها قبل موتها، لتكشف له انها أنجبت منه واحداً من أولادها الثلاثة، هنا لا يقبل النقاد العلاقة الخارجة عن مؤسسة الزواج بين رجل وإمرأة في الدراما رغم وجودها في مجتمعاتنا، كذلك يتمّ تناول حبّ البطل لشرب الخمر وميله للسهر و اللهو، على الرغم من وجود هذا النموذج وهو ليس معياراً شخصياً للأخلاقيات من عدمها..

نذهب في العمل لمجموعة فنانين كانوشكا  (شيرين) ورنا رئيس (نانسي) ومحمد محمود (طريف) الذي يلعب بتميّز احد اجمل أدواره كسكرتير  وصديق ملازم للشخصية الرئيسية وكراوٍ للأحداث. ولا شكّ انها كتابة مؤثرة في إطار إخراجي مُمتع بإعتماده على نوستالجية أقرب إلى الهوليوودية حافظت على تعريب ومصرَنَة العمل المقتبس عن الفيلم الإيطالي "زواج على الطريقة الإيطالية" إنتاج عام 1964 ،وكذلك المسرحية الكوميدية الإيطالية للكاتب ادواردو دي فيليبو سبق أن قدمها الفخراني على المسرح مع دلال عبد العزيز عام 1998 أيضاً مُمَصرناً إياها تحت عنوان "جوازة طلياني". ورغم إجترار الصراع الطبقي مجدداً كموضوع في الكوميديا، الأمر الذي اصابتهُ الرتبة، إلا إنّ العمل الدرامي متوازن بشكل عام.

وإذا عدنا للإقتباس فهو ليس تهمة، كما أنه ليس، بالضرورة، تعويضاً عن نُدرة النصوص العميقة، فلطالما جرى إقتباس كثير من النصوص الأدبية والمسرحية والسينمائية عبر العالم، ليصبح الإقتباس هو فنّ إسقاط النّزَعات الإنسانية كمساحة مشتركة مع مجتمع آخر مختلف من حيث اللغة والثقافة، ولذلك فالإقتباس رؤية وتصوُّر فني يعتمد جهداً فكرياً وليس يعتمد إستنساخاً، من هنا نستطيع محاكمة الإقتباس نفسه، وكممثل كبير فقد سبق ليحيى الفخراني مثله مثل فناني جيله من الروّاد شغفهم بالمسرح العالمي كاساس درامي، وكملعب رَحِب للممثل وادواته، نعرف ان الفخراني لعب لسنوات شخصية " الملك لير" لوليام شكسبير ومنذ عدّة سنوات قام سيناريست  "نجيب زاهي زركش" نفسه عبد الرحيم كمال بمصرَنة الملك لير إلى مسلسل "دهشة" الذي نقل الصراع الدرامي نفسه إلى مجتمع الريف المصري، فماذا يحصل لو قام الاب بتوريث بناته قبل أن يموت؟ من هنا فالدرما معالجة صراع إنساني يريدهُ ممثل كبير كيحيى الفخراني، حبّذا لو إتبع معاييره كتّاب جُدد، ومن هنا يمكن تقييم عمل الفخراني الأخير "نجيب زاهي زركش".

نداء عودة