2021-04-22 00:35:17

قد أفلح من تَزكَّى / بقلم الشيخ أسامة السيد

قد أفلح من تَزكَّى / بقلم الشيخ أسامة السيد

قد أفلح من تَزكَّى / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 22 نيسان 2021

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في كتابه الكريم: {قد أفلح من تَزكَّى وذكر اسمَ ربه فصلَّى بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى إن هذا لفي الصحف الأولى صحف إبراهيم وموسى} سورة الأعلى.

لا ريب أن الله تعالى خلق الدنيا والآخرة وجعل الدنيا مزرعة الآخرة ووعد من أطاعه بالثواب الجزيل وتوعَّد من ظلم وطغى بالعقاب الشديد، وجديرٌ بكل عاقلٍ أن يُقبل على شأنه ويسعى في خلاص نفسه في الآخرة كما يسعى في وقاية نفسه من مصائب الدنيا، وحريٌ به أن يكون اهتمامه لأمر الآخرة أكبر لأن الآخرة منتهى الأمر أما الدنيا فإلى زوال وفناء. ولكلٍّ من المكلَّفين عملٌ منوطٌ به لا يقوم به أحدٌ غيره فعليه القيام به على الوجه الشرعي فإن الله تعالى يستحق أن يُطاع فلا بد من مُراعاة ما فرَض الله علينا. وكم يتعب بعض الناس لتحصيل غرضٍ دنيويٍ زائل ويُهملون أمر الآخرة وأولى بهم خلاف ذلك فإن كل آتٍ قريب وما فاتك من الدنيا فلن يعود، وإذا كان عُمُر الإنسان لا يسع كل شىءٍ فالعاقل من قدَّم الأهم فالمهم، وقد رأيتُ في الكلام على بعض معاني هذه الآيات فوائد عظيمة فأحببت أن أنبِّه عليها في هذا المقام راجيًا أن ينتفع بذلك قارئها وتتحرَّك همَّته نحو الخير لا سيما ونحن في شهر رمضان العظيم.

الإيمان والتنزيه

قال الله تعالى: {قد أفلح من تزكى} قال الإمام ابن جريرٍ الطبري في "تفسيره": "قد نجح وأدرك طُلبته من تطهَّر من الكفر ومعاصي الله وعمل بما أمره الله به فأدى فرائضه". والفلاح هو الفوز والنَّجاة فالمفلح من أدرك غاية المطلوب ففاز بالنعيم المقيم الذي لا يبيد وهو نعيم الجنة، ومنه قول المؤذن "حيَّ على الفلاح" أي هلمُّوا إلى طريق النجاة والفوز، وليس في كلام العرب كلمة أجمع لخيري الدنيا والآخرة من الفلاح. وأصل الزكاة في اللغة: الطهارة والنماء والبركة والمدح ثم استُعملت في اصطلاح الفقهاء. وحيث جعل اللهُ الإيمانَ أعلى الواجباتِ وأجلَّ الأعمالِ وجعله شرطًا لقَبُول كل عملٍ صالح فإن نَقْضَه بالكفر أكبرُ الأوزار وأخطرُ السيئات بل هو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه بالمرة، قال تعالى: {إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم} سورة النساء. وقال أيضًا: {إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفرُ ما دون ذلك لمن يشاء ومن يُشرك بالله فقد ضلَّ ضلالًا بعيدا} سورة النساء. فعلى مريد الفلاح أن يهتم بتزكية نفسه وتتأكد أهمية ذلك بقوله تعالى: {وذكر اسم ربه فصلى} والمعنى ذكَرَ اللهَ تعالى بالوحدانية ولم يشرك به شيئا، وفي "تفسير الطبري" عن ابن عبَّاسٍ قال: "وحَّد الله سبحانه وتعالى". وأصل معنى الوحدة في لغة العرب "الانفراد" وبالتالي: فإن قولنا "الله واحد" معناه "فردٌ لا يُشاركه في هذا المعنى أحدٌ" فهو فردٌ في ذاته أي ذاته لا يُشبه الذَّوات، ومعنى ذات الله حقيقة الله، والله فردٌ في صفاته أي صفاته لا تُشبه الصِّفات فنحن مثلًا نرى بالحدقة ونسمع بالأذن ونتكلم بالحرف والصوت أما الله فيرى بلا حدقةٍ ويسمع بلا أذنٍ ويتكلم بلا حرفٍ ولا صوتٍ ولا لغة، والله فردٌ في فعله فنحن نفعل فعلًا بالاستعانة بالآلات والجوارح أما الله فيفعل فعلًا بقدرته أي يُبرز المخلوق من العدم إلى الوجود.

ومعنى قوله تعالى {فصلّى} أي صلَّى الصلوات المفروضة، جاء ذلك عن ابن عباسٍ كما في "زاد المسير" لابن الجوزي، والصلوات الخمس هي أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم، فعن عبد الله بن مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم سُئل: "أي الأعمال أفضل؟ (أي بعد الإيمان) فقال: الصلاة لوقتها" رواه البخاري. وجاء في التحذير من تركها أيضا نصوص كثيرة فمن تركها إنكارًا لفرضيتها فليس بمؤمنٍ ومن تركها كسلًا مع الإقرار بفرضيَّتها وتقصيره فهو مؤمنٌ لكنه عاصٍ آثمٌ يستحق عذاب الله فالحذر الحذر فإن من كان للصلوات الخمس مضيِّعًا كان لما دونها من الفرائض مضَيِّعًا أكثر عادةً.

واعلم أن من أسرار الصلاة أنها تنهى عن الشرور والموبقات قال تعالى: {وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} سورة العنكبوت. فمن حافظ عليها بأحكامها وسننها كما أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظته وكانت عونًا له على تزكية نفسه لإدراك الفلاح.

الآخرة خيرٌ وأبقى

ولكن أكثر الناس قد أعرضوا عن سلوك سُبل الفلاح وشغلتهم الدنيا الفانية عن الآخرة الباقية قال تعالى:  

{بل تؤثرون الحياةَ الدنيا والآخرة خيرٌ وأبقى} والمراد أن الكفار يُفضِّلون الدنيا على الآخرة لأنهم لا يؤمنون ولا يوقنون بالبعث ولا بالجزاء على الأعمال ولذلك تراهم يُقدمون أمر الدنيا لظنهم أنها منتهى الأمر وينسون الآخرةَ لتكذيبهم بها، أما المؤمن فيُقرُّ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه في اليم (البحر) فلينظر بم ترجع إليه" رواه مسلم. فلو أن إنسانًا جعل إصبعه في البحر فإن نسبة البلل الذي يعلق في الإصبع من البحر كلا شىء وهكذا الدنيا بالنسبة للآخرة، وقد بيِّن الله أن مآلَ المؤمنين في الآخرة الجنةُ وهي خير وأبقى من الدنيا لطلابها، وقد جاءت الدعوة إلى تزكية النفس ليكون المرء من المفلحين في الصحف السابقة كما في القرآن الكريم قال تعالى: {إن هذا لفي الصحف الأولى} قال النسفي في "مدارك التنزيل": "هذا إشارة إلى قوله "قد أفلح" إلى "أبقى" أي أن معنى هذا الكلام واردٌ في تلك الصحف".

وفي قوله تعالى: {صحف إبراهيم وموسى} قال الخازن في "لباب التأويل": "يعني أن هذا القدر المذكور هو في صحف إبراهيم وموسى وقيل إنه مذكورٌ في جميع صحف الأنبياء التي منها صحف إبراهيم وموسى لأن هذا القدر المذكور في هذه الآيات لا تختلف فيه شريعة بل جميع الشرائع متفقة عليه".

ويُستفاد من هذا أن كل الأنبياء الكرام جاءوا بالدعوة إلى الإيمان وإقام الصلاة والحث على الاستعداد للآخرة فمن أيقن بهذا فلينظر ماذا يُقدِّم.

والحمد لله أولًا وآخرًا.