2021-04-15 12:53:54

من حِكم لقمان عليه السلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

من حِكم لقمان عليه السلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

من حِكم لقمان عليه السلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 15 نيسان 2021

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى:{ولقد ءاتينا لقمانَ الحكمةَ أن اشكر لله ومن يشكر فإنما يشكرُ لنفسه} الآية سورة لقمان.

هو لقمان الحكيم الجليل الذي شهد له القرآن الكريم بالحكمة وما زال الناس إلى يومنا هذا يضربون به المثل في الحكمة وحُسن التدبير، بل لا يُذكر اسمه عادةً إلا مقرونًا بصفة الحكيم ومع هذا فإن أكثر الناس لا يعرفون من أخباره إلا قليلًا، وكم هو جديرٌ بنا في هذا الزمن العصيب الذي ساءت فيه أخلاق أكثر الناس وابتعدوا عن الحكمة في أفعالهم وأقوالهم أن نُبرز للناس بعضَ ما وصلنا من حِكم لقمان العظيمة لا سيما تلك التي جاءت في كتاب الله تعالى في سورة سُمِّيت بسورة لقمان، ويُناسب قبل ذلك ذكر كلمةٍ موجزةٍ للتعريف بلقمان عليه السلام فنقول: جاء في "الجامع لأحكام القرآن" للقرطبي وغيره أنه لقمان بن باعُوراء وينتهي نسبه إلى تَارَح وتَارَح هو آزر والد نبي الله إبراهيم عليه السلام وقيل: كان ابن أخت نبي الله أيوب عليه السلام.

وقد مدَّ الله في عُمر لقمان عليه السلام فعاش كثيرًا وأدرك نبي الله داود عليه السلام فأخذ عنه العلم وقيل: كان قاضيًا في بني إسرائيل وكان يُفتي الناس فلمَّا بُعث نبي الله داود عليه السلام أمسك عن الفتوى فقيل له في ذلك فقال: "ألا أكتفي إذ كُفيت". وأكثر العلماء على أنه كان رجلًا صالحًا حكيمًا ليس نبيًا وهو الأصح وقيل بنبوته.

بعضٌ من حِكمه عليه السلام

وقد جاء في القرآن الكريم ذكر شىءٍ من حِكمه وقيل في تعريف الحكمة هي "الإصابة في القول والفعل" وقيل: "الحكمة فعل ما ينبغي على النحو الذي ينبغي في الوقت الذي ينبغي". ونحن نوضح هذه الحِكم ليكون ذلك نبراسًا للمسترشدين. قال الله تعالى:{وإذ قال لقمانُ لابنه وهو يعظُه يا بُني لا تُشرك بالله إن الشرك لظلمٌ عظيم} سورة لقمان. بدأ لقمان عليه السلام وصيته لولده (واسمه أَنْعَم وقيل: مُشْكِم) بالنهي عن الشرك، وقيل: إن ابنه وامرأته كانا كافرين فما زال يعظهما حتى آمنا. ودلَّت الآية على خُطورة الشرك بالله والكفر به، فإن ذلك اكبر ذنبٍ يقترفه العبد وهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله بالمرة لمن مات عليه. والظلم هو مخالفة أمر ونهي من له الأمر والنهي وهو الله تعالى فربنا عزَّ وجل هو الآمر المطلق فلا آمر له وهو الناهي المطلق فلا ناهي له، فمن ترك ما أمر الله به كلَّه أو بعضَه واقترف ما نهى الله عنه فهو ظالم لنفسه مستحقٌ لعذاب الله. ومضى لقمان عليه السلام في وصية ابنه قال تعالى حكاية عنه:{يا بُني إنَّها إنْ تكُ مِثقال حَبَّةٍ من خَردَلٍ فتكن في صخرةٍ أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيفٌ خبير} سورة لقمان. أي لو كان للإنسان رزقٌ مثقال حبةٍ من خردلٍ في هذه المواضع جاء الله بها فساقها لمن هي رزقه، وفي ذلك تنبيهٌ حتى لا يشتغل المرء بطلب الرزق عن أداء ما أمر الله به. وقيل: أراد الأعمالَ أي إن تك الحسنة أو الخطيئة مثقال حبةٍ يأت بها الله أي لا تفوته فيوفيك جزاء ذلك يوم القيامة، وفي هذا تخويفٌ وترجِيةٌ للعبد ليُقبل على الخيرات ويجتنب المحرَّمات. قال الرازي في "التفسير الكبير": "وقوله "إن الله لطيف" أي نافذ القُدرة (أي قادرٌ على إيجاد ما شاء في الوقت الذي شاء لا رادَّ لمشيئته) "خبيرٌ" أي عالم ببواطن الأمور". ثم زاد لقمان في التوصية بالخير، قال تعالى إخبارًا عنه:{يا بُني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانْه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور ولا تُصعِّر خدَّك للناس ولا تمش في الأرض مرَحًا إن الله لا يُحب كل مختالٍ فخور} سورة لقمان. وهذا أمرٌ بأداء حقوق الله من الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على ما يُصيب المرء من أذى السفهاء إذا أمرهم ونهاهم أو من المحن والبلايا فإن ذلك من عزم الأمور، قال علم الهدى الماتريدي في "تأويلاته": "قال بعضهم: إن ذلك من حزم الأمور والحزم إحكام الشىء وإتقانه كأنه يقول: إن ذلك من مُحكم الأمور ومتقنها".

 

إيَّاك والكِبر

ثم نهاه عن تصعير الخد للناس وهو الميل بالخدِّ وفيه نهي عن الكبر أي لا تُعرض عن الناس فتكلِّمهم بشق وجهك تكبرًا، وهذه صورة من صور الكبر والصورة الأخرى أن يمشي مَرحًا أي مشية المستكبر المتعاظم في نفسه فإن الله لا يحب كل مختالٍ أي متكبر فخور، والفخور هو الذي يُعدد مناقبه تطاولًا أي ليُقال: فلان يفعل ما لا يقدر عليه غيره ليرى الناس له بذلك مزيةً فيمدحونه عليها، وبلغ من حرص لقمان عليه السلام على رعاية مصلحة ولده أن أوصاه كيف يمشي وكيف يتكلم فقال لابنه: ما أخبر الله به عنه في سورة لقمان:{واقصد في مشيك واغضُض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير} فأمره بأن يكون مشيه قَصْدًا أي لا خُيلاء وكبرًا ولا إسراعًا وعجلة بل بسكينةٍ ووقار وسطًا ولكن بهمةٍ ونشاط، وفيه نهيٌ عن مشية الضَّعف أي لا تفعل لذلك فتري الناس من نفسك ضعفًا، وأن يغضُض أي يُنقص من صوته ومعناه: لا تتكلَّف رفع الصوت وخذ منه ما تحتاج إليه فإنه لا ينبغي الجهر بالصوت في كلام الناس أكثر من الحاجة فإن أنكر الأصوات صوت الحمير. قال الرازي في "التفسير الكبير": "فله معنىً لطيف وهو أن كل حيوانٍ قد يُفهم من صوته بأنه يصيح من ثِقَلٍ أو تعبٍ كالبعير أو غير ذلك والحمار لو مات تحت الحمل لا يصيح ولو قُتل لا يصيح وفي بعض أوقات عدم الحاجة يصيح وينهق فصوته منكورٌ" وبالتالي فإن لم تدع الحاجة لرفع الصوت أو الكلام فإن تركه خير.

وإذا عُلم هذا فجديرٌ بنا أن نكون عاملين بهذه الوصية العظيمة فإنها منهجٌ ينجح من التزمه في حياته.  

والحمد لله أولًا وآخرا.