2021-04-12 22:28:51

تقاطع البيولوجيا مع المعلوماتية – الرقاقة الجينية /  بقلم عبد الهادي محيسن

تقاطع البيولوجيا مع المعلوماتية – الرقاقة الجينية /  بقلم عبد الهادي محيسن

تقاطع البيولوجيا مع المعلوماتية – الرقاقة الجينية /  بقلم عبد الهادي محيسن

مجلة الشراع 13 نيسان 2021

 

الأرجح أن علاقة الانسان مع هويته دخلت في مندرج هام منذ أن شرع يعطي للأدوات والأجهزة الجامدة الذكاء، وهو ميزة هامة للعقل الإنساني..

 ومع ظهور المعلوماتية والكومبيوتر دخلت تلك العلاقة في تحول نوعي فقد برز الاحتمال المقلق حقا وفعلا حول قدرة الذكاء الاصطناعي الذي تحوزه الأجهزة على مساواة ذكاء الانسان أو حتى التفوق عليه .

ويرى البعض في الأمر ما يهدد بمحق حضارة الإنسان....

وكان عالم الناسا الراحل كارل ساغان يرى أن البشر يسيرون بحضارتهم الذكية نحو الفناء المحتوم ، ويرى ساغان أن ذلك الأمر يكرر ما حصل على المريخ وآل الى دمار الكوكب وحضارته ، وثمة من يسأل جديا عن احتمال قدوم الحياة أو الإنسان نفسه من المريخ .

فإن المسار القائم في الحضارة يلوح بإمكانية سيطرة التقنية عليها ويتخوف بعض العلماء من أن تطور العلوم البيولوجية يسير لملاقاة المعلوماتية وأن دمجها يؤكد سيطرة مطلقة على عقل الإنسان وجسده في آن معا ، وفي الاتجاه المقابل أختتم القرن العشرون على إنجاز بيولوجي لافت هو التوصل الى حل شيفرة أول كروموزوم بشري كامل ، وتتشكل شيفرة الانسان الوراثية من ثلاثة وعشرون زوجا من الكروموزومات .

وبالنظر لأهمية الكشف أعلن مشروع الجينوم البشري الذي ينهض بأمر فك رموز الوراثة ، وها نحن قد شهدنا التوصل الى معرفة التركيب الوراثي الكامل للإنسان ، وثمة اكتشاف معلوماتي ينتظر بتوثب ما سيتوصل اليه مشروع الجينوم وذاك هو الرقاقة الجينية التي تقوم فكرتها على استعمال التسلسلات الوراثية لنظم عمل وسير المعلومات داخل الرقاقة الإلكترونية ، وتغدو الرقاقة الإلكترونية وكأنها خلية بشرية لها نواة تضم كروموزومات الوراثة في الإنسان لكنها تنقل المعلومات اللازمة لسير عمل الكومبيوتر وبرامجه .

يعطي ستيفن فودور وهو عالم الكترونيات ورئيس شركة تنهض بأمر الرقاقات الجينية يعطي تشبيها بسيطا لأثرها المتوقع عبر استعادة تاريخ الرقاقات نفسها ، ففي العام 1971 توصلت شركة أنتل الى انتاج الرقاقة الإلكترونية وكانت تلك البداية لوضع العلم المعلوماتي في انطلاقة نحو دخول كافة الأجهزة التي تدير أشياء الحياة الحديثة .

ويرى فودور أن الرقاقات الجينية قادرة على الحلول محل الرقاقات الإلكترونية الحالية والتي ستغدو شيئا غبيا تماما ، فكأنه يتحدث عن دخول الأجهزة في نوع من التطور الدارويني المفضي الى بروز كائن اذكى ، ولفهم هذا التغيير يمكن النظر الى الحمض الوراثي للإنسان في اعتباره برنامج لكومبيوتر داخلي ضخم لعمل الخلية  .

ويصعب تصور برنامج مماثل فيه مليارات الأوامر لصناعة الأنسجة والأعضاء ولضبط تطورها ولمراقبة عمل كل نسيج حي بل وحتى كل خلية مفردة في الجسم بكل مكوناتها ، ثم تحليل كل هذه المعلومات وإعطاء الأوامر المناسبة على مدار الحياة ، وتقوم بهذا الأمر سلاسل من الأحماض الوراثية يصل تعدادها الى ثلاثة بلايين حمض تعمل كلها سوية وفي نفس اللحظة

أما الرقاقة العادية حتى الأكثر تطورا ، فلا تقدر على مداولة مثل هذا الكم المذهل من العمليات وفي نفس اللحظة ، والأهم من ذلك ان كل رقاقة ستعمل وفق الجينات التي توضع فيها أي أنها ستغدو شخصية تماما .

في الجانب الإيجابي يُمّكن هذا الأمر من تحليل التركيب الوراثي للإنسان في لحظة واحدة تقريبا ومن كشف ما يحتوي تركيبه من تأهيل للإصابة بالأمراض أو بما يحوزه من ميزات ، ومن ناحية ثانية فإن أقل ما يقال في ذلك هو الإنكشاف التام للداخل العميق في الإنسان ووضعه تحت تهديد الذيوع وبالتالي بروز احتمال التمييز الجيني .

وترفع الرقاقات الجينية من العوامل البيولوجية بل وتحولها الى أداة للمعرفة والاتصال وذلك عين ما يفعله دعاة التمييز العنصري والجنسي الذين يؤسسسون الهوية والإنتماء على أساس صفات بيولوجية مثل لون الجلد أو الجنس ، ويعم ذلك ميل الجماعات البشرية للأخذ مجددا بالإنتماأت الطبيعية أي المعتمدة أساسا على الصفات البيولوجية وما هو قريب منها .

وينطبق ذلك الوصف على الانتماء العرقي والقبلي والأثني على نحو ما تبرزه حروب البوسنة والهرسك والكوسوفو والحرب في الشيشان واضطهاد الأقلية الصينية في أندونوسيا وغيرها من قائمة طويلة ، ماذا ينجم عن إدخال هذا النص البيولوجي القاتم الآفاق الى الأجهزة والشبكات التي تقيم ادعاءاتها المتفائلة على ما توفره من فيوض المعلومات والمعارف ، أي على مقدار ما تكونه من عقل ومعرفة .

إعادة فرز وتحديد الثقافة بناء للعنصر والعرق أو حتى للجين الأفضل كما شركة الانترنت التي تباهت بعرض بويضات ملكات الجمال للبيع باعتبارها مضمونة التفوق في سمات الجسد ، سمة أمور كثيرة يجدر ملامستها في هذا المنحى ، خصوصا أنه يتصل مباشرة مع الاتصالات وهي الشكل التقني الراهن لآليات التواصل البشري ومع الذكاء الاصطناعي .

عبد الهادي محيسن .. باحث وكاتب