بيروت | Clouds 28.7 c

«حلف ضد المقاومة»

 

«حلف ضد المقاومة» 

الشراع 15 كانون ثاني 2022

في إطار الانقسام السياسي الذي يضرب البلاد، لا سيما بعد عام 2005، انقسم اللبنانيون ومعهم إعلامهم إلى فريقين كبيرين لكل منهما مشروعه وأدواته وحلفاؤه محلياً وإقليمياً.
‏لكن، في السنوات الأخيرة،

بدا واضحاً أنّ الأمر لم يعد كذلك مع تبدّل صورة المشهد الإقليمي على ‏منتصِر كبير هو محور المقاومة، ما أعطى بطبيعة الحال زخماً كبيراً وقوة إضافية لإعلامه وجمهوره وأدواته الثقافية والفكرية. رغم ذلك، لم ينزلق هذا الفريق إلى أي فعل عدواني إعلامي.

  • وفي ‏مقابله، ينتظم مَن يمكن تسميته «حلف ضد المقاومة»، ويضمّ أحزاباً ومؤسسات وإعلاميين تجمعوا في إطار فريق عمل واحد رغم الخلافات السياسية الواضحة بينهم، لمواجهة المقاومة وبث روح العداء لها وإثارة الشائعات وتشويه صورتها وقادتها ورموزها.

وهذا الفريق يعمل بشكل واضح وغير مستتر تحت إدارة السفارة الأميركية ‏في بيروت وعدد من مراكز الأبحاث والدراسات في دولة الإمارات العربية المتحدة. وهي مراكز في غالبيتها شركات إسرائيلية وأميركية (في الباطن). ولكن، والحق ‏يقال، فإنّ هذا الفريق يعمل بطريقة أكثر فعالية وكفاءة على المستوى الإعلامي من ‏الفريق الحليف للمقاومة بالمجمل، لأسباب سياسية وبسيكولوجية ومصالح صغيرة وآنية ضيّقة لا مجال لذكرها هنا.‏

اليمن قضية مركزية أخرى

رغم الظروف الصعبة التي ‏واجهتها المقاومة منذ انطلاقتها عام 1982، والاستهداف السّياسي والطائفي الذي طالها والحملات ‏الإعلامية المركّزة التي تعرّضت، لها نجح الإعلام المقاوم - ولعلّها أبرز نجاحاته ‏التاريخية بل إنه يرتبط بها وباسمها ولولاها ما كان أن يكون - في تثبيت المقاومة قضيّة مركزية في وجدان اللبنانيين والعرب، وفي بناء شعبية كبيرة لها في محيطها الاجتماعي، وفي تحالفات راسخة على ‏امتداد العالم العربي والعالمي، مستفيداً بالطبع من نجاحاتها العسكرية ومن شهدائها وتضحياتها وانتصاراتها الباهرة على أكثر من صعيد...

من بداية صعبة لهذا الاعلام، انطلاقاً من تجارب شعبية بسيطة وصولاً إلى مؤسّسات كبيرة تشقّ الفضاء وحضور هائل على وسائل ‏التواصل الاجتماعي وأنصار ومريدين في كل مكان، وهذا ما لم يستطِع الإعلام المعارض للمقاومة إنكاره، ‏فلجأ الى وسائل تشويه مختلفة عبر ربط المقاومة بالإرهاب أو بالمخدرات، واتهامها بالطائفية وبزعزعة الاستقرار الإقليمي والتدخل في ‏شؤون دول اخرى.

لكن هذا لم يفلح في حجب الحقيقة عنها ولم ينطل على كل الجماهير، لأنّ إعلام المقاوم تمكن من نقلها من إطارها المحلي ومن كونها حركة مقاومة للاحتلال الاسرائيلي للبنان إلى مقاومة مشروع الهيمنة الأميركية ‏في المنطقة.‏


نجح الاعلام المقاوم - كمثال آخر - في بناء قضية رابحة أخرى هي قضية اليمن وشعبه المظلوم. ‏أُريدَ لهذه الحرب أن تكون حرباً صامتة يُقتل فيها مئات الآلاف ويتعرض شعب بأكمله لحصار قاسٍ واجتياح ارض وتدمير مدن، في ظل حصار إعلامي خانق وسيطرة كاملة ‏على المشهد الإعلامي لأدوات العدوان الأميركي السعودي.

لكن،

  • منذ الخطاب الأول لسماحة الأمين العام ‏لحزب الله الذي ألقى حجراً كبيراً في المياه الإعلامية الآسنة والراكدة، تحرّكت ماكينة إعلام المقاومة بقوة، ‏ونجحت في بناء قضية تحوّلت قضية إنسانية عالمية ساهمت في الإضاءة على انتصارات الشعب اليمني وعلى الحصار الظالم الذي يُطبق عليه، وإلا لكنّا أمام واحدة من أكبر ‏المآسي المروّعة في التاريخ الحديث، مأساة صامتة لم يكن ليعرف بها أحد لولا إعلام المقاومة ومحورها. ‏

وتكمن اهمية هذا النجاح في أنّه واجه آلة اعلامية امبراطورية وأدوات تأثير هائلة على الرأي العام العربي ‏والدولي وإمكانيات مالية ضخمة، كل ذلك بإرادة قوية وإمكانات محدودة، ولكن بمعرفة كافية بأسباب النجاح ‏وأدواته.‏
هنا،

قد يعيب البعض على إعلام المقاومة قصوره في مواضع وتقصيره في أخرى، ويحيلون إليه كثيراً ‏من الأسئلة او يشككون في تفاصيل مختلفة لا يمكن الإجابه عنها في إطار قراءة مختصرة.
لكن الجواب الشافي يكمن ليس في عدم التقدير الكافي لأهل المقاومة وأنصارها لإعلامها ‏بل في فهم المعاني العميقة لقيام الولايات المتحدة والسعودية بحجب تلفزيون المنار وإذاعة النور ‏عن الأقمار الاصطناعية ومنع وصول البث الى الدول العربية والاوروبية والأميركية، وفي حجب عدد من ‏المؤسسات اللبنانية والعربية العاملة في إطار اتحاد إذاعات الدول الإسلامية ومؤسسات متعددة عاملة في ‏إطار محور المقاومة عن شبكة الانترنت، ما دفع العاملين في هذا القطاع إلى البحث عن البدائل وإطلاق ‏معركة أدمغة لا تزال مستمرة.‏

«السلاح الدقيق»


يشكل خطاب سماحة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله أحد أهم الأسلحة المتوفرة لدى ‏الإعلام المقاوم على صعيد لبنان والمنطقة. وإذ يمتاز هذا الخطاب إجمالاً بالتنوع، فتارةً يتخصص بالشأن ‏اللبناني ويرسم خارطة طريق ويقدم اقتراحات، وطوراً يتحدث في قضايا الأمة على تنوعها ‏الفكري والسياسي، وأخرى يركز على القضية الفلسطينية باعتبارها محور الصراع. هذا الخطاب ‏يمتاز بمواصفات أبرزها مصداقية سماحة السيد نفسه بصفته قائداً للمقاومة في الانتصارات الكبرى التي تحققت في المنطقة، ويستند الى كاريزما هائلة شخصيّة أقرّ بها العدوّ قبل ‏الصّديق، وقدرة هائلة على البيان، وتسلط على اللّغة العربية وتمكّنه من إيصال المطلوب خطابةً وبلاغة، وأيضاً مصداقية شخصية ‏قائمة على الشفافية الكبيرة، وإمكانية تحقيق الوعود وانجاز الأهداف، ومعرفة عميقة بالعدو وإلمام ‏كبير بقضايا المنطقة وتفاصيلها لا تتوفر لشخص آخر على مستوى المنطقة برمتها.‏ ويشكّل السَّيد نصرالله الرَّافعة ‏الأكبر لإعلام المقاومة بعد المقاومة نفسها، الأمر الذي يستند إليه إعلام المقاومة في كافة مستوياته ‏واتجاهاته البصريّة ولغاته المتعددة وخطوطه التحريرية، كما يشكل السَّند الرئيسي الذي يستند إليه ‏حلفاء المقاومة على امتداد منطقة المحور في إعلامهم وخطابهم ونقدهم بحيث يشكّل المادّة الرئيسية ‏للحوار والنقاش وإنتاج الأفكار والحلول.‏


ولعل الإشارة الأهم الى خطاب السَّيد وتأثيره الإعلامي المتعدّد الأبعاد، هو الطّريقة التي يتعامل بها الإعلام ‏المقابل معه من حيث الإسراع في نفنيد خطاباته ومناقشتها وحشد أكبر عدد من ‏السّياسيين والإعلاميين في مواجهتها، ما يُعتبر مكسباً إضافياً لإعلام المقاومة.

أما تجاهل خطاباته أحياناً، وصولاً إلى حجبها عن الوصول إلى العمق العربي الطبيعي، فيعكس حالة خوف العدو ومدى خطورة هذه الخطابات على بيئة العدو وجمهوره. وكمثال على ذلك، أقدم عدد ‏من المحطّات اللبنانية على حجب خطاب السَّيد نصر الله بعد أيّام من انفجار مرفأ بيروت عام ‏‏2020، وكان ذلك متوقعاً! إذ أنَّ المعرفة بتأثير خطاب السَّيد للأسباب الواردة سابقاً وقدرته على ‏التأثير في المزاج الشعبي بصراحته وصدقه وشفافيته، كان يستدعي من هذه المحطات القيام بالحجب.

وقد أدرك العدوّ الاسرائيلي، خلال عدوان تموز، أنه ارتكب ‏خطأً استراتيجياً فادحاً بسماحه بعرض خطابات السَّيد نصرالله على قنوات التلفزيون الإسرائيلية ووصوله ‏مترجماً الى عقول الاسرائيليين الذين كانوا يصدّقونه أكثر ممّا يصدّقون قادتهم على ما شاع في استطلاعات ‏تلك الفترة، فعمد لاحقاً إلى اتخاذ قرار بحجب هذه الخطابات عن الشاشات، ولحق بهذا الإجراء عدد من القنوات ‏العربية على الفور، ولاحقاً قناة «الجزيرة»، وإن لأسباب مختلفة تتصل بتطورات الحرب السُّورية. ‏

وبالتالي، عندما عمدت القنوات اللبنانية إلى ذلك القرار، لم تكن مبادِرة ولا سبّاقة ولا صاحبة سلطة ‏وإرادة حرّة، وإنَّما جرى التنفيذ تبعاً لقرار خارجي يقضي باستكمال الحجب ومنع البثّ بخطوات متدرّجة ‏تتواصل بها الحرب على المقاومة وإعلامها وأدواتها السياسية والثقافية والفكرية.‏
ومع ذلك، لا يزال خطاب السَّيد في بُعديه اللّبناني والعربي، وفي بُعديه السّياسي والثقافي، يُشكّل أحد ‏أهم أسلحة المقاومة الدّقيقة القادرة على التأثير في العقل والوجدان وهذا ما يضع إعلام المقاومة نفسه ‏أمام تحدٍ متواصل في حرب الأدمغة المستمر للبحث عن البدائل والحلول وابتكار أدوات جديدة للمعرفة ‏والتواصل.‏

* الحاج محمد عفيف رئيس الوحدة الاعلامية

* جزء من محاضرة حول إعلام المقاومة ألقيت خلال أعمال المؤتمر التأسيسي الأول للحرس القومي العربي ‏الذي انعقد في مدينة صيدا في 12/12/2021، وهي حلقة ثانية ‏من محاضرة سابقة ألقيت في مكتبة الأسد في دمشق عام 2017 في إطار «مؤتمر الإعلام والإرهاب»‏‎ ‎‏.‏‎