بيروت | Clouds 28.7 c

بوتين ـ نفتالي وإيران/ بقلم السيد صادق الموسوي

 

بوتين ـ نفتالي وإيران/ بقلم السيد صادق الموسوي 

الشراع 15 كانون ثاني 2022


نقلت وكالات الأنباء قبل أيام خبر الإتصال الهاتفي بين رئيس وزراء الكيان الصهيوني نفتالي بنيت والرئيس الروسي فلاديمير بوتين والإتفاق فيما بينهما على التنسيق الجوي بين طيران الجيش الروسي وطيران الكيان الصهيوني في سوريا أثناء غارات الأخير على المواقع العسكرية داخل سوريا، وهذا الإتفاق نفسه كان بين بوتين ورئيس وزراء الكيان الصهيوني السابق نتنياهو.


إن من الواضح أن الرئيس الروسي يريد وراثة دور الإتحاد السوفياتي السابق، وهو ضابط مخابرات محترف سابق فيها، وهو رغم ظهوره بمظهر يُخيّل للكثيرين أنه لا يمت إلى العصر السوفياتي بصلة، لكننا إذا رصدنا حركته منذ أن صعد نجمه أيام بوريس يلتسين أول رئيس بعد انهيار الكيان الشيوعي فإننا نجد أنه حوّل البلاد المنهارة سياسياً واقتصادياً والمتراجعة كثيراً عسكرياً والضعيفة دولياً إلى دولة قوية تشاكس الولايات المتحدة وتناطح حلف الناتو وتتدخل عسكرياً حيث تشاء وتضمّ إلى سلطتها بلاداً كاملة أو أجزاء منها، وتثبّت وجودها هنا وهناك وتقيم قواعد عسكرية جديدة لها وتكرس وجود تلك التي كانت منذ أيام الحقبة الشيوعية.

  • ثمّ إن الإتحاد السوفياتي كان السبّاق في الإعتراف بالكيان الصهيوني بُعيد إعلانه في العام ١٩٤٨، رغم احتضانه المقاومة الفلسطينية فيما بعد، ولكن لم يكن ذلك على حساب العلاقات الوطيدة مع الصهاينة، والرئيس بوتين يتبع المنهج ذاته لأنه ابن نفس المدرسة والمتخرج منها والمواصل لسياسة أسلافه طابق النعل بالنعل.


إذن فليس مستغربا أبداً التواصل والتنسيق مع نتنياهو سابقاً والتأكيد على التواصل والتنسيق مع سلفه بنيت...

  • والإيرانيون يعرفون ذلك جيداً وهم ليسوا مخدوعين بالرئيس بوتين ولم تغرّهم إهداء صورة عن نسخة نادرة من القرآن الكريم إلى آية الله خامنئي في حركة استعراضية..

 لكن هناك تقاطع في السياسة الإيرانية مع روسيا بسوريا في الإستراتيجيا والروس يعملون بكل جهد على تقاسم النفوذ على الكيان الصهيوني مع الولايات المتحدة بعد ما كان هذا الكيان مرتهناً بالكامل للولايات المتحدة الأمريكية وخاضعاً لسياساتها وحدها، وفي هذا المجال فقد نجح الرئيس بوتين في تكريس وجود روسيا على ساحل البحر الأبيض المتوسط بعد أن بات أصل بقائها في قاعدتها العسكرية في سوريا مهدداً نتيجة الأحداث في سوريا.. وذلك في حال نجحت المعارضة في الإطاحة بالنظام وتسلم مقاليد السلطة في سوريا، وهنا تلاقت المصلحة الإيرانية التي أرادت تثبيت أقدامها على ساحل البحر الأبيض بصورة مباشرة بعد ما كانت حاضرة هناك بقوة من خلال حليفها القوي في لبنان وأعني حزب الله الذي استطاع بدعم الجمهورية الإسلامية أن يثبت أقدامه في كافة مفاصل الدولة اللبنانية، وهو اليوم قد نجح في تحجيم الدور التاريخي للمملكة العربية السعودية في لبنان كثيراً..

لكن الحضور الإيراني المباشر على كامل الخارطة السورية والتواجد على خطوط التماس مع الكيان الصهيوني في الجولان المحتل والذي يكمل الحلقة ويضيق الخناق عليه بعد الحدود اللبنانية وقطاع غزة يجعل الكيان الغاصب تحت النار الإيرانية المباشرة في حال نشوب أية حرب بين الولايات المتحدة وإيران أو في حال قيام الكيان الصهيوني بأية عملية ضد الجمهورية الإسلامية.

  • لقد كشف مقطع الفيديو الذي نُشر مؤخراً يُظهر الجنرال قاسم سليماني قائد فيلق القدس بالحرس الثوري الإسلامي في أحد الأنفاق بين سيناء وقطاع غزة مدى الحضور الإيراني الفاعل والمباشر على الساحة الفلسطينية..
  • وتمكن إيران من تأمين وسائل الصمود والمقاومة للشعب الفلسطيني المظلوم وذلك رغم كافة عمليات الحصار من جميع الجهات على قطاع غزة، وهذا ما يدبّ الرعب في قلوب الصهاينة الذين لجأوا إلى بناء الجدران لدرء هجمات المجاهدين، وإذا بهم يصلون إلى المستوطنات عبر أنفاق يحفرونها تحت بيوتهم..
  • ثم جاء ما تم الكشف عنه قبل أيام من اعتقال المخابرات الصهيونية ٥ نساء إسرائيليات تجسسن لصالح إيران..
  • وقبل ذلك كشف جاسوس يعمل لصالح إيران في منزل وزير الدفاع الصهيوني..
  • وأيضاً تمكن القراصنة الإيرانيين مراراً من اختراق هواتف المسؤولين في الدولة الصهيونية وأخذ كافة المعلومات المهمة الموجودة عليها..
  • إضافة إلى رصد القمر الصناعي الإيراني الذي يدور حول الكرة الأرضية لكافة التحركات في الكيان الغاصب من الجو وتسليمها إلى القيادة الإيرانية..

كل هذا جعل رئيس وزراء العدو يعترف بأن كيانه مهدد بصورة يومية من الإختراقات الإيرانية بمختلف الوسائل والأساليب.

أمام هذا الواقع فإن الكيان الصهيوني الذي رأى تراجع الدور الأمريكي في المنطقة كلها وخاصة بعد هزيمتها في أفغانستان فإنه وجد من الضروري الإستفادة من العلاقة التاريخية مع الإتحاد السوفياتي السابق والقيام بتفعيل وتوطيد تلك العلاقة من خلال الرئيس الروسي بوتين لكي يتمكن من الحفاظ على شيء من أمن كيانه الذي يراه مهدداً من قبل إيران وحلفائها، وأخيراً من خلال الحضور الإيراني المباشر على خط التماس في الجولان المحتل، فهو يحاول دقّ الإسفين بين الروس والإيرانيين على الأرض السورية، وهذا الأمر ليس سرّاً بل يصرح به المسؤولون الصهاينة مراراً.
والرئيس الروسي أيضاً يعطي الأهمية في الدرجة الأولى لمصالح بلاده ثم يأتي دور مصالح الآخرين أيّاً كانوا، وهو يرى في التمسك بالطرف الإسرائيلي باتفاقية التنسيق الجوي معه بعد ما فرض قبل فترة على الأمريكيين عقد إتفاقية مشابهة معه، وهو أيضا متحالف مع الطرف الإيراني على الأرض. 
وكثيراً ما حدث أن الطرف الروسي أعلم الإيرانيين بغارة صهيونية أو قصف إسرائيلي قبل حصولهما ما جعل خسائر الغارة والقصف تقتصر على الماديات بعد أن يكون الإيرانيون وحلفاؤهم قد غادروا الموقع المستهدف.


إذن فلا انخداع إيرانياً بحقيقة الرئيس الروسي بوتين، ولا جهل بسياسته..

لكن التعامل معه يكون على أساس تلاقي المصلحة هنا واختلاف المصالح في أماكن أخرى، والطرف الصهيوني من جانبه يعيش الخوف الدائم من الإختراقات الإيرانية في المجال السيبراني واستقطاب من يتجسس لحسابها من داخل المجتمع الصهيوني والمتواجدين في الأماكن الحساسة جداً في الكيان، إضافة إلى خوفه من حصول إتفاق وشيك بين إدارة بايدن والجمهورية الإسلامية في إيران والذي بدأت تظهر ملامح قرب الإعلان عنه، ما يُطلق يد إيران في المنطقة أكثر مما عليه اليوم وذلك بعد رفع العقوبات عنها، وحصول إيران على أموالها المجمدة بمئات مليارات الدولارات لتحسين اقتصادها ودعم أوسع لحلفائها، وبكلمة واحدة التسليم بالقوة الإيرانية على صعيد المنطقة وفي المحيطات أيضاً، والإعتراف بأن الجمهورية الإسلامية في إيران التي كانت تفتقد أبسط وسائل الدفاع عن نفسها بعد انتصار الثورة الإسلامية صارت اليوم قادرة على ضمان أمنها جوّاً وبرّاً وبحراً، بل وتستطيع ضرب أعدائها على بُعد آلاف الأميال من حدودها، وهي فعلت ذلك مرات من دون أن يستطيع أحد الوقوف في وجهها أو الرد على قصفها وغاراتها، وكان أبرزها قصف القاعدة العسكرية الأمريكية الرئيسية في العراق وسقوط ضحايا بالمئات تمّ التكتم على أعدادها الحقيقية في البداية ثم كان الكشف عنها بالتقسيط . 


أما اليوم فإن كل جهود الدول الكبرى تنصبّ على الحد من تطور إيران في المجال النووي، وإذا أمكن التفاوض في مجال الصواريخ البالستية، وهذا ما يرفضه الإيرانيون بصورة قاطعة.


وهنا يتجسد قول الله تبارك وتعالى: ( ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون ) صدق الله العلي العظيم.
السيد صادق الموسوي