2019-03-21 20:41:16

"داعش" البيضاء العنصرية تستنسخ الاسلاموية: هل تبرر مجازر تنظيم الدولة مجزرة نيوزيلاندا..؟ / بقلم محمد خليفة

"داعش" البيضاء العنصرية تستنسخ الاسلاموية: هل تبرر مجازر تنظيم الدولة مجزرة نيوزيلاندا..؟ / بقلم محمد خليفة

"داعش" البيضاء العنصرية تستنسخ الاسلاموية: هل تبرر مجازر تنظيم الدولة مجزرة نيوزيلاندا..؟ / بقلم محمد خليفة

*دول كبرى رعت المنظمات المتطرفة وخصخصت الحروب!

*إبقاء الاسد في السلطة وعدم الاهتمام بالمحنة السورية مصدر رئيسي للارعاب

داعش البيضاء العنصرية لا تختلف في المحتوى عن داعش الاسلاموية , فهما وجهان لعملة أو حقيقة واحدة

*مفكرون غربيون سخروا من ادعاء النصر على ((داعش)) وقصور معالجة الدول الكبرى للأزمة السورية وإبقاء الاسد في السلطة

*الحل في ثقافة انسانية عالمية تترجم الى تشريعات دولية تكافح الارعاب الدولي بكل أنماطه وترفض توظيفه للاغراض السياسية

 

وقعت مجزرة المسجدين الارعابية في نيوزيلاندا في توقيت دقيق لا يخدم كثيراً قادة الغرب, وخصوصاً الولايات المتحدة وأوروبا التي قادت في السنوات الخمس الماضية ما سمي الحرب على ((الارعاب الاسلامي)), مجسداً بتنظيمي القاعدة و((داعش)), بين أفغانستان والعراق وسورية, ودول أخرى في شمال أفريقيا.

أكثر ما يثير في المجزرة البشعة إعلانها غير الصريح عن وجود ((داعش المسيحية, أو بالأحرى البيضاء العنصرية)) بينما يعلن الرئيس الأميركي ترامب نهاية الحرب على ((داعش الاسلاموية)) في شرق سورية.

وكلا الاعلانين يسلطان الأضواء على حقيقة أن ((الإرعاب)) في العالم المعاصر لا يقتصر على ديانة أو ثقافة واحدة, فهو ظاهرة أكثر تعقيداً من تبسيطها, ولصقها بالإسلام, أو بالعرب, ونتاج عوامل عديدة معقدة, اشتركت في خلقها سياسات خاطئة وقصيرة النظر للدول الكبرى في الشرق والغرب.

 ونشرت صحيفة ((ديلي تلغراف)) قبل أسابيع مقالاً للكاتب البريطاني كون كوغلين حذر فيه من الافراط بنشوة الإحتفال بالنصر على ((داعش)) في سورية والعراق, متوقعاً ظهورها بصور وأماكن أخرى, ومطالباً بمعالجة جذور الأزمة السورية. وسخر من تسليم الغرب ببقاء الأسد في السلطة كأمر واقع، وعدم الإهتمام بالحل السياسي. ونصح السياسيين بمراجعة مواقفهم من مستقبل سورية قبل الاحتفال بالنصر على ((داعش)) !.

خصخصة الحروب

 وغير بعيد عن كوغلين ذهب كاتب آخر يدعى روجر بويس في صحيفة ((تايمز)) إلى أن ظاهرة التنظيمات الإرعابية ناشئة عن تحول الدول الكبرى للاعتماد على ((المرتزقة)) في حروبها على أعدائها, بدلاً من الاعتماد على جيوشها, توفيراً للاموال الطائلة, وحماية لأرواح الجنود النظاميين.

 ولاحظ روجر انبعاث ظاهرة (( المرتزقة)) للظهور في أماكن كثيرة من العالم، وتوقع أن يشعلوا نزاعات مسلحة بين الدول, والمكونات الاجتماعية في الدولة الواحدة, بما فيها بعض الدول الغربية العريقة.

بالطبع يومىء الكاتب بطريقة غير مباشرة لإعتماد الغرب منذ الغزو السوفياتي لأفغانستان قبل 40 عاماً على مرتزقة ومقاتلين مشبعين بالعقائد الدينية والتشدد, حيث البداية لهذا النمط من الحرب ضد القوى الامبريالية والجيوش النظامية . وهي - منظمات - ما زالت تقاتل في أفغانستان وتجبر أميركا والناتو على نشر آلاف الجنود النظاميين.

 ولا بد أنه يشير لإعتماد باكستان على هذه المنظمات في كشمير ضد عدوها التقليدي, الهند, حيث كادت أخيراً أن تشعل حرباً جديدة بين دولتين نوويتين. كما يشير الى منظمات شكلتها روسيا للقتال نيابة عن قواتها النظامية في سورية, وها هي تكرر الاعتماد عليها في دعم حليفها الفنزويلي الرئيس مادورو بعد الأزمة الأخيرة مع المعارضة اليمينية المدعومة اميركياً.

 ويخلص الكاتب إلى أن الدول الكبرى قامت بخصخصة الحروب والصراعات وتحويلها الى القطاع الخاص بطريقة قصيرة النظر. لأنه لا يمكن حل القضايا الجيوسياسية والأزمات الدولية, من دون اضطلاع الحكومات بدورها وإرسال قواتها النظامية الى خنادق القتال, ومعالجة الأزمات من جذورها.

هذا الاتجاه الخاطىء في السياسة الدولية مرتبط في نظر كثيرين بمسار العولمة وما بعد العولمة, ومسار النيوليبرالية, حيث تتخلى الحكومات عن أعبائها ووظائفها التقليدية لأسباب مالية واقتصادية, لصالح قوى وتشكيلات اجتماعية وأمنية بديلة, تعمل بمحركات نفعية ضيقة, بلا حساب لمصالح الدولة والأمة والسلام العالمي.

 ورغم محاولات الحكومات تقنين هذه التشكيلات واخضاعها للتشريعات الوطنية, ولكنها تبقى قادرة على انتهاك القوانين, وثمة أدلة على أنها تتحول أحياناً الى دويلة داخل الدولة وسلطة موازية.

والأدلة أكثر من أن تحصى حالياً على أن ((داعش الاسلاموية)) تمثل تنظيماً شاركت في خلقه وتعزيزه أطراف غربية وشرق أوسطية متعددة, أمدته بالأموال والأسلحة والمقاتلين الذين ناهز عديدهم عشرات ألوف المحاربين من دول الغرب والشرق, ومن الطوائف والأديان كافة . وليس بالضرورة أن تنسق هذه الدول والأطراف أو أن تكون على انسجام بينها, لا في العقائد ولا في المصالح. ولكن الجميع أدوا مهامهم الموكلة اليهم في سورية والعراق بشكل عملي ملائم.         

وكما نعلم فهناك ما يشبه الاجماع الآن بين الدول الأوروبية على رفض عودة مواطنيها الذين التحقوا بـ((داعش)), وازدادوا تطرفاً, لأنهم يشكلون ((تهديداً أمنياً جدياً لها)) بحسب مسؤولين فيها. ومع أن روسيا قالت إنها تفضل أن يقتلوا في الميدان لمنع عودتهم, تميل الدول الأوروبية الأخرى الى محاسبتهم في سورية والعراق, وتجريدهم من الجنسيات, أو إعادة تأهيلهم واصلاحهم كما تقترح السويد وبريطانيا. ويشمل الإجماع مسألة أن ((داعش)) لم تنته, ولا بد أن يظهر جيل جديد منها في فترة قريبة, هدفه القتل ونشر الذعر من دون هدف سياسي محدد.

أما ما لم يحسب حسابه هؤلاء فهو ((داعش المسيحية – الغربية)) التي بدأت تتبلور في غالبية دول أوروبا وأميركا وكندا وصولاً الى استراليا ونيوزيلاندا, مستغلة الموجات الشعبوية فيها, وانحسار القيم التقدمية الديموقراطية والاشتراكية, وتراجع قوة الأحزاب اليسارية, وصعود اليمين المتطرف الى البرلمانات.

 ويلاحظ خبراء الأمن أن المنظمات ((الداعشية)) البيضاء العنصرية في الغرب تتواصل بينها, وتبني شبكات عابرة للقارات, ففي الأيام الثلاثة التي تلت مجزرة نيوزيلاندا وقعت سلسلة جرائم قتل عنصرية ضد مواطنين من أصول عربية في المانيا وبريطانيا وفرنسا, ووقعت اعتداءات على دور عبادة في بريطانيا وانتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي دعوات وأفكار تبرر ما ارتكبه سفاح نيوزيلاندا ((برينتون هاريسون تارانت)) ومجموعته التي لم يتضح بعد حجمها. مما يوحي بوجود شبكات عنصرية عالمية .

ما هو الحل؟

والسؤال المطروح الآن في العالم هو: هل يمكن اعتبار مجزرة نيوزيلاندا رد فعل على مجازر وجرائم ((داعش)) الأولى ؟

في العقدين الأخيرين, ولا سيما بعد الغزو الاميركي للعراق عام 2003 ظهرت موجة تأويلات وتحليلات اسلاموية ترى أن الغزو المذكور فضلاً عن غزو فلسطين سابقاً, واستباحة الدول الغربية للعالمين العربي والاسلامي في القرن العشرين تشكل ينابيع التطرف التي غذت الارعاب, ولكن المفكرين والساسة في الغرب رفضوا إعطاء شرعية ولو ذرائعية, لهذا النمط من الإرعاب. وتبدو هذه المقولة الأنسب اليوم لرفض أي تبرير لجرائم ((داعش)) البيضاء العنصرية . فالإرعاب لا مبرر له, ولا ينبغي منحه أي مشروعية أخلاقية وسياسية, بما فيها جرائم ((داعش)) والقاعدة, حتى لا نفتح الباب لتبريرات مشابهة لما سيأتي من أجيال لاحقة في عالم الإرعاب.

والحل العقلاني البديل يكمن في بلورة ثقافة عالمية انسانية تركز على رفض كل أشكال وأنماط القتل والارعاب بدوافع عقيدية وأصولية وعنصرية, وفي وضع تشريعات بواسطة الأمم المتحدة وقوانين وطنية لمكافحتها, بلا ازدواجية معايير, ومكيافيلية. ويكمن الحل أيضاً في معالجة الأزمات السياسية من جذورها بعيداًَ عن الاستغلال والتوظيف المكيافيللي وأسلوب الحرب بالوكالة, بعد أن ثبت لكل الأطراف أن دعم أي طرف لهذه المنظمات سيرتد عليه مهما طال الوقت. فالحرب على الاتحاد السوفياتي في افغانستان التي كانت البداية الفعلية والتاريخية كما قلنا لنشوء هذا النمط من المنظمات التي توظف العقائد الدينية لشن الحروب وتجنيد المقاتلين, وأنتجت ما يسمى ظاهرة الأفغان العرب, والتي تطورت في العراق, وجرى تطبيقها على نطاق واسع في العديد من الدول العربية وغير العربية, وها هي النتائج تظهر في صور متعددة لجماعات ارعابية منظمة وذئاب منفلتين, تضرب اوروبا واميركا وشرق آسيا, تستنسخ نفسها في جماعات وذئاب منفردة ومنفلتة من العنصريين البيض واليمينيين المتطرفين ترتكب عشرات المذابح والجرائم الدموية كالتي وقعت في النرويج عام 2011 وذهب ضحيتها أكثر من ثمانين ضحية من المهاجرين العرب المسلمين, ومجزرة أوكلاهوما في اميركا عام 1995, وصولاً الى مجزرة نيوزيلاندا الأخيرة. وعلينا توقع المزيد ما دامت الدول والحكومات قاصرة في سياساتها عن معالجة جذور الأزمات بشكل جذري وموضوعي, كما يحدث في سورية واليمن والعراق. وما دام قادة مثل ترامب وبوتين يتعاملون مع الإرعاب بصورة انتقائية ومكيافيللية.