2019-03-14 17:41:46

بعد ثماني سنوات من التضحيات الجسيمة: لماذا لم تنتصر ((الثورة السورية))؟ / بقلم: محمد خليفة

بعد ثماني سنوات من التضحيات الجسيمة: لماذا لم تنتصر ((الثورة السورية))؟ / بقلم: محمد خليفة

بعد ثماني سنوات من التضحيات الجسيمة: لماذا لم تنتصر ((الثورة السورية))؟ / بقلم: محمد خليفة

 *للثورة أربعة شروط موضوعية لم تتوفر في الربيع العربي

*جماعات الاسلام السياسي أجهضت الانتفاضات الشعبية

*الانتفاضة السورية لم تتطور الى ((ثورة)), لأن النخب السورية لم تتهيأ لها, ومنظمات الاسلام السياسي كافة شاركت في أجهاضها

*الموجة الثانية من الربيع العربي بدأت في العراق والسودان والجزائر, و((الحالة السورية)) مصدر الالهام لها!

 

بينما تدخل المحنة السورية سنة تاسعة تتفق غالبية المراقبين على أن ثماني سنوات من المؤامرات والحروب الدولية الدموية لم تفلح في إخماد انتفاضة الشعب السوري وإعادة الشرعية لنظام الأسد, ولا تثبيت البنى الجيو- سياسية الموروثة من أزمنة الاستعمار في المنطقة العربية. فالانتفاضة ما زالت تتجذر وتتجدد, وتستعد لتحولات أكبر في الداخل وفي المحيط الاقليمي, تعزز تأثيرها, كمصدر الهام وإشعاع للشعوب العربية.

هذا الايجاز لا يزعم أن الانتفاضة السورية ((سوبرمانية)) وخارقة, ولكنه يلحظ بموضوعية تامة, قوة جذورها في بيئتها الاجتماعية,  ويرى أن إعادة سورية والمنطقة العربية لما قبل 2011, لا يمكن أن تتحقق, لأنها نكوص للتاريخ, بدلالة ما يجري اليوم في المغرب والمشرق.

والسؤال الذي يتبادله الجميع حالياً هو: لماذا لم تنتصر ((الثورة السورية)) على الرغم من التضحيات الجسيمة التي بذلتها بسخاء وإيمان؟

لا نريد الهروب للتفسير التآمري, وسوق الاتهامات للأعداء الخارجيين, بل سنركز الإجابة على أهم أخطاء التجربة والعوامل والقوى المحلية التي أعاقت بلوغ أهدافها, من دون إغفال للعوامل الخارجية.

أين الخطأ ؟

بدأ الخطأ مبكراً بإطلاق وصف ((الثورة)) على ((الانتفاضة الشعبية)) التي عمت المحافظات السورية, واجتذبت مكونات الشعب كافة. لأن ما جرى كان في واقع الأمر زلزالاً, أو بركاناً شعبياً مفاجئاً يعبر عن مشاعر غضب وقهر وظلم تراكمت في أعماق السوريين بدرجات مختلفة عبر نصف قرن.

بلا شك عبر السوريون الذين نزلوا للشوارع عن إرادة تنشد التغيير الجذري, والتخلص من نظام فاسد مستبد, نفدت صلاحيته فغدا نظاماً ينتمي للقرون الوسطى, وتكرس عجزه عن الاصلاح, وتسرطن الفساد في خلاياه الجينية, هدفه الوحيد المحافظة على مصالحه ومصالح أتباعه. لجأ للتوريث ليرسخ ديمومته، ومزق النسيج الوطني بتحريضه الطوائف على بعضها, وفق قاعدة ((فرق تسد)), مانحاً ((العلويين)) بعض المزايا السلطوية والعوائد المادية, وأقام تكتلاً للأقليات المذهبية, وزج به في مواجهة الأكثرية السنية التي أقصاها, وهمش دورها, وسلب حقوقها, عدا شرائح طفيلية من بورجوازية تجارية, منحته ولاءها الأعمى مقابل حماية مصالحها.

لا غضب الشعب العارم, ولا تظاهراته المليونية, ولا الحراك المدني المنسق, ولا مبادرات المعارضة التقليدية شكلت ((ثورة)) بالمفهوم العلمي. لأن الثورة عمل مخطط منظم منضبط, تقوده طليعة موحدة, تتحرك وفق استراتيجية ثورية, ورؤية مستنيرة, وبرنامج إصلاح سياسي. أما ما شهدناه في سورية بعد انتفاضة درعا, فلا يرتقي لمصاف الثورة, بل مظاهر غليان شعبي, أو في أحسن الأحوال أعراض حالة ثورية عفوية سائلة, لا يمكنها جبه التحديات التي يطرحها وجود نظام فاسد متوحش, مدعوم من أنظمة مشابهة. ولا يمكنها بحالتها الهلامية تحقيق الأهداف التي رفعها السوريون.

ومن البدهي أن الحالة الثورية السائلة التي ولدها الشارع كانت بحاجة لعمليات تنظيم وتعبئة دقيقة, ومحكمة, تشترك فيها القوى والطلائع والنخب السياسية المعارضة التقليدية, كأحزاب الاتحاد الاشتراكي, والشعب والعمل و((إعلان دمشق)) ناهيكم عن بعض القوى الاسلامية, ولكن هذه القوى, كانت إما غير مؤهلة أصلاً, أو غير جاهزة - لهذه المهمة الوطنية المفصلية, لأنها شاخت, وتكيف بعضها مع النظام ايثاراً للسلامة. أما التنظيمات التي ابتكرها شباب الحراك المدني بعد الزلزال على عجل كالهيئة العامة للثورة, واتحاد تنسيقيات الثورة, فهي أطر هلامية بدائية, سرعان ما توقف تطورها, وانفرطت, لافتقارها للوحدة والانسجام والرؤية.. فضلاً عن همجية عصابات الأسد ضدها لذا بقي الشارع يتحرك ويتخبط بصورة عفوية وعشوائية, وبقوة دفع غير منتظمة ولا مخططة, بصورة أقرب لردود الأفعال, مما سهل على السلطة سحقه بعد ان اخترقته بقوى التطرف والتطييف الديني أو باتجاه التسلح والعسكرة, لإغراقه بالدم, ودفع المكون الرئيسي الى النزوح القسري خارج الوطن.

تدل تجارب الشعوب المعاصرة على أن للثورة قوانين وشروطاً ينبغي استيفائها قبل الحديث عن ثورة قابلة للنصر. كما تدل أن التاريخ لا يتساهل, وما من ((ثورة)) انتصرت, وحققت أهدافها, من دون استيفائها :

-تنظيم ثوري محكم وموحد يجمع ويضم قوى الثورة كافة.

-استراتيجية تغيير ثورية, ذات اتجاه وطني عصري.

-قيادة طليعية ورشيدة وكفؤة وملتزمة.

-قاعدة اجتماعية مؤمنة ومؤيدة للثورة.

في الثورة الجزائرية, كانت جبهة التحرير ((الأداة)) الوحيدة. أي التنظيم الثوري الذي خطط للثورة وتجهز لها, وقادها بإرادة فولاذية عبر سبع سنوات من النضال المسلح ثم المفاوضات السياسية مع العدو. ولم تكن قيادة الثورة تتساهل مع أي انشقاق, أو خروج على مبادىء الثورة الأصلية, وكان ((الإعدام)) عقوبة من تسول له نفسه الخروج على الاجماع, بلا رحمة. وقد أعدمت الثورة ألوف المناضلين المخلصين بسبب خروجهم أو خلافاتهم.

في الثورة الفيتنامية تكرر المثال, فكانت جبهة التحرير الفيتنامية واحدة موحدة, وكانت القيادة المحكمة الملتزمة بالبرنامج صاحبة القرار الذي لا يقبل القسمة ولا الاختلاف أو المخالفة طالما استمر النضال ضد الاحتلالين الفرنسي والاميركي.

في الثورة الفلسطينية, وبحكم أو بسبب تداخل العوامل العربية, وحاجة المقاتلين للبلدان المجاورة ومساندة حكوماتها, ظهرت فصائل متعددة الاتجاهات والولاءات, وساد التناحر فيما بينها, وسالت دماء غزيرة, مما أعاق الانتصار, ولكنها عوضت ذلك بالتزام كافة الفصائل بميثاق وطني موحد, وبوحدة ((منظمة التحرير)) في الحد الأدنى وبقيادة عرفات كرمز حاز إجماعاً شعبياً. ولكن النضال الفلسطيني أهدر كثيراً من الأرواح والفرص, نتيجة الانشقاقات والتناحرات. وما زالت هذه العوامل تهدد انجازات النضال الفلسطيني جراء الصراع بين المنظمة وفصائلها الوطنية, والفصائل الاسلامية.

أما التجربة السورية فقد افتقرت للتنظيم الموحد للثورة تماماً, قبل وبعد 2011, وافتقرت لاستراتيجية تغيير سياسية وعسكرية تجمع القوى الوطنية كافة, وتتبع قيادة موحدة, وافتقرت لرؤية وبرنامج عصري لسورية البديلة عن سورية الأسد.

بدل أن تتوافر الشروط الموضوعية للثورة ظهرت فصائل متناحرة, لها برامج متناقضة, وبعضها لا تربطها بسورية رابطة, تتبنى استراتيجيات أجنبية رجعية, ولا تلبي مصالح السوريين . وقضت ((منظمات الاسلام السياسي)) العابرة للقارات على بدايات الثورة السائلة, وعلى تنظيماتها الغضة, وشاركت النظام أو نافسته في وحشيته ومعاقبته للثوار.

 وتكفلت بالباقي الدول الأجنبية التي هبت لنجدة الأسد, وأرسلت جيوشها وميلشياتها لذبح الشعب السوري, (روسيا نموذجاً), وتحقيق مشاريعها وخدمة مصالحها على حساب السوريين.    

 وكان من الطبيعي والحتمي أن تفشل التجربة برمتها, وأن تتبدد تضحيات الشعب السوري الفادحة على مذبح الدول, والجماعات الاسلامية، وأن تعود سورية للمربع الأول, وأن يبقى النظام بمؤسساته القمعية الطائفية المتخلفة.

العودة للثورة:

لا ينبغي لهذه الخلاصة القاسية أن تصدم أحداً, فهي عنوان المشهد بواقعية تامة, والتاريخ لا يحابي أحداً. وليس للسوريين سوى خيار وحيد, يتمثل في العودة للثورة من الصفر, وأن تعمل طلائعهم ونخبهم على توفير شروطها الموضوعية , والرهان على طاقتهم الثورية للنضال ضد أعدائهم في الداخل والخارج .

الجدير بالذكر أن مآلات التجربة السورية في الثورة بدأت منذ اليوم الأول بتأثير ((الربيع العربي)) وثورات تونس ومصر وليبيا واليمن, لأن هذه الشعوب تعاني ظروفاً متشابهة, وقد وئدت أو أجهضت الثورات الاربع كما وئدت الانتفاضة السورية, ولكن الشعوب ما زالت متمسكة بأهدافها ومطالبها, لأنه لا خيار آخر. وها هي بشائر الموجة الثانية من الربيع العربي تنطلق من العراق للسودان والجزائر.

وفي جميع هذه الأمثلة وأمثالها يتعين على النخب الثورية إعداد أدوات الثورة, وصياغة برامج وطنية عصرية ديموقراطية, تلبي مطالب ومصالح الجماهير في خلق شروط مناسبة للحياة الكريمة وتحقيق الازدهار المادي والثقافي, لا مشاريع طوباوية ورجعية كالتي حملتها الجماعات الاسلامية.