2019-03-14 16:06:56

بِرُّ الوالدين بعد الموت/ بقلم الشيخ أسامة السيد

بِرُّ الوالدين بعد الموت/ بقلم الشيخ أسامة السيد

بِرُّ الوالدين بعد الموت/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إمَّا يبلُغنَّ عندك الكِبَر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريماً واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)) سورة الإسراء.

قد سبق وتكلمنا في مقالنا السابق عن بر الوالدين ورأينا من المناسب جدًا أن نُتبع المقال بمقالٍ آخر نتكلم فيه عن بر الوالدين بعد موتهما لأننا نرى كثيرًا من الناس لا يشتغلون ببر آبائهم وأمهاتهم بعد الموت، بل ولا يعرفون أنه يُمكن للمؤمن أن يكون بارًّا بوالديه المؤمنين بعد مفارقتهما الحياة الدنيا وما سبب ذلك إلا الجهل الذي يتخبَّط فيه أكثر الناس اليوم، بل صرنا نرى ونسمع عن أبناءٍ لا يُصلُّون على آبائهم وأمهاتهم بل ولا يعرفون كيفية صلاة الجنازة أصلاً، فيمشي أحدهم في جنازة أحد والديه كأنه غريبٌ حتى إذا حضرت الصلاة عليها تراه يتنحى جانبًا مستندًا إلى جدار المسجد، وهل كان الجدار على وشك السقوط حتى يستند على ظهرك أيها الإبن المفَرِّط؟ وحيث وقع كثيرٌ من الناس في هذا وجعلوا علمَ الدين فَضلةً فقد صرنا نرى ما آلت إليه الأمور من ضياع الأسر وتفكك المجتمعات وتركِ البِرِّ وتفشي العقوق، ولكن من يسَّر الله له الخير حفظ البرَّ لأبويه حيين وميتين ومن كان مهتمًا بشأن والديه حافظًا لحقوقهما لا يترك الإحسان إليهما بعد الموت.

هكذا البر

لا يعني إذا مات العبد المؤمن أنه ما عاد ينتفع بشيء البتة وليس معنى دفنك لأبيك أو أمك أو أخيك أو صاحبك أن تنساهم كأنه لم يكن بينكم يومًا مودة، بل المطلوب منك أيها المؤمن الحريص على الخير أن تهتم لهم لا سيما الوالدين فقد أكد الشرع ذلك، فتأمل بقلبٍ حاضرٍ قوله تعالى: ((وقل رب ارحمهما كما ربَّياني صغيرا)) سورة الإسراء. فينبغي أن لا تكتفي برحمتك الفانية بهما وأن تسأل الله لهما رحمته الباقية، فتجعل ذلك جزاءً لرحمتهما بك حين كنت صغيرًا وهذا الدعاء ليس مختصًا بحياتهما بل ينتفعان به أيضًا بعد موتهما، لأن النص لم يقيد ذلك بحياتهما فلا تظنن إذًا أن سبيل برِّك بهما انقطع بالموت، وتذكَّر أن رحمة الله واسعة وأن أسباب الثواب والمنفعة كثيرة وأن الله شرَع لنا من الأعمال ما هو ذُخرٌ لنا ولمن سبقنا بالإيمان.

 فمن بِرِّ الوالدين بعد الموت أن تعمل بهذا الحديث الذي رواه أبو داود عن أبي أُسيدٍ مالك بن ربيعة الساعدي أنه قال: ((بينَا نحن جُلُوسٌ عند رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاءه رجلٌ من بني سَلِمة فقال: يا رسول الله هل بقي من بر أبوي شيءٌ أبَرّهُما به بعد موتهما؟ ((أي أبرهما به فينتفعان بذلك)) فقال: نعم، الصلاة عليهما ((أي الدعاء لهما)) والاستغفار لهما ((والاستغفار داخلٌ في جملة الدعاء لهما وإنما عطَف به اهتمامًا وتأكيدًا لفضله أي وتدعو لهما بالمغفرة)) وإنفاذ عهدهما من بعدهما ((أي ما عهدا به من وصيةٍ وصدقة وغير ذلك)) وصلة الرحم التي لا تُوصلُ إلا بهما ((والمعنى أن الولد لا تعلُّق له بالأرحام من النسب إلا بسبب والديه)) وإكرام صديقهما ((وفيه دليل على اغتنام فضيلة صلة أصدقاء أبويه والإحسان إليهم)).

احفظ أهلَ ودِّ أبويك

وأخرج مسلمٌ في صحيحه عن عبد الله بن دينارٍ عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا خرج إلى مكة كان له حمارٌ يترَوَّحُ ((يستريح)) عليه إذا ملَّ ((أي سئم وضَجِرَ)) ركوبَ الراحلة ((أي ما يُركب من الإبل)) وعِمامةٌ يشُدُّ بها رأسه ((أي ويلبس عمامةً يشد بها رأسه في السفر)) فبينا هو يومًا على ذلك الحمار إذ مرَّ به أعرابيٌ فقال ((أي ابن عمر)): ألستَ ابن فلان بن فلان؟ قال: بلى. فأعطاه الحمار فقال: اركب هذا، والعمامة أشدد بها رأسك. فقال له ((أي لإبن عمر)) بعضُ أصحابه: غَفر الله لك أعطيت هذا الأعرابي حمارًا كنت تَرَوَّحُ ((تستريح)) عليه وعِمامةً كنت تشُدُّ بها رأسك. فقال: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن من أبرِّ البر صِلَةَ الرجل أهلَ وُدِّ أبيه بعد أن يُولِّي. وإن أباه كان صديقًا لعمر رضي الله عنه)).

وإذا ما عُلم هذا فما بال أناسٍ يقطعون أو يُعادون أهل ود والديهم ثم لا يذكرون والديهم بعد وفاتهما بدعوة أو صدقةٍ وما سبب ذلك إلا الغفلة أو الجهل، فإن كثيرًا من الناس قد جهلوا أن الدين جاء بإثبات انتفاع الأموات المؤمنين بما يصلهم من سعي الأحياء على وَفق الشرع، فنسوا آباءهم وأمهاتهم إذ أسلموهم للتراب وظنوا أن الأمر قد انتهى، ولو نظر هؤلاء في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه لعلموا خلاف ما ظنوا.

 فعن عبد الله بن عباسٍ أن سعد بن عُبادة توفيت أمه وهو غائبٌ عنها فقال: يا رسول الله إن أُمي توفيت وأنا غائبٌ عنها أينفعها شيءٌ إن تصدقتُ به عنها. قال: نعم. قال: فإني أُشهدك أن حائطي ((بُستاني)) المِخراف ((المثمر)) صدقةٌ عنها)) رواه البخاري. فحريٌ بالعاقل بعد هذا البيان أن يسعى بما ينفع به والديه المؤمنين في قبريهما كما كانا عونًا وسنَدًا له حين كان أحوجَ ما يكون إليهما، وأن يُربِّي أولاده على هذه التعاليم فيستفيد منهما بمثل ما استفاد منه أبواه إذا لحق بهما. 

والنبي صلى الله عليه وسلم قد حفظ وُدَّ زوجه السيدة خديجة بعد موتها فعن أم المؤمنين عائشة قالت: ((كان (أي النبي) إذا ذبح الشاة يقول: ((أرسلوا بها إلى أصدقاء خديجة)) متفقٌ عليه، فعلَّمنا بحاله كيف ينبغي أن تكون المعاملة للأزواج فكيف بالوالدين إذًا أفلا يجدر الاعتناء بأمر برهما بعد الموت؟ بلى.

والحمد لله أولاً وآخراً.