2019-03-07 22:22:02

جسد المرأة ملك من؟ بقلم: د. هتون أجواد الفاسي

جسد المرأة ملك من؟ بقلم: د. هتون أجواد الفاسي

جسد المرأة ملك من؟ بقلم: د. هتون أجواد الفاسي

د. هتون أجواد الفاسي استاذة مشاركة في تاريخ المرأة، عضوة هيئة تدريس سابقة لمدة 26 سنة بقسم الشؤون الدولية في جامعة قطر، ناشطة اجتماعية وثقافية وانسانية، أصدرت كتباً عديدة. ننشر من كتابها ((سنوات في عمر المرأة السعودية)) الذي أصدرته مؤسسة بحسون للنشر والتوزيع، مقالاً ذا مغزى يحاول باختصار شرح وضع المرأة في المجتمع السعودي تحت عنوان: ((جسد المرأة ملك من))؟

يأخذ التمييز ضد النساء في العالم أشكالاً مختلفة تعتمد على درجة تقدم هذه الدولة او تلك ونموها او درجة تقدم منظماتها النسوية التي تتابع أحوال النساء والأنظمة وتطبيقات مؤسسات الدولة والقطاع الخاص، وتعتمد كذلك على درجة الوعي بحقوق الانسان من جانب، وقوة سلطة القانون من جانب آخر ووجود مواد قوية ملزمة تحافظ على حقوق النساء.

وتختلف أيضاً القطاعات التي يبرز فيها التمييز وفق المعايير السابقة كذلك وربما تدعمه عوامل اقتصادية وثقافية وربما دينية وسياسية كذلك. فهناك التمييز على سبيل المثال في المجال التعليمي، الاجتماعي، مجال العمل، السياسي، الفني، الاقتصادي والصحي. ولعلنا نحتاج الى التفرقة ما بين التمييز الذي يقع من قبل مؤسسات الدولة او بموافقتها وما بين التمييز الذي يقع على المستوى العائلي والشخصي. فالأول هو القابل للمحاسبة والمساءلة والتقنين في حين ان الثاني يقع تحت رحمة التقدير الشخصي والارادة العائلية.

وما وددت الاشارة اليه هنا هو نمط من أنماط التمييز العائلي الذي لا يخضع للمساءلة ومن الصعب توثيقه ومقاربته ويُترك في جله الى تقوى النفوس وخوفها من الله عز وجل في الامانات التي بين أيديهم من نساء او بنات او أخوات او أزواج.

والمثال الذي وصلني يتعلق بأسرة سعودية من وسط المملكة اكتشف لدى احد أبنائها إصابة كليته الوحيدة بفشل كلوي فقام الأب بإجبار بناته الاناث بالخضوع لفحوصات التبرع بالكلى ليتم نزع كلية احداهن لتزرع لأخيها سواء بموافقتها او من دون موافقتها، هذا على الرغم من ان عدداً من أخوته الذكور كانوا مستعدين للتبرع بكلاهم وأبدوا رغبتهم في ذلك، إلا ان الأب رفض تبرع أي من الأبناء وأمر الفتيات بالاتجاه الى الرياض للدخول لمستشفياتها وبدء الفحوصات.

وكما نرى فإن هذا الوالد الذي استغل قوامته على بناته يمارس عليهن صنفاً من التمييز بل والاستغلال الذي يحمل معاني مثل ان كيان المرأة أقل أهمية وقيمة من كيان الرجل وتبعاً لذلك جسدها بل وروحها أيضاً ودونية نظرة بعض الوالدين لبناتهم الاناث وحرصهم على ذريتهم الذكورية التي يعتقدون انها سوف تخلدهم في الدنيا وبعد الممات. كما يحمل معنى تجريد المرأة من ملكيتها لجسدها وتحويله الى ملكية عائلية لا يد لها فيها. وهي ممارسات اجتماعية تشاهد لدى بعض الأسر الفقيرة التي تجعل أولوية العلاج لأبنائها الذكور عن بناتها الاناث، وربما تكون هناك أولوية في الغذاء الصحي للذكور عن الاناث.

وعلى الرغم من صعوبة اثبات استغلال هذا الوالد لقوامته ما دامت الفتيات ملتزمات الصمت، كما ينبغي من أي أسرة محترمة، فلا يبقى حائلاً بينهن وبينه إلا مدى خشيته من الله وتقواه فيهن، وهو ما لا يمكن الاجبار عليه على الرغم من اننا مجتمع مسلم يحمل في طيات تاريخه وآدابه معاني جمة في إكرام المرأة وفي حفظ الأمانة وفي الخشية من عقاب الخالق فيمن هن تحت يده وفي مسؤولية رعايته، كما اننا مجتمع تحف بنا في قيامنا وقعودنا ومدارسنا وإعلامنا وشوارعنا وبيوتنا الدعوة للصلاح والتقوى واتباع سنة خير الأنام والاقتداء بسيرته العطرة لا سيما في تعامله مع أهل بيته.

وفي نهاية المطاف فالله وليهن، كما ان الله حسيب هذا النوع من الآباء مضيعي الأمانة.