2019-03-07 21:19:58

وديعة خالد عبدالناصر ((7)) خالد عبدالناصر: عندما قامت ثورة سورية قلت يستاهلوا.. هم أصل البلاء في التوريث / اعداد: محمد خليفة

وديعة خالد عبدالناصر ((7)) خالد عبدالناصر: عندما قامت ثورة سورية قلت يستاهلوا.. هم أصل البلاء في التوريث / اعداد: محمد خليفة

وديعة خالد عبدالناصر ((7)) خالد عبدالناصر: عندما قامت ثورة سورية قلت يستاهلوا.. هم أصل البلاء في التوريث / اعداد: محمد خليفة

*خالد عبدالناصر أبلغنا ان مبارك يعد ابنه جمال للرئاسة، مقلداً حافظ الأسد بتوريث ابنه

*مبارك عين شقيق سوزان ملحقاً عسكرياً في اميركا ليعقد صفقات الأسلحة لمصر ويحصل على سمسرتها منها ويضعها في حسابه في مصارف أميركية

*خالد كان يداعب زوجه بأنها تخينة، وأخذ معه الى لجوئه قطته بونجة.. وفي منزله 15 قطة

*كان ابن عبدالناصر يقول ان الناصريين في مصر فشلوا في بناء حركة سياسية قوية، مطالباً إياهم بالنـزول الى الشارع

*جمال مبارك أنشأ جهاز استخبارات خاصاً به

*شارك خالد عبدالناصر في ثورة كانون الثاني/ يناير وجالس الثوار في ميدان التحرير وناقشهم وكان في منتهى السعادة حين رحل مبارك

 

في الحلقة الأخيرة من ((وديعة خالد عبدالناصر))، اضاءة على موقفه من الثورة السورية وعلى النظام الذي اعتبره ((أصل البلاء في التوريث)) وعلى مشاركته في ثورة كانون الثاني/ يناير، وجالس الثوار في ميدان التحرير وناقشهم وكان في منتهى السعادة حين رحل الرئيس السابق حسني مبارك.

وفي ما يلي نص الحلقة الأخيرة:

مرحلة المرض

بدأت حالة خالد الصحية تتراجع, وظهرت عليه أعراض غير طبيعية بعد العام 2000, حيث أخذ يشتكي من أوجاع وآلام غير طبيعية في رأسه, وبعد إجراء الفحوصات تبين أن خالد يعاني من ورم في رأسه, وبعد إجراء فحوصات عديدة أيضاً بين القاهرة ولندن وباريس اتضح أن الورم غير خبيث, وقرر الأطباء التدخل لإجراء عمل جراحي في مستشفى الجامعة الأميركية في باريس. وجرت العملية بنجاح في عام 2003, ومع اننا كنا على اتصال مستمر في هذه الفترة, وكنت أطمئن على صحته بالهاتف اسبوعياً, إلا أن ما طمأنني دائماً الى حالته أني كنت ألاحظ أن حالته النفسية كانت طبيعية وجيدة, وكان يحكي لي النكات, أو ينقل لي بعض المفارقات والأخبار وهو يضحك, ما يوحي لي على الطرف الآخر من الهاتف عدم وجود ما يعكر الصفو أو يقلق.

وعندما دعاني لزيارته عام 2005 وجدت أن صحته طبيعية تماماً وحكى لي أن عملية استئصال الورم من رأسه نجحت ولم تخلف أي أثار سلبية على صحته ((أزمة وعدّت)) ووجدته يواصل التدخين بشراهة ومع أني كنت أذكره بضرورة الاقلاع عنه، إلا أني في قرارة نفسي كنت أشعر أن تدخينه يعد مؤشراً على أن صحته طبيعية بل وجيدة. لم ينقص وزنه, ولم يزد, بل كان غاية في الرشاقة واللياقة. ولا أثر فعلاً في حركته وحياته واحاديثه لأي عائق صحي. واستمر يسهر مع شلة من أصدقائه وأقربائه المقربين, ويجلس في المقاهي والمطاعم, وكان يقرأ الصحف المصرية والعربية والانكليزية, ويهتم بشكل خاص بما تنشره الصحف الأجنبية عن فساد الحكم المصري, وينقل لي بعض الأخبار التي تصله من مصادره الخاصة, عن فساد مبارك وزوجه وأولاده, وحكى لي منذ منتصف التسعينيات أن مبارك قرر أن يحذو حذو حافظ الاسد في توريث الحكم لإبنه جمال, وحكى لي مرة أن مبارك وضع شقيق سوزان ملحقاً عسكرياً في سفارة مصر في واشنطن ليكون مندوباً عنه في عقد الصفقات العسكرية مع الاميركيين ويحصل على العمولات ويضعها في حساب خاص بإسم الرئيس في أحد المصارف الأميركية. وكانت هذه التطورات تغضبه وتستفزه جداً.

 وظل خالد في هذه الفترة جائلاً في الخارج, وكثيراً ما كان يتصل بي ليخبرني أنه في تشيلي, أو دبي, أو اثينا, أو اسبانيا..إلخ, وكان يشارك في المؤتمرات الدولية العلمية من دون معوقات أو مكدرات صحية حتى نهاية عام 2000.

 وكان يخصص وقتاً طويلاً كل مساء للجلوس مع زوجه, وكان يمازحها لأنها أصبحت تميل للسمنة قليلاً, ويقول لي إنها تشعر بالضيق والانزعاج بسبب هذا الأمر, أما هو فكان يأخذ الأمر على نحو عادي ولا يزعجه.

وكان يداعب ويلاعب قططه الكثيرة. كان لديه في المنزل أكثر من خمس عشرة قطة, يعتني بها جميعاً ويحبها, ولا سيما قطته الخاصة ((بونجة)) التي رافقته أثناء اقامته في المنفى!

وكان قريباً من أبنائه الثلاثة, وخصوصاً جمال الذي تزوج وأسكنه في الدور الأخير من ((فيلته)) التي بناها, ويتابع يومياً أخبار ابنتيه تحية وماجدة. ولاحظت قربه من شقيقته منى التي تحادثه يومياً أكثر من مرة, ويتبادل العلاقات مع أصدقائه الناصريين, ولكنه كان يقول لي: لا مستقبل لهم, لأنهم فشلوا في بناء حركة سياسية قوية وذات قاعدة جماهيرية, وعندما أسسوا حركة كفاية عام 2005 تفاءل بها وشجعها, وكان يريد للناصريين أن ينزلوا للشارع ويعيدوا علاقاتهم مع الشعب.

في عام 2009 كان في زيارة خاصة الى دبي, وحظي بحفاوة شعبية ورسمية, ولكنه أصيب بورم تحول الى التهاب حاد جداً في قدمه أعاقه عن المشي فاضطره لدخول المستشفى لعدة أسابيع هناك.

وبعد عودته للقاهرة بفترة غير طويلة بدأ يشعر بآلام مبرحة في بطنه, عالجها, ولكنها استمرت وتطورت, وفي العام التالي 2010 ازدادت الآلام, وبينت الفحوصات إصابته بالتهاب في الكبد. واضطر لدخول مستشفى وادي النيل فترة من الزمن. ونصحه بعض أصدقائه بالسفر الى لندن لأن إصابته تحتاج علاجاً متقدماً وإلا فإن الالتهاب الكبدي سينتصر عليه.

وفي لندن قرر الأطباء إجراء عمليتين دقيقتين وصعبتين, إلا أنهم بينوا له أن نسبة الأمل في الشفاء أقل من نسبة الفشل, لأن الكبد مصاب وفي حالة متطورة. ووافق خالد على اجراء العمليتين, وأجريت له الأولى وعاد بعدها الى القاهرة في بداية 2011, وحين بدأت ثورة 25 كانون الثاني/ يناير كان في القاهرة, وفي غاية السعادة بها والأمل بإنقاذ مصر ومحاسبة الفاسدين في قمة السلطة. وفي هذه الفترة تحادثنا وتبادلنا الرسائل حول ما يجري, وقال لي كنت أعرف أن الشعب المصري لن يسكت على الذين أوصلوا مصر الى هذه الدرجة من الفساد والضعف والإهانة, وكان يحكي دائماً حكايات وقصصاً ومعلومات عن المسؤولين الكبار وفضائحهم وعلاقاتهم مع الإسرائيليين, وكان يتابع على نحو خاص اتساع نفوذ جمال مبارك في الدولة. وقال لي: إنهم عمدوا الى إنشاء جهاز استخبارات خاص موالٍ لهم, يديره جمال مبارك وأصدقاؤه في الحزب الوطني يتدخل في الاعلام والأمن والسلطة, ويراقب أداء المسؤولين, ويحدد من يؤيده, ومن يعارض توريثه, وكان الجهاز يتولى عزل المعارضين وتعيين موالين له بدلاً منهم, وكان التركيز على الصحافة والاعلام, إضافة للمناصب الحساسة في الدولة, والقطاعات الاقتصادية.   

وعندما قويت الثورة زار خالد ميدان التحرير رغم وهن صحته ونصيحة البعض له بتجنب الاحتكاك بالمتظاهرين والناشطين, إلا أنه ضرب عرض الحائط بهذه النصائح, وكان يجالس الشباب والطلاب ويستمع لهم ويحثهم على الصمود لإسقاط النظام واجبار مبارك على الاستقالة. وعندما اضطر مبارك للاستقالة من منصبه خوفاً من الأسوأ بسبب هدير الشارع وهتافه الموحد: إرحل. كان خالد في قمة النشوة والاعتزاز, كتب لي: لقد كنت أنتظر بفارغ الصبر منذ عشرين سنة هذا اليوم السعيد, ولكن الأمل لم يفارقني لحظة واحدة بأنه قادم لا محالة.

وفي مرة ثانية, وكانت التظاهرات قد تفجرت في سورية وبدأت الثورة فيها على غرار تونس ومصر واليمن, اتصلت به لأطمئن على صحته, ولم أكن أرغب في الحديث بأي موضوع سياسي حرصاً على راحته, إلا أنه اصر على أخذ الحديث الى السياسة, وسألني عما يجري في سورية, فقلت له: تكرار لما جرى في مصر, فقال لي: يستاهلوا ((يقصد حكام سورية)) لأن سيناريو التوريث بدأ من عندكم وانتقل الى مصر, واليوم نرد لكم الجميل.. ضحك خالد على عادته ثم قال لي كلما سمعت أخبار الثورة في سورية تذكرتك وقلت لا بد أن محمد سعيد حالياً, ولا بد أن أشاركه الفرحة!

ثم قال لي, وكانت آخر مرة يحادثني: الشعب العربي كله يا محمد صبر على هؤلاء الحكام الفاشلين والسراقين والديكتاتوريين, واليوم جاء وقت القصاص, ولا بد أن يحاسبوا حساباً قاسياً, ولا بد أن نعيد بناء أنظمتنا الوطنية من جديد على أساس الرقابة والمحاسبة, والعودة الى مبدأ الشرعية والانتخابات الحرة.

قلت له يا دكتور سأزورك في القاهرة قريباً لأحتفل معك بالنصر, قال لي: أهلاً وسهلاً تشرف يا محمد في أي وقت.

بعدها تدهورت صحة خالد في صيف ذلك العام الساخن, وعاد الى لندن وأجروا له العملية الثانية واخذوا وصلات من شرايين عنقه واستعملوها في كبده, وبعدها عاد ثانية الى مصر, وصحته غير مستقرة، وخصوصاً في الفترة التي سبقت شهر رمضان, فدخل المستشفى مجدداً, وبقي قيد العناية المركزة, ولكن التدهور استمر بشكل خطير, ولم يعد الأطباء قادرين على التحكم في الأعضاء الحيوية, وخاصة الكبد والكلى, ويوم السابع عشر من شوال, الخامس عشر من أيلول/ سبتمبر فاضت روح خالد جمال عبدالناصر الى بارئها, راضية مرضية, وشيعه آلاف المصريين من المسجد الذي يحمل إسم أبيه, وسار رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة المشير طنطاوي الذي أدار شؤون الحكم والدولة بين سقوط مبارك وانتخابات 2012, ومعه نائبه سامي عنان على رأس المشيعين والمودعين الذين رددوا بصوت حزين:

يا خالد قول لأبوك.. ثلاثة مليون شيعوك .