2018-06-21 18:05:48

بين مرافىء الحضارة والاسلام والايديولوجية 

بين مرافىء الحضارة والاسلام والايديولوجية 

بين مرافىء الحضارة والاسلام والايديولوجية 

مبحراً مع الشراع

العلايلي: لا أريد أن أكون أبا حنيفة جديداً

أجرى المقابلة: محمد خليفة 

الحوار مع الشيخ عبدالله العلايلي مثل النـزول الى البحر! يبدأ من نقطة على ساحل ما.. ثم يصبح سباحة في مدى لا نهاية له ولا أفق.. يطل على جميع الجهات والمرافىء. يشدك الى منارات بعيدة ومضيئة. 

بدأنا من حكاية اختفاء كتابه الأخير ((أين الخطأ)) الذي كان يمكن ان يكون ((قضية ثقافية وسياسية، كبيرة لولا ان أصوات الانفجارت والقنابل في بيروت تعلو على صوت العقل والقلب.. واكتشفنا ان الكتاب الذي اغتالته جهة ما، وأطلقت عليه ((رصاصاتها المالية والنفطية)) يتألف من نسختين: النسخة التي أثارت وأغاظت هي ((النسخة المخففة)) فكيف لو ان التي نشرت هي النسخة الأصلية؟ 

وساقنا الحوار الى الأعمق والأبعد، الى كل بحارات التراث والاسلام والحضارة، كان العلايلي دائماً يبدو بحاراً عتيقاً يعرف كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة في الجزر والسواحل التي مررنا بها، يملك ((بوصلة) دقيقة لا تفقد دقتها في أشد المناطق ضباباً وغيوماً وعواصف. 

قيمة العلايلي، أنه في مرحلة تنتشر فيها ظاهرة العودة الى ينابيع التراث والاسلام خلاصاً من اشكاليات التبعية الثقافية للغرب، وبحثاً عن الأسس القومية والحضارية الخاصة لبناء المشروع العربي الحضاري الجديد، فإن العلايلي لا يكتفي بتردد هذه المسألة الحيوية في حياتنا المعاصرة كما يرددها الآخرون، كأنها نغمة جميلة، بل يقترح مشروعاً عملياً ويقدم حجارة وإسمنتاً لهذا المشروع. 

ونعتذر سلفاً للقارىء أننا لن نستطيع اشراكه في كل أجزاء ((رحلتنا مع العلايلي))، لأنه ليس كل ما يسمع ويقال يكتب! 

 

أين الخطأ 

#كتابك الأخير ((أين الخطأ)) أثار ضجة ومشاكل.. ما السبب في ذلك؟ 

ظنوا أني سأقرر قضية فكرية، سأعمل ثورة فكرية.. او اني سأدعو الى تأسيس مذهب جديد.. بينما أنا لا أريد أن أكون ((أبا حنيفة جديداً)).. ولا يهمني أن أقرر قضية فكرية جديدة كل الذين عالجوا الكتاب عالجوه من الناحية الفكرية. وأبرز مثال على هؤلاء، المناقشات التي تزعمها جريدة ((اللواء)). 

#وماذا كنت تقصد اذاً من كتابك؟ 

في هذا العالم الجديد ألغيت المسافات فضاق العالم وأصبح هناك وحدة في المجتمع العالمي بسبب التقدم التكنولوجي وكان لذلك تأثيره على مجتمعنا. 

وفي العالم اليوم يدورالصراع بين ايديولوجيات رئيسية. فهنالك الماركسية، وهناك الديموقراطية الغربية، وبينهما عدة منطلقات فكرية وايديولوجية أخرى, وكلها تتصارع فيما بينها، وكان من نتيجة ذلك ضروب من الأزمات العالمية التي يعيشها الكائن. ونحن بدورنا نتأثر فيها لأن كل صراع في العالم ينقسم بالفكر او السلوك او نظام الحكم له تأثير على حياتنا. 

لذلك كله رأيت من الخير الكبير ان نصيغ من الشريعة الاسلامية عناصرها الايديولوجية، وان نخرجها من الاطار المحلي الى الاطار العالمي.. لتقديم الحل للمشاكل العالمية وهو ما اخفقت فيه وعجزت عنه الايديولوجيات الأخرى.. 

الاسلام له جانبان: جانب ديني غيبي ميتافيزيقي، وجانب عملي ايديولوجي، هو ما يمكن ان نسميه، بالشريعة، او بالمعاملات، وله علاقة بتنظيم المجتمع. 

الجانب الأول ديني ذاتي، خاص بالفرد ان شاء آمن به وإن شاء ألا يؤمن فلا إكراه في الدين..  

اما الجانب الآخر ففيه عناصر ايديولوجية اسلامية، وهو ما يمكن ان نصيغه صياغة جديدة وندخله في الصراع العالمي الايديولوجي. على أنه ايديولوجية اسلامية يمكن تطبيقها والأخذ بها عالمياً دون ان تكون لها علاقة بالدين. 

عندنا في تراثنا مسائل فكرية اسلامية عظيمة اذا جمعت، فليس هناك في تاريخ الفكر العالمي او التشريع القانوني في العصر الروماني وحتى اليوم أغنى منها.. عندنا مدارس عديدة ومتنوعة وغنية ظهرت في هذا التاريخ. 

أنا أردت – والحديث يكثر في هذه الأيام عن التراث والعودة الى الأصول – ان أدعو الى صياغة الاسلام بهذا الشكل. صياغة ايديولوجية نقدمها الى العالم. 

كانت غايتي من الكتاب هي التنادي بين المسلمين للنهوض بالمهمة التي أطرحها.. أنا لم أقم بهذه الصياغة.. انما فتحت النافذة لتحسين الاضاءة الكاملة تحتاج لشرفات عديدة. 

لا.. أفراد معدودون هم الذين فهموني وفهموا غايتي. 

#ولماذا اختفى كتابك من الأسواق؟.. وهل تؤيد فكرة ان دولة عربية هي التي كانت وراء الاختفاء؟ 

هذا جانب آخر.. هل وزع الكتاب توزيعاً عادياً، أم لا، فهي مسألة لا يعلمها الا الله.. ولا أريد ان اتهم اي جهة. 

 

في صلب الكتاب 

#ندخل الى الكتاب ونسأل: حددتم دعائم النظام الاقتصادي في الاسلام: مفهوم التحرمة. تحريم الكنـز، التكافلية العائلية، الدين التوازن الاجتماعي، اطلاق يد المستحق في استخلاص نصيبه، والإرث الاجتماعي، وقد أعطيتم في شرح هذه الدعائم أفكاراً عديدة جديدة وجدية، والسؤال: 

اذا كان الاسلام يعطي الفقير حق أخذ الزكاة بالقوة من المكلف الممتنع عنها، فهل الزكاة هي الحق الوحيد للفقراء في مال الاغنياء، واذا كان هناك حقوق اخرى، ألا يحق له انتزاعها بالقوة أيضاً؟ 

بعض الأنظمة ناقش الزكاة وأخذها على أنها دين للمستحق على مال المكلف، بينما هي بروح النصوص القرآنية شركة بين المستحق والمكلف.. وعلى هذا الأساس فإن الاسلام أعطى الحق للفقراء بانتزاع حقوقهم من الاغنياء.. 

#هل ترى أن الدولة الحديثة يمكن ان تجبي الزكاة؟ 

#حتى ولو كانت الدولة فاسدة؟..- 

الدولة الفاسدة، يجب تغييرها.. وقد فهم المسلمون هذا، وكانت الثورة على عثمان بن عفان أول ثورة في التاريخ قبل الفرنسية والانكليزية والروسية وغيرها. 

وهي ثورة حقيقية لا خطأ فيها إلا قتل عثمان الحاكم الفاسد يجب تغييره بمجرد تجاوزه للحدود، وهذا ما قال به عمر بن الخطاب: ((اذا رأيتم مني اعوجاجاً فقوّموه)). 

 

في المقدمة 

#في المقدمة استشهدت برأي لابن حزم فيما يجب ان يكون عليه الفقيه من سعة الأفق وحسن الفهم والتناول حينما أعطى هذا الامام رأيه في قول الناس ((علي الطلاق)) بأنه لغو محض، اذا الطلاق من باب الايمان، بينما صيغة ((علي كذا)) من باب النذور، وهي لا تنعقد بالمعصية او شبهها، بل بالمقربات والطلاق مبغض الى الله، فاستعماله بصيغة النذر يبطله ويلغيه. أمام هذه المسألة نسأل: أليست الأعمال بالنيات فأيا ما كان اللفظ اذا تحققت نية الطلاق وقعت، ان ننظر الى مثل هذه المسألة من منظور مصلحة المجتمع ومدى كراهية الحق لهذا الفعل، وبالتالي نتدارى بالهدف من أجل منع وقوع هذا المكروه، أي نأخذ بالهدف الاجتماعي كلما كان ممكناً ونعرض عن النية الفردية كلما كان ذلك ممكناً؟ 

ألا ينطبق هذا على العديد من المسائل المتعلقة بحرية الفرد ونشاطه الاقتصادي؟ 

#يرفع كثير من النظم والقوى التي تعمل تحت شعارات اسلامية شعار ضرورة تطبيق الشريعة. وأهم رموز هذا التطبيق وضع الحدود دون ان نأخذ بعين الاعتبار الأسباب الموجبة او الدافعة للفعل المؤدي الى الخطأ والرأي الذي طرحتموه في الكتاب ان الحدود هي الحد الأقصى الذي لا يجوز تجاوزه، لكن ليس مجبراً القاضي على الأخذ به، فالأصل في هذه العقوبات انها ليست مقصودة بأعيانها حرفياً بل بغاياتها. فكل ما أدى مؤداها يكون بمثابة تطبيق كيف تقيمون هذا الذي يحدث؟ 

وهؤلاء الذين تقول عنهم أخذوا الأمر كما هو في النص، في المبدأ الفقهي، دون فهم روح النص وغاياته. 

وبرأيي – ان العقوبات المذكورة في القرآن هي الحد الأعلى للعقوبات، ويجب ألا توقع قبل الدخول في ((الاستتابة)) وهي محاولة تجريب حلول أخرى يقدرها القاضي قبل الأخذ بعين الحد. هذا اضافة الى ان للقاضي حق  ((التقدير)) وهو يمنحه سلطة التخفيف، والتشديد والفصل بالأمور التي لا نص فيها. 

وفي القوانين المدنية الحديثة هناك ذات الصلاحيات للقاضي، وذات التدرج في تطبيق الحد الأعلى للعقوبة او تخفيفها حسب تقدير كل حالة وهو ما نسميه بالاستتابة.