2019-02-25 14:51:52

ابو عزيزي اللبناني

< >

ابو عزيزي اللبناني

جورج زريق لم ينتحر. بل قُتل. او نُحر. او دُفع دفعاً الى اليأس الغامر. ففضل الانسحاب من هذه الحياة التي لا ترحم أحداً.

الرب – سبحانه – لم يأخذ امانته بنفسه. بل جورج هو الذي قدمها له على طبق من جبروت المدارس الخاصة، الذي لا هم له سوى جمع المال، وان أدى ذلك الى كوارث وخيمة، لا تحمد عقباها.

لقد أحرق نفسه معتقداً ان الثورة سوف تهب في اليوم التالي. وسوف يتحرك الجمهور العريض استنكاراً، وسوف يخشى المسؤولون ردات الفعل التي سوف تعرّض مصيرهم، للمجهول!

هل حصل شيء من ذلك؟ لقد ورد الخبر في نشرات الأخبار، بشكل اعتيادي. وكأنه خبر آتٍ الينا من الكونغو او من جزر الماوماو. لم يحرك شيئاً يُذكر، ولم ينسل الى مشاعر الناس، ولم يدفعهم الى القيام بأفعال، تُدين ما حدث، وتدعو الى تغيير الأوضاع الناشزة، التي لا ترضي أحداً، ولا تسر أحداً.

ردة الفعل الوحيدة هي ذلك الاعتصام المتواضع أمام أبواب وزارة التربية، وصرخات المعتصمين التي دعت الوزارة الى تغيير نهجها، ووضع حد لهذا التسيب الحاصل، ولهذا الاعتداء الغاشم على المواطنين الذين لم يحركوا ساكناً حتى الآن.

طبعاً، نحن مع المعتصمين الذين كانوا جملة معترضة، أمام السيل الجارف من اللامبالاة، والتعاطف الكلامي الذي لا يُشفي الغليل. ولا يسد رمق أي جائع. لكأن هذا الشعب قد دُجّن بالكامل. فاعتاد الاساءة اليه، وتطبع معها، وأمسى أسيراً بالكامل لها!

لكن عندما أحرق ابو عزيزي نفسه في تونس. لم يكتف الشعب بالاستنكار والاعتراض والاعتصام والتعاطف الانساني الغامر. بل تحولت جملتهم المعترضة الى ثورة شعبية أطاحت بالنظام من قمة الرأس الى أسفله. وأحدثت التغيير المطلوب.

ليس هناك مشاكل من هذا الطراز في الدول المتقدمة. فالتعليم مؤمن لجميع الناس بلا مقابل. او بمقابل مادي محدود، يراعي مستوى الدخل. وكذلك الشأن الصحي مضمون الى حد كبير. فلا يخشى المواطن على سبيل المثال الدخول الى المستشفى كيلا يدفع ما فوقه، وما تحته، او ما ادخره لمثل هذه الأيام الصعبة.

ابو عزيزي اللبناني لم يستطع ان يحول انتحاره الذي يدين كل مكونات السلطة الى لحظة تاريخية ضاغطة، تفعل فعلها في بنية النظام، بل – ويا للأسف – مرّت مروراً عابراً، حرّكت المشاعر لبعض الوقت، وانتهى الأمر كأن شيئاً لم يكن!

هل نحتاج الى عشرات او مئات من أمثال جورج، لكي نصل الى التغيير المطلوب؟ الأمر في غاية الخطورة. وعلى الرغم من ذلك لم تقم السلطة بما يخفف من وقع الأزمات، بل زادتها صعوبة، حتى بدا للقاصي والداني ان حل بعضها كالكهرباء على سبيل المثال، بات من الأشياء المعقدة جداً جداً، ان لم نقل مستحيلاً.

الوضع لم يعد يحتمل. ولا نستطيع ان نظل سائرين على المنوال نفسه، بل الأمر يتطلب المزيد من الحكمة والرصانة والجدية، ليخرج المواطن من هذا النفق المظلم، وليرى بأم العين شيئاً من تباشير الحياة.

 

لامع الحر