2019-02-08 18:34:03

وفي الشهر التاسع ولدت الحكومة:  فعلها  ماكرون ونجح حيث فشل الآخرون / بقلم: زين حمود

وفي الشهر التاسع ولدت الحكومة:  فعلها  ماكرون ونجح حيث فشل الآخرون / بقلم: زين حمود

وفي الشهر التاسع ولدت الحكومة:  فعلها  ماكرون ونجح حيث فشل الآخرون / بقلم: زين حمود

*اتصالات فرنسية مع واشنطن وموسكو وإيران ودول عربية مهدت لولادة الحكومة

*ضوء اخضر اميركي و((تنازل ايراني)) مهدا لنجاح الجهود الفرنسية بتشكيل الحكومة

*الحكومة الجديدة حكومة موظفين وتناقضات لكنها استمرار لـ((ستاتيكو الاستقرار))

*السعودية داعمة ووديعة مالية جديدة منها في مصرف لبنان

*ايران تراجعت عن الربط بين حكومتي العراق ولبنان مبدية ((حسن نية)) إزاء أوروبا في وجه واشنطن

*شكوك حول نجاح الحكومة في لجم الفساد ووقفه مع بقاء القديم على قدمه

 

وأخيراً فعلها ايمانويل ماكرون.

تدخل الرئيس الفرنسي بقوة على خط الاتصالات والمشاورات لتشكيل الحكومة فأمن ولادتها ولو بعد تسعة أشهر من التأخير والانتظار والعقد والفيتوات والشروط المتبادلة.

هذه هي باختصار قصة ولادة الحكومة العتيدة التي تشكل اليوم بشرى لبنان واللبنانيين بما تحمله هذه الولادة من دلالات تشير أولاً الى استمرار شبكة الأمان الدولية والاقليمية الحافظة للبلد ومنع إنزلاقه الى ساحة من ساحات الأزمات والحروب المحتدمة في عدد من دول المنطقة.

ورغم كل ما قيل ويقال عن الحكومة الجديدة بإعتبارها حكومة موظفين لا يملك أغلب اصحاب لقب معالي الوزير فيها  قرارهم كونهم يمثلون مثلهم مثل المجلس النيابي عدداً من الزعماء لا يتعدى عددهم أصابع اليدين, فإن التوافق ولو جاء  بتوصيفات متعددة منها المحاصصة وتقاسم مكاسب السلطة مطلوب في هذه المرحلة الحساسة والدقيقة بأقل الخسائر الممكنة في ظل ما هو سائد من تراكم للمشكلات التي كان يمكن ان يفضي الى انهيارات على اكثر من صعيد وفي غير مجال لا سيما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والمعيشي.

تدخل ماكرون وولدت الحكومة الثلاثينية من رحم كلمة سر, بدأت تتوضح ملامحها ليس فقط من خلال ما صدر من مواقف دولية ولا سيما من الولايات المتحدة وإيران وكذلك من بيان الرئيس الفرنسي نفسه الترحيبي بولادتها, بل وأيضاً من خلال ما حفلت به معلومات خاصة حول ما جرى ويشير الى دور بارز ومحوري قامت به باريس لأكثر من سبب ومعطى ومع أكثر من عاصمة معنية بالوضع في لبنان من أجل عدم الاستمرار في تأخير تشكيل الحكومة وتجاوز ما يعترض هذا التشكيل من عقبات وفيتوات عطلت هذا التشكيل على مدار الأشهر التسعة الماضية.

في المعلومات الخاصة, فإن الجهد الفرنسي تركز أولاً على إقناع واشنطن بتسهيل عملية تشكيل الحكومة وإزالة التحفظات الاميركية التي وصلت الى حد رفض إسناد حقائب وزارية وازنة لحزب الله فيها وتحديداًَ حقيبة وزارة الصحة, من أجل تسهيل ولادة الحكومة, وقد نجحت باريس في ذلك، خصوصاً وأنه من المعروف بأنها موكلة من قبل العاصمة الاميركية بمتابعة الشأن اللبناني دولياً, وقد أدى ذلك الى نجاح فرنسا في الحصول على ضوء أخضر أميركي في هذا المجال وهو ما أعطى الزخم الكافي لجهودها من أجل تكثيف الاتصالات بعدد من الأطراف الاقليمية ولا سيما ايران والسعودية من أجل اخراج المولود الحكومي من المخاض الصعب الذي كان يمر فيه.

والجهد الفرنسي شمل أيضاً روسيا التي تشير المعلومات نفسها الى انها تجاوبت ((إلى آخر مدى)) معه لأسباب تتعلق أساساً بوجودها المباشر في سورية وبسلسلة خطوات أخرى من ضمنها المبادرة الروسية من أجل اعادة النازحين السوريين الى بلادهم وهي المبادرة التي يحرص الرئيس سعد الحريري دائماً على إعلان تبنيها ودعمها.

مع ايران تتالت الاتصالات الفرنسية وشملت زيارة قام بها موفد فرنسي الى طهران واخرى قام بها موفد ايراني الى باريس, توجت بإبلاغ إدارة ماكرون بدعم جهودها لتشكيل الحكومة اللبنانية وفصل هذه العملية عما كان قائماً في السابق أي ربط الموضوع الحكومي في لبنان عن تشكيل الحكومة العراقية وإسناد حقيبة وزارة الداخلية الى ممثل الحشد الشعبي وهو الأمر الذي ترفضه واشنطن.

ومن خلال هذه الخطوة عملت طهران حسب المعلومات نفسها على إظهار حسن نياتها إزاء أوروبا عشية قمة ((وارسو)) التي تعمل واشنطن على عقدها في الثالث والرابع من الشهر الجاري في العاصمة البولندية من أجل إقامة تحالف دولي ضد ايران وزيادة الضغوط عليها وتشديد الحصار حولها, هذا اضافة الى الرفض الاوروبي لخطوة الرئيس دونالد ترامب إلغاء الاتفاق النووي مع ايران وكذلك رفض السير، وخصوصاً من قبل فرنسا والمانيا بالعقوبات الاميركية المتصاعدة ضدها.

وعلى المنوال نفسه سعت باريس مع دول عربية وزانة لا سيما مع السعودية من أجل دعم خطوتها باتجاه مساعدة اللبنانيين على تشكيل حكومة ما بعد الانتخابات النيابية او ما يسميه الرئيس ميشال عون حكومة العهد الأولى, او حكومة الرئيس سعد الحريري الثانية, علماً ان الأخير كان له دور بارز في إقناع الرئيس الفرنسي  للقيام بخطواته هذه خصوصاً وان هناك من يتحدث اليوم عن ان علاقته به هي استنساخ لعلاقة الرئيس رفيق الحريري بالرئيس السابق جاك شيراك.

ونتيجة ذلك فإن الدعم العربي وخصوصاً السعودي كان له تأثيره على هذا الصعيد, وما الاعلان عن وديعتين ماليتين كبيرتين بنحو ملياري دولار إحداهما من السعودية إلا واحدة من تعبيرات هذا الدعم الذي ستتوالى خطواته التنفيذية في أوقات قريبة.

أما اسباب وخلفيات تحرك باريس في اتجاه تأمين المناخ اللازم دولياً واقليمياً لتشكيل الحكومة فهي عديدة,لعل أهمها ما يلي:

-الخشية من انهيار شامل في لبنان لا سيما على الصعيدين المالي والاقتصادي وما يترتب على ذلك من نتائج على كل المستويات لا سيما الأمنية والعسكرية, وهو ما يحتم التحرك من أجل تشكيل الحكومة التي يمكن على الأقل الحفاظ على ما يسمى ستاتيكو الاستقرار في لبنان بالحد الأدنى وهو تحرك يندرج في سياقه حرص فاتيكاني - كاثوليكي وحرص روسي - أرثوذكسي من اجل عدم تعريض المسيحيين في المنطقة ولا سيما لبنان لخضات جديدة.كما ان سقوط الستاتيكو المشار اليه من شأنه ان يجعل اوروبا من جديد وجهة لآلاف لا بل مئات آلاف النازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين الموجودين في لبنان او الذين يمكن لهم استخدامه من أجل العبور الى القارة العجوز.

-التهديدات الاسرائيلية  ضد لبنان وحزب الله التي نقلت غير مرة الى باريس  التي كان لموقفها في مجلس الأمن مؤخراً بعد ضجة الانفاق على الحدود اللبنانية - الفلسطينية المحتلة الاثر الحاسم في منع تمرير قرار ضد لبنان. هذه التهديدات التي أخذتها باريس على محمل الجد دفعتها من أجل العمل على لجم أي تصعيد  قد يؤدي الى حرب, من خلال تشكيل حكومة تعمل على الالتزام بما أعلنه ماكرون في بيان ترحيبه بولادتها لا سيما ما ورد فيه لجهة الحث على الالتزام بسياسة النأي بالنفس وفصل ما يجري في سورية عن لبنان.

-مؤتمر ((سيدر)), وملياراته التي تصل الى 11,5, والحديث عن ان فرنسا وشركاتها سيكون لها من أصلها نحو ثمانين بالمائة من التزام وتنفيذ المشاريع التي سيتم صرفها عبر شركاتها وبين تلك المشاريع توسيع وإعادة تأهيل مطار بيروت الدولي بكلفة 450 مليون دولار. وطبعاً يمكن الحديث في هذا المجال عن مصلحة لفرنسا في وضع ما تقرر في مؤتمر ((سيدر)) على قطار التنفيذ ولكن من زاوية لبنانية ثمة مصلحة مباشرة وغير مباشرة في هذا المجال، خصوصاً وانه سيضخ في الأسواق المالية والاقتصادية سيولة كفيلة بمواجهة حالة الركود والشلل السابقة ولو الى حين, ووسط الاعتراضات من قبل بعض الأصوات التي تعتبر ان مؤتمر ((سيدر)) ما هو لا مجرد بدعة اخرى لن يكون من نتائجها سوى زيادة الدين العام على لبنان والذي تجاوز المئة مليار دولار.

في المحصلة, ثمة الكثير مما يمكن ان يقال عن الحكومة الجديدة سلباً وإيجاباً في الوقت نفسه.

فهي حكومة موظفين كما ورد آنفاً وهي حكومة تناقضات ومحاصصات ولا تضيف شيئاً كونها أبقت القديم على قدمه بالنسبة لمعادلات السلطة, وقد تكون عاجزة وفق أغلب التوقعات عن التضامن او اتخاذ مواقف منسجمة حيال المواضيع والملفات الخلافية الكثيرة المطروحة وعلى رأسها الأزمة في سورية ودول أخرى والخلافات العربية مع ايران.. الخ. والأهم من كل ذلك ان الحكومة بوجوهها الجديدة هي استنساخ لحكومات سابقة لم تستطع وضع لبنة واحدة في صرح العمل من أجل الحد من الفساد او وقفه ان لم نقل استئصاله وهو امر يطرح كما كان يطرح تساؤلات حول الخلل البنيوي في النظام اللبناني ككل.

إلا انها حكومة تضمن رغم كل ما فيها من علل وأمراض ان تؤمن الخروج من الفراغ على مستوى  السلطة التنفيذية لتعيد الانتظام الى عمل المؤسسات  العامة وادارة الدولة, ولتؤمن وجود مرجعية تضمن إمكانية اتخاذ القرار عندما يكون هناك حاجة لإتخاذ هذا القرار, والأهم من كل ذلك انها عنوان لإستمرار ((ستاتيكو)) الاستقرار في حده الأدنى في لبنان.

وهي بهذا المعنى ترجمة لمعادلة اللاانفجار وفي وجه معادلة اللاحل, في ظل تعذر الوصول الى تسوية دائمة وثابتة في لبنان طالما الصراعات محتدمة في عدد من دول المنطقة ولا سيما في الدولة المجاورة سورية.

أضف الى ذلك انها تعكس استمرار الحرص الدولي والاقليمي على استمرار لبنان كمساحة هادئة ومشتركة بين كل المتصارعين على ساحات المنطقة وميادين الازمات الناشبة في دولها.

زين حمود