2019-02-08 18:22:23

هل تتكرر مقولة: من لا يملك أعطى من لا يستحق؟! هندسة ديموغرافية تركية في شمالي سورية على الطريقة الايرانية / بقلم: محمد خليفة

هل تتكرر مقولة: من لا يملك أعطى من لا يستحق؟! هندسة ديموغرافية تركية في شمالي سورية على الطريقة الايرانية / بقلم: محمد خليفة

هل تتكرر مقولة: من لا يملك أعطى من لا يستحق؟! هندسة ديموغرافية تركية في شمالي سورية على الطريقة الايرانية / بقلم: محمد خليفة

*قريباً: قوات اوروبية وعربية وأميركية رمزية الى شمال سورية

*العاهل الأردني حمل رسالة عربية لأردوغان, فكيف يرد؟

*تركيا ترقص على كل الحبال بقوة وبراعة, وتنتزع تنازلات جوهرية من الروس والأميركيين

*أنقرا تخطط لوجود بعيد المدى في شمال سورية على غرار وجودها في شمال قبرص وتقوم بتجنيس السوريين وبناء ادارة سياسية  

*العاهل الاردني حمل رسالة عربية من مجموعة الدول الست الى الرئيس أردوغان لطمأنته, وتطالبه بعدم الاعتراض على نشر قوات عربية في شمال سورية

*((المنطقة الآمنة)) هبة أميركية لتركيا, ولكنها لن تكون ملعباً خاصاً بها. بل ستشاركها قوات رمزية اميركية واوروبية.. وعربية

 

 

بقلم: محمد خليفة

  منذ عدة شهور والرئيس التركي لا يفوت مناسبة دون أن يتحدث عن عملية شرق الفرات تارة, أو عن المنطقة الآمنة في الشمال السوري. ويتبعه في الحديث بقية الفريق الحكومي, وخصوصاً وزير الخارجية, ورئيس الأركان, ويترافق الحديث مع تحركات عسكرية على مستويات عديدة على الارض: حشود على الحدود, دوريات في منبج, وقصف مدفعي على مواقع لقوات قسد في ريف حلب الشمالي, وغارات جوية على بعض أهداف عائدة لمقاتلين أكراد في سورية والعراق.

كما تترافق هذه التطورات مع مفاوضات ديبلوماسية مكثفة تتنقل بين انقرا وواشنطن, وموسكو, وباريس, ولندن, وعواصم أخرى, واصبحت عقدة كبرى في علاقات تركيا التاريخية مع الولايات المتحدة واوروبا, ومادة للمساومات مع روسيا, تشبه كفة ميزان مقابلة لكفة التعاون الروسي -التركي في ادلب. والجديد في هذه التحولات أن ((العرب)) دخلوا أخيراً في حركة التنافس على الامساك بالأرض في شمال سورية دفاعاً عنها.

ويلاحظ على إجمالي التحركات والتطورات والمساومات الجارية منذ شهور أن أنقرا قد أجادت حتى الآن لعبة الرقص على الحبال كافة للوصول إلى أهدافها, و فرض أجندتها, وكسب تنازلات جوهرية من أطراف أقوى وأكبر منها. فكما نجحت في انتزاع (اتفاق ادلب) من روسيا, في ايلول/سبتمبر الماضي, نجحت أخيراً في انتزاع اعتراف أميركي بحقها في إقامة ما أسمته الدولتان ((المنطقة الآمنة لحماية الأمن القومي التركي)) في شمال شرق سورية, وكل  المناطق التي ستنسحب منها القوات الأميركية.

وكما سبق أن أصبحت شريكاً لروسيا في ادلب وما زالت, تسعى الآن لتكون شريكة لأميركا في شمال شرق سورية. فالمنطقة الآمنة المقترحة ستكون منطقة حظر جوي يطبقه سلاح الجو الاميركي. وكما نجحت تركيا في إبعاد الروس عن الميليشيات الكردية, نجحت أخيراً في إبعاد الأميركيين عن غرمائهم الكرد, وإضعاف تحالفاتهم مع الدول الكبرى, وإلجائهم لطلب الحماية من نظام الأسد.  

ولا يمكن حصر النجاحات التركية بما سبق, فهناك قائمة أطول, اهمها أن تعهد اردوغان للرئيس ترامب بالقضاء على ((داعش)) في سورية, يترجم حالياً بعزم تركيا على إرسال قواتها الى دير الزور لاقتلاع ((داعش)) من آخر جيوبها في ((هجين)) , بدلاً من قوات ((قسد)) الكردية التي فشلت بالمهمة, وهذا يعني عملياً أن أميركا ستسهل لتركيا تمددها الى مناطق سورية بعيدة جداً عن حدودها, وهو مكسب لم يكن متاحاً لها قبل الصفقة الأخيرة مع ترامب.

ولكن كيف استطاعت الديبلوماسية التركية تحقيق هذه النجاحات والمكاسب..؟

الجواب يكمن في أن صناع القرار في انقرا استعملوا عدة أوراق وعوامل جيوسياسية وتاريخية وسياسية:

أولاً - وظفوا وزن دولتهم وموقعها, واستثمروا رصيدها الموجب المتراكم عند الغرب منذ الحرب العالمية الثانية الى اليوم كقوة كبرى في مواجهة الاتحاد السوفياتي, وركيزة استراتيجية لحلف ((الناتو)) وأمن أوروبا. كما استثمروا من ناحية مقابلة حاجة الروس الفائقة لدورهم في تمرير أجندتهم في سورية, وسعيهم الدؤوب لدق اسفين بين تركيا والغرب.      

 ثانياً - خبرتهم التاريخية الجيدة بطرق تفكير الاوروبيين, ونقاط ضعفهم وقوتهم في علاقاتهم بتركيا والكرد وإيران والعرب. وهم الآن يوظفون هذه الخبرات في مفاوضاتهم مع الأوروبيين حول حقوق الاكراد متسلحين بتجاربهم التي استخلصوها في مفاوضات 1918 وما تلاها حول الملفات الاقليمية نفسها, وخصوصاً الملف الكردي.  

ثالثاً- أظهروا ما يمكن وصفه مزاوجة بين المرونة في الأسلوب والحركة, والتشدد في المواقف الجوهرية. أظهروا استعدادهم للتواصل والتحاور مع كل الأطراف, كما أكدوا أن انتظارهم لن يستمر الى النهاية. ويتحدثون الآن عن مهلة محددة تنتهي في نيسان/ أبريل المقبل. وافقوا على تسيير دوريات مشتركة مع الاميركيين, ولكنهم تمسكوا بأن يكون القرار على الأرض لهم. يطالبون بانسجاب 7000 مقاتل من ((قوات سورية الديموقراطية)) وسحب الأسلحة الثقيلة منها, ويقبلون بالمقابل دعوة قوات بيشماركة من كردستان العراق لتحل محل تلك القوات التتي تتهمها بالتبعية لقوات (PKK ) الارعابية التركية. يقبلون من الروس صلاحية اتفاق أضنة 1998 مع نظام دمشق, ولكنهم يقولون أنه بحاجة لتعديل, لأن الأوضاع تغيرت. لا يعارضون مبدأ التطبيع مع نظام الأسد, ولكنهم يعلقونه على استحقاقات مؤجلة لا معجلة!

ومع تضارب المعلومات والتصريحات والمواقف التي تضخها وسائل الاعلام من كافة الجهات والمصادر حول نتائج الاتصالات والمساومات بين الدول والاطراف فإن المتابع العادي بل وحتى المتخصص لم يعد يستطيع فرز الاشاعات عن الحقائق, ومعرفة أين وصلت المساومات. ولذلك فالأسئلة المهمة الآن تدور في دائرتين فقط, هما مطالب تركيا الجوهرية ومخططاتها في هذا الصدد. ومواقف الأطراف الفاعلة الأخرى من مطالبها.

المطالب التركية

تضمن الاعلان التركي عن أهداف العملية العسكرية في شرق الفرات إزدواجية واضحة منذ البداية.

 فمن ناحية أولى حدد الرئيس أردوغان: ((إن هدف تركيا من عملية شرق الفرات هو ضمان أمنها القومي وتعزيزه إلى جانب ضمان وحدة الأراضي السورية)). وقال ((سنحقق الاستقرار والسلام والأمن في منطقة شرق نهر الفرات قريباً، تماماً كما حققناها في مناطق أخرى)).

 وفي مناسبات أخرى برر القادة الأتراك عمليتهم هذه بالحرب على الارعاب ممثلاً بالميليشيات الكردية ومنع قيام كيان كردي انفصالي, أو قيام بؤر تجمع للارعابيين الاكراد يشنون منها هجماتهم على تركيا ويهربون أسلحتهم الى مقاتلي (PKK) ولم يذكروا جبهة النصرة أو ((داعش)) إلا بشكل عرضي.

أي أن اهداف العملية تتركز وتنحصر في الدفاع عن الأمن القومي التركي ضد ما يعتبره الاتراك إرعاباً كردياً.  

ولكن الرئيس أردوغان في مناسبات أخرى حدد الهدف بتأسيس ((منطقة آمنة من أجل عودة أربعة ملايين سوري لاجئين في تركيا الى بلادهم)). وقال ((لقد عاد 300 ألف سوري إلى أراضيهم التي تم تطهيرها من الإرعابيين، مثل أعزاز والباب وجرابلس وعفرين، وإن إقامة منطقة آمنة في الأراضي السورية المقابلة لحدودنا الجنوبية, سيكون كفيلاً بإرتفاع عدد العائدين إلى 4 ملايين)), أي أن الخطة تحقق مصلحة مشتركة للشعبين السوري والتركي. إذ تتخلص تركيا من عبء اللاجئين أولاً,  بينما يعود هؤلاء الى بلادهم ثانياً.

ولكن هذا القول لا يثبت أمام الواقع, لأن إعادة أربعة ملايين لاجىء سوري الى شمال سورية للعيش تحت الحماية التركية العسكرية والادارية, لا يمثل دعماً للشعب السوري ولا يحقق طموحه في الحرية واستعادة ازدهاره ووحدته. بل ربما يمثل طعناً له في ظهره, وخيانة للعهود والوعود التي طرحها القادة الاتراك منذ بداية الثورة. فاللاجئون السوريون في تركيا هم من كافة المدن السورية, والحل العادل والمنطقي إعادة كل لاجىء الى مدينته الأصلية ومسكنه, أما تجميعهم وتوطينهم في الشريط الحدودي الشمالي فليس حلاً عادلاً ولا منطقياً, بل هو مؤامرة حقيقية خطيرة.

وإذا سأل سائل لماذا؟

فالجواب هو أن العملية على هذا النحو انما تستهدف خلق واقع ديموغرافي جديد, يفرغ مدناً عربية من سكانها الأصليين كما في الغوطة والزبداني ووادي بردى, وتركها لإيران وميليشياتها يطبقون عليها وفيها ((هندستهم الديموغرافية)) أي توطين الملايين من المرتزقة الذين جلبتهم من دول عديدة, لتغيير هوية دمشق العربية ((السنية)). والوجه الآخر لهذه العملية هو تغيير تركيا للواقع الديموغرافي في الشمال وخلق حاجز بشري تحت حمايتها لتأمين حدودها في المستقبل, وإبعاد خطر الكرد عن حدودها.

ومن المؤشرات المقلقة جداً على هذا الاتجاه تجنيس مليون سوري بالجنسية التركية, من اللاجئين فيها قبل اعادتهم الى هذه المنطقة. ومنها أيضاً اقامة ادارة تركية أمنية وسياسية وتعليمية وخدمية تركية في المدن التي حررتها من سلطة الميلشيات الكردية. ومنها أيضاً أن الاتراك يريدون المنطقة الآمنة بعمق 20 – 32 كم, وقيل أكثر, وهذا عمق كبير. يعني السيطرة الفعلية على مئات وربما آلاف المدن والقرى, وبعض المحافظات الحيوية كإدلب والطبقة والرقة والقامشلي. وهذا ينطوي على شبهة السيطرة حتى لا نقول الاحتلال الدائم لأجزاء بالغة الأهمية من سورية.

ويجب أن نلاحظ أن الاتراك في الماضي كانوا يسمونها ((منطقة عازلة)) ثم عادوا الآن لتسميتها بالآمنة, والتسميتان مختلفتان من حيث المفهوم والدلالة. فالمنطقة العازلة تقام لحماية السكان من بطش وقصف قوات النظام مثلاً, كما كانت تفعل في سنوات الثورة الأولى للحد من فرارهم الى الأراضي التركية. وفشلت تركيا والدول الكبرى في الاتفاق عليها في ذلك الوقت رغم الحاجة, ورغم المناشدات المستمرة. أما المنطقة الآمنة فهي تقام أو تفرض بالقوة لحماية أراضي الدولة التي تقيمها, ومثالها المنطقة الآمنة التي أقامها العدو الاسرائيلي في جنوب لبنان بعد غزو عام 1978 واستمرت حتى عام 2000. أو كالمنطقة الآمنة التي فرضتها الامم المتحدة في البوسنة عام 1995.

ويتحدث الاميركيون اليوم عن منطقة آمنة ذات حكم ذاتي, برقابة دولية, وهذا الحديث الذي أكدته مؤسسة ((راند)) للأبحاث في الشهور الأخيرة, وإذا تذكرنا أن مشروع المنطقة الآمنة عرضه ترامب على أردوغان فإن المعنى الذي تطرحه راند هو المرشح للتطبيق على الأرض. ويبدو أن ترامب أراد أن يهب اردوغان هذه الهبة الثمينة لكسبه الى جانبه وإبعاده عن روسيا, لا سيما أن الهبة لا تكلف اميركا شيئاً, ولكنها تكلف الشعب السوري. وهذا هو سببب إصرار القيادة التركية على إقامة المنطقة الآمنة بالتفاهم مع الادارة الاميركية وبمعزل تام عن روسيا!

وفي المحصلة توحي مجمل التطورات أن الأتراك ساعون الى تكريس وجودهم وحضورهم على طول حدودهم الجنوبية مع سورية وهي مسافة تقارب الألف كم, ويتحدثون في مناسبات عديدة عن وجود يستمر سنوات غير محددة, حتى تنتهي الازمة السورية بكل جوانبها, وهي مدة قد تصل الى عشر سنوات, وكافية لخلق واقع جديد فيها ديموغرافياً وسياسياً واجتماعياً, يخدم الأطماع التركية التي تعود الى عام 1918 ولم تتقادم عندهم. ولعل صورة الوجود التركي العسكري في شمال قبرص شبيهة بما قد يحدث للشمال السوري.

وربما يتعين علينا النظر الى هذه الاحتمالات مقرونة بالاصرار التركي على منع أي تدخل عربي في سورية بعامة, وفي شمالها بخاصة, لأنه إصرار يفتقر لأي معنى آخر سوى هذا المعنى المريب! 

   مواقف الأطراف:

من الطبيعي أن تثير هذه التطورات الميدانية الخطيرة ردود أفعال قوية من بقية الأطراف. وخصوصاً روسيا التي تعتبر الوجود الاميركي غير شرعي أصلاً ومنافساً لوجودها على سورية التي صارت جزءاً حيوياً من مناطق نفوذها. وترى أن أميركا وتركيا لا تملكان حق فرض تغييرات من هذه النوع. وطالب الرئيس بوتين نظيره التركي في قمتهما الأخيرة بموسكو بتسليم المناطق التي سيجلو عنها الاميركيون لنظام الاسد, وتحدثوا عن نشر قواته على طول الحدود كحل للعقدة, أي العودة الى ما كانت عليه المنطقة قبل عام 2011. وقد دعم الروس فعلياً عودة قوات الاسد الى مشارف منبج, مع بدء انسحاب الاميركيين. وتصاعد الخلاف بين الروس والاتراك في الأسابيع الأخيرة, وبدأ الروس يضغطون على الأتراك في ادلب بتفجيرها عسكرياً والتهديد بنقض الاتفاق السابق لأن تركيا فشلت في تنفيذه وفرضه على هيئة تحرير الشام, كما تعهدت للعالم في اتفاق 17 ايلول/سبتمبر, وهددت روسيا بالعودة للخيار الحربي, لانهاء بؤرة التوتر والارعاب في ادلب.

وفي هذا السياق استخرج الروس ونظام الأسد اتفاق أضنة من الجوارير واقترحوا إحياءه والتزام تركيا به, كبديل عن المنطقة الآمنة, بيد أن الأتراك لم يقبلوه لأن مطالبهم ذهبت أبعد وأعمق كثيراً من خمسة كيلومترات يحددها لهم الاتفاق المذكور للتدخل بشكل مؤقت, ولا يسمح لهم بإقامة دائمة وإقامة نظام حكم ذاتي.

ومن هذا المنطلق حاول الروس التقريب بين النظام والكورد الذين شعروا أن الرئيس ترامب تخلى عنهم لعدوهم التركي اللدود, وحاول الأطراف الثلاثة اقامة مركز قوة ضد الخطة التركية - الاميركية, ولكنها لم تنجح. وتمسكت تركيا بحقها في تثبيت المنطقة, لا سيما وفق التفاهم مع الأميركيين  وقامت بقصف المواقع التي تتواجد فيها القوات الكردية والسورية في شمال حلب وقرب منبج. ومع أن قمة اردوغان - بوتين لم تحقق اتفاقاً, ولكنها لم تشكل نكسة حقيقية في العلاقات الروسية - التركية, لأن الروس ما زالوا بحاجة للدور التركي في بقية المناطق, فضلاً عن رهانهم المستمر على كسب تركيا, بشكل استراتيجي.

 وأمام الموقف التركي الصلب تراجعت قوات النظام, وربما هو من حرك ((داعش)) لضرب الاميركيين والاتراك في أعزاز ومنبج.

على أي حال, رغم كل احاديث ترامب عن انسحاب ((سريع)) من سورية فإنه لم ينسحب فعلياً, بل إن القوات الاميركية ما زالت في مواقعها تقدم رجلاً وتؤخر أخرى, ولم تنسحب من منبج برغم وجود اتفاق يقضي بذلك منذ شهور. ومن الواضح أن الأميركيين لن ينسحبوا نهائياً من سورية, بل سيحتفظون بقاعدة ((التنف)) في أقصى شرق جنوب سورية. ثم اضافوا لها مراكز وجود رمزية استخباراتية وحماية جوية للمنطقة الآمنة, وتعهد تركي لهم بعدم الاعتداء على حلفائهم الكرد. وانضمت الدول الاوروبية المشاركة في الحرب على ((داعش)) الى المطالبة بحماية الكرد, والاحتفاظ بقواعد صغيرة, لمراقبة الأوضاع وتهدئة مخاوف الأكراد. وطلب ترامب من الدول الاوروبية القيام بالمهمة نيابة عنه دون أن يتخلى عن مسؤولية بلاده.  وعندما هدد أردوغان بإجتياح  شرق الفرات بموافقة الأميركيين أو بدونها, هدده ترامب بحرب اقتصادية مدمرة, فتراجع فوراً, وعاد الى لغة المساومة والواقعية والحلول الوسط.

وتشير الاتصالات الجارية الآن الى أن الادارة الاميركية لن تعطي الأتراك الشمال السوري, بلا قيد ولا شرط, والأرجح أن الاميركيين سيعتمدون على وجودهم العسكري في العراق للتدخل اذا استدعت الحاجة, وسيعطون دوراً محدوداً للاوروبيين للتواجد أيضا في المناطق نفسها, داخل سورية.

وتشير مصادر تركية وعربية الى وجود اتصالات عربية مع واشنطن للسماح بوجود عسكري لبعض الدول العربية في المنطقة نفسها, شمال سورية, لأن هذا الوجود يخدم كل الأطراف ولا يشكل خطراً على الأتراك أو الكرد, بل إن هؤلاء يرحبون به. وهذا الوجود إذا حصل سيكون هدفه خلق حاجز عازل بين الأتراك والكرد, ويحقق لتركيا أمن حدودها, كما يحفظ للكرد أمنهم, ويصون هوية سورية وعروبتها من أخطار التقسيم والتتريك. وهو لا يستفز نظام الأسد, خصوصاً أن بعض دول الخليج أعادت علاقاتها الديبلوماسية في سياق هذه التطورات لطمأنة الأسد.

 وتشير المعلومات المتوفرة أن دول الخليج تتواصل مع روسيا لتسهيل هذا الحل. ويحقق لكل الأطراف شيئاً من مصالحها بشكل متوازن, ودون رجحان كفة أي منها على الأخريات. كما تفيد المعلومات الى أن القوات المرشحة للانتشار في هذه المنطقة هي القوات المصرية وبعض القوات الاماراتية. غير أن أنقرا ما زالت تعارض الفكرة بسبب توتر علاقاتها مع مصر والامارات والسعودية, واعتقادها بأن هذه الدول تدعم القوات الكردية الانفصالية ضدها.

وتؤكد المصادر التي استقينا منها هذه المعلومات أن هذه المسألة بالذات كانت موضع بحث في اجتماع عمان للدول العربية الست الأسبوع الماضي, وتوصلت الى مبادرة  تقضي بإرسال رسالة طمأنة الى الرئيس التركي, حملها له العاهل الأردني الذي قصد استانبول السبت الماضي بتكليف من المجموعة العربية, احتوت تأكيدات بأن الدول العربية لا تضمر السوء لتركيا, بل تريد حماية سورية, من التقسيم وتغيير الهوية, وتريد وضع حد للحروب والصراعات على أراضيها. ولم يصدر عن تركيا ما يوحي حتى الآن بأن أردوغان تجاوب مع الرسالة العربية.