2019-02-08 18:09:46

النظافة في الإسلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

النظافة في الإسلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

النظافة في الإسلام / بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)) سورة البقرة .

قال الطبري في ((تفسيره)): ((إن الله يحب التوابين من الذنوب، ويحب المتطهرين بالماء للصلاة)). وفيه أيضًا ((فإن الله يحب المتطهرين يعني بذلك المتطهرين من الجنابة والأحداث للصلاة والمتطهرات بالماء من الحيض والنفاس والجنابة)).

لقد أمر الإسلام ونبينا الكريم محمد صلى الله عليه وسلم بالنظافة وأكَّدها تأكيدًا بالغًا يدل على رُقيِّ دعوته المباركة التي كانت امتدادًا لدعوة كل الأنبياء والمرسلين قبله صلوات الله وسلامه عليهم، ويتجلَّى هذا بوضوحٍ كبيرٍ في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيرة أصحابه الطيبين كما لا يخفى هذا على كل مُنصفٍ، فإن الشريعة الغرَّاء التي جاء بها نبينا المعظَّم مشرقةٌ بمحاسنها بنورٍ أبهى من الشمس في رابعة النهار، ولا ضير عليها أن لا يرى نورها الأعمى، وقديمًا قيل:

ما ضرَّ شمس الضحى في الأُفق طالعةً              أن ليس يُبصرها من ليس ذا بصرِ 

إن الإسلام يأمر بالاعتناء بالنظافة والاهتمام لشأنها، وهو شاملٌ لنظافة الخُلُق والبدن والثوب، وشاملٌ كذلك لنظافة النفس بسلامة القلب من الأدواء المهلكة والبدع المردية، وذلك بالثبات على المعتقد الحق الذي بيَّنه النبي صلى الله عليه وسلم وأرشد إليه بكلامٍ فصلٍ يصح القول فيه إنه قاعدةٌ يرجع إليها طالب الحق حيث قال: ((إني قد تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلُّوا أبداً كتاب الله وسنّة نبيه)) رواه الحاكم عن ابن عبَّاس.

نظافة الخُلُق

ومن كان يؤمن بالقرآن والحديث يقف عند قول الله تعالى في سورة الشورى ((ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)) وعند قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا فكرة في الرب)) رواه الدارقُطني عن أُبيّ بن كعب. حيث دلت الآية والحديث على تنزيه الله تعالى عن المكان والجهة وعن مماثلة المخلوقين تنزيهًا صريحًا لمن كان ذا عقلٍ واعٍ، فمن طهَّر نفسه بالإيمان بالله ورسوله جديرٌ به بعد ذلك أن يترقَّى في مراتب الفضل فيُجمِّل نفسه بنظافة الأخلاق وما يتبع ذلك من تعهد البدن والثوب بما ينبغي، فأما نظافة الأخلاق فإنما تكون بالتزام مكارم الأخلاق، وحسن الخلق ثلاثة أشياء:

أولها الصبر على أذى الناس، وثانيها كفُّ الأذى عن الناس، وثالثها بذل المعروف مع من يعرفه لك ومن لا يعرفه.

ولا شك أن كل خصلة من هذه الخصال يحتاج صاحبها إلى قهر نفسه لإرغامها على التحلِّي بهذه الصفة، ويُعين على ذلك أن ينظر المؤمنُ في سيرة أشرف الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقتدي به ليكون على خيرٍ عظيم، فقد كان عليه الصلاة والسلام يبذُل المعروف مع الناس ويصبر على الأذى الذي يتعرض إليه، وقد حورب وقوتل في بدرٍ وفي أحدٍ والخندق وغيرها وأصيب وجُرح، وقتل المشركون كثيرًا من أصحابه الأطهار وكادوا له المكائد فتآمروا لقتله وأخرجوه من مكة إلى غير ذلك مما يطول ذكره وهو صلى الله عليه وسلم صابرٌ مع كل ذلك متوكلٌ على ربه واثقٌ بنصر الله حتى منَّ الله تعالى عليه بفتح مكة، فدخلها منصورًا مظفرًا والجيوش المباركة تحت رايته وأمره فقال لهم: ((ما تظنون أني فاعلٌ بكم؟ فقالوا: ((خيرًا أخٌ كريم وابن أخٍ كريم)) فقال كلمته التي ما زال التاريخ يردد صداها عبر الأجيال: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).

فصلى الله وسلم عليك يا سيدي يا رسول الله ما أعظم أخلاقك، ولو لم يصلنا من دلائل ذلك إلا قول الله تعالى:((وإنك لعلى خُلقٍ عظيم)) سورة القلم، لكفى فكيف والشواهد على ذلك كالبحر لا يُدرك الطَّرف طرَفيه.

وما أحوجنا اليوم ونحن في هذا الزمان العصيب أن نتأسى بنبينا الكريم صلى الله عليه وسلم ونوطّد أنفسنا على الالتزام بالأخلاق النظيفة.

ومن دلائل حُسن الخُلق في نفس المؤمن التواضع لمن هم دونه في الشأن والمقام، وإيثار إخوانه عليه في أمور الدنيا فيعاونهم بالمال ويقضي حاجاتهم، ويتطاوع مع أصحابه في الخير ولا يُظهر الشماتة بإخوانه عند نزول المصائب بهم، فعن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أنا زعيمٌ ببيت في رَبَض الجنة لمن ترك المِراءَ وإن كان محقاً، وببيتٍ في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، وببيتٍ في أعلى الجنة لمن حَسُنَ خُلُقه)) رواه البيهقي.

ومعنى ((زعيمٌ)) أي ضامنٌ وكافل، وإذا تكفَّل النبي صلى الله عليه وسلم بشيءٍ فالأمر كما قال بلا ريب، ورَبَضُ الجنة أول منازلها، والمِراء هو الجدال الذي ليس فيه إحقاق حقٍ ولا إبطال باطلٍ، فمن تركه ولو كان محقًا كان على خَصلةٍ من خصال الخُلق الحسن. وفي الحديث أيضًا نهيٌ عن الكذب ولو مزحًا فإنه خُلقٌ سيىءٌ. وفيه حثٌ للمؤمن على التزام مكارم الأخلاق، فإن لزم ذلك حاز الدرجة الرفيعة في الجنة العالية ونال تلك الفضيلة التي صرَّح بها النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه الترمذي عن أبي الدرداء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما شيءٌ أثقلُ في ميزان المؤمن يوم القيامة من خُلُقٍ حسنٍ وإن الله ليُبغضُ الفاحش البذيء)).

قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)): ((قال ابن عرَفة: الفواحش عند العرب القبائح)). وقال ابن منظورٍ في ((لسان العرب)): ((والبذيء الفاحش من الرجال)). وظاهر الحديث أن هذا العمل الذي هو حُسن الخُلق يُجسَّدُ فيوزن يوم القيامة فيكون ثقيلاً في ميزان الحسنات، وتجسُّدُ المعاني جائزٌ كما يؤيد ذلك حديث أبي سعيد الخُدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يُؤتى بالموت كهيئة كبشٍ أملح فينادي منادٍ يا أهل الجنة)) الحديث. رواه البخاري. والأملح ما في لونه بياضٌ وسواد.

نظافة البدن والثوب

ومن هنا فإننا ندعو إلى التحلِّي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، وجديرٌ بمن التزم نظافة الأخلاق أن يحرص أيضًا على نظافة البدن ونظافة الثوب وهذا ما أكده ديننا الحنيف تأكيدًا بالغًا، ومن أدل ما يدل على ذلك أنه قد جاءت الشريعة الغراء بإيجاب الغسل في بعض الأحوال واستحبابه في بعضها، وإيجاب الوضوء كذلك في بعض الأحوال واستحبابه في بعضها، فمن ذلك مثلاً: أنه يجب الاغتسال من خروج المني والجماع والحيض والنفاس والولادة، بل أمر الشرع كذلك بالإهتمام بنظافة المؤمن بعد الموت فيجب غسل المؤمن إذا مات إلا الشهيد.

ويسن الاغتسال للجمعة والعيدين وعند إرادة لقاء الناس وللمغمى عليه إذا أفاق وفي أحوال أخرى ذكرها الفقهاء. كما يجب الوضوء للصلاة والطواف ومس المصحف. قال تعالى: ((يا أيها الذين ءامنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلَكُم إلى الكعبين وإن كنتم جُنبًا فاطَّهَّروا)) الآية سورة المائدة. ويسن الوضوء عند النوم وعند الغضب وقبل الغسل من الجنابة وفي أحوال أخرى أيضًا ذكرها الفقهاء في تصانيفهم، وما زالت هذه الأحكام شاهدًا على رُقي الشريعة ونصاعة ما جاء به النبي محمدٌ صلى الله عليه وسلم وحث أمته عليه في زمنٍ كانت تغرق فيه أمم كثيرة في مستنقعات الجهل والوسخ وتعتقد أن تعهد البدن بالنظافة رجسٌ مبين وداءٌ يجلب الأمراض والأوبئة للجسد، فقد روى الترمذي عن سعد بن ابي وقاص أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله نظيفٌ يحب النظافة)) ومعنى ((الله نظيف)) أي منزهٌ عن كل ما لا يليق به كالتغير والتطور والانتقال وكل ما كان من صفات المخلوقين. وقوله ((يحب النظافة)) شاملٌ لنظافة الخُلق والبدن والثوب. وعند الترمذي عن سعدٍ أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((نظفوا أفنيَتَكم)) قال السيوطي في ((قوت المغتذي)): ((جمع فِنَاء وهو المتسع أمام الدار)). وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه يلبس ثوبًا نظيفًا فأثنى عليه، ففي ((السنن الكبرى)) للنسائي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى على عمر ثوبًا فقال:(( أجديدٌ هذا أم غسيل)). قال: غسيل. قال: ((البس جديدًا وعش حميدًا ومُت شهيدًا)).

بيانٌ وإيضاح

هذا وليُعلم أن تعهد البدن والثوب بالنظافة ليس من الكِبر الذي نهى الله ورسوله عنه، فعن عبد الله بن مسعودٍ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يدخل الجنة ( أي مع الأولين) من كان في قلبه مثقالُ ذرةٍ من كِبْرٍ. قال رجلٌ: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسَنًا ونعلُهُ حسَنةً. قال: إن الله جميلٌ يحب الجمال. الكِبرُ بَطَرُ الحق وغَمطُ الناس)) رواه مسلم. والمعنى أن من كان في قلبه كبر لا يدخل الجنة مع الأولين.

وقوله ((إن الله جميلٌ)) معناه الله جميل الصفات أو مُجمِلٌ أي محسنٌ، ومعنى ((يحب الجمال)) أي يحب لعباده أن يتصفوا بالصفات الحسنة ومنها النظافة التي حث عليها الشرع الشريف.

قال ابن فورك في ((مشكل الحديث وبيانه)) في شرحه على هذا الحديث: ((اعلم أن وصفنا الشيء بأنه جميل يحتمل وجهين: أحدهما أن يُراد به جمال الصورة والهيئة والتركيب وذلك بأن يستجمله الناظر إليه وذلك مستحيلٌ في وصف الله منفيٌ عنه)) وفيه أيضًا ((الوجه الثاني من الإجمال المضاف إلى الله عزَّ وجل وهو بمعنى الإحسان والفضل أي وهو المظهرُ النعمةَ والفضل)) وفي كتاب ((إحياء علوم الدين)) للغزالي: ((ولفظ الجمال قد يُستعار أيضًا لها (أي لمعاني العظمة وعلو الرتبة) فيقال إن فلانًا حسنٌ وجميل ولا تُراد به صورته وإنما يعني به أنه جميلُ الأخلاق محمود الصفات حسن السيرة حتى قد يُحَبُّ الرجلُ بهذه الصفات الباطنة استحسانًا لها)) فليعلم هذا وليحذر من التأويلات الفاسدة.

 والحمد لله أولاً وآخراً.