2019-02-01 03:19:16

روسيا تكشف أسرار اتفاق أضنة بعد 20 سنة - الأسد تنازل عن اسكندرون كما سلم الجولان بلا قيد ولا شرط/  بقلم: محمد خليفة

روسيا تكشف أسرار اتفاق أضنة بعد 20 سنة - الأسد تنازل عن اسكندرون كما سلم الجولان بلا قيد ولا شرط/  بقلم: محمد خليفة

روسيا تكشف أسرار اتفاق أضنة بعد 20 سنة - الأسد تنازل عن اسكندرون كما سلم الجولان بلا قيد ولا شرط/  بقلم: محمد خليفة

بقلم : محمد خليفة

في تسعينيات القرن الماضي درج عدد من المعلقين السياسيين والصحافيين العرب والسوريين, وحتى الأجانب على وصف حافظ الأسد بأنه الرئيس القوي الذي بلغت سورية في عهده أوج درجات ومراحل قوتها, وأصبحت بفضله لاعباً رئيسياً على ساحة الشرق الأوسط. وكان يقال إن الأسد نقل صراع الآخرين على سورية من داخلها الى خارجها.

 أما السوريون الذين يعرفون حقيقة أوضاع بلادهم, ولم ينطلِ عليهم سحر البروباغندا الاعلامية السابقة, كانوا يعلمون أن ((سورية الأسد)) قلعة من فخار, متهاوية من داخلها وخارجها, وأن الدليل الوحيد لقوتها المزعومة هو سيطرتها على الشقيق الأصغر لبنان الذي احتله الأسد, وعاث فيه فساداً وطغياناً ثلاثين سنة. وكذلك انتصاراته المتتالية على ((مؤامرات إسقاطه)).

وقد تكفل الزمن بكشف تلك المقولة الزائفة, فجيش الأسد العقائدي لم ينتصر في أي حرب مع أي عدو خارجي, بل فرّ أمام العدو الإسرائيلي عام 1967 وسلمه الجولان, ليحمي نظام الحكم في دمشق. وهو انهار عام 1982 بطريقة فاضحة  أمام الاجتياح الاسرائيلي, بينما صمدت قوات المقاومة الفلسطينية, والحركة الوطنية اللبنانية شهوراً عديدة في وجه الجيش الإسرائيلي الجرار وأفشلت محاولته دخول بيروت مائة يوم.

ومع أن التطورات الميدانية بعد ثورة الشعب السوري عام 2011 فضحت تماماً طبيعة الدولة والنظام المتوحشين اللذين أقامهما الأسد الأب والأسد الابن طوال أربعين سنة, وأسقطت أسطورة وخرافة القلعة الأسدية الى الأبد, فإن الزمن ما زال يفاجئنا بمسلسل من البراهين الموثقة الدالة لا على هشاشة ((سورية الأسد)) وحسب, بل وتفريط قيادتها العليا بأراضيها وسيادتها وثوابتها الوطنية, وأن حافظ الأسد الذي تفاخر أتباعه بعدم تفريطه بمتر واحد من أراضي سورية المحتلة, حين عرض عليه الرئيس بيل كلينتون ورئيس وزراء العدو ايهود باراك عام 2000 إعادة  97 % من الجولان المحتل مقابل اتفاقية سلام على شاكلة اتفاقية كامب ديفيد مع مصر ووادي عربة مع الاردن.

حافظ الاسد المتهم بتسليم الجولان لإسرائيل بلا حرب عام 1967، هو نفسه الذي يتبجح أتباعه برفضه السلام مع العدو عام 2000 مقابل التخلي عن بضعة كيلومترات فقط من أراضي الجولان قرب طبرية! فأي وطنية في إضاعة تلك الفرصة السانحة النادرة..؟! ألا تعد دليلاً على فقدان الحكمة والواقعية..؟        

في الإسبوع الماضي تكفل الزمن بتقديم برهان آخر على هشاشة سورية الأسد وضعفها أمام ضغوط الخارج أولاً, وزيف صورة الأسد كرئيس متمسك بحقوق بلاده وشعبه.

 برهان جديد يؤكد استعداداً دائماً لآل الأسد للخصم من أراضي الوطن وسيادة الدولة, مقابل كرسي السلطة, حتى أضحى سلوكهم هذا نمطياً منذ عام 1967 وإلى الآن, وعلامة فارقة لنظامهم عبر نصف قرن, تأكيداً للقاعدة المأثورة: من يفرط مرة يسهل عليه التفريط مرتين!

الاسبوع الماضي بعد قمة بوتين - أردوغان الجديدة 23 كانون الثاني /يناير الجاري كشف الاعلام الأجنبي الصديق لآل الأسد, وخصوصاً الروسي والتركي النص الكامل ((لاتفاقية أضنة)) لعام 1998 التي بقيت منذ عشرين عاماً سراً من أسرار حقبة الأسد الأب ولم يطلع الشعب السوري على بنودها ونصوصها الرسمية, لأنها لم تنشر, إلا أنهم تلمسوا نتائجها واقعياً من خلال بعض الاجراءات التي تمثلت بتنازلات وطنية واستراتيجية فادحة قدمها الأسد للأتراك تعد خيانة حقيقية, وفضيحة كبرى لشمشون سورية الراحل!

ولكي ندرك جناية الأسد الأب, ينبغي علينا استعادة شريط الاحداث التي سبقت اتفاقية أضنة 1998.

لقد استعمل النظام السوري الورقة الكردية للضغط على أنقرا, وفتح أراضيه وأراضي لبنان لمقاتلي (PKK) للتدريب والتسليح وشن عملياتهم ضد تركيا, وعندما تصاعدت العمليات الارعابية حذرت انقرا نظام الاسد مراراً ولكن هذا بعبقريته المشهودة لم يعبأ, إلى أن قررت تركيا اجتياح سورية لتلقين الأسد درساً لا ينساه, وحشدت جيشها وأسلحتها على الحدود, وقيل أن قادتها ((رئيس الجمهورية سليمان ديميريل, ورئيس الحكومة مسعود يلماظ)) هددوا جدياً بدفع عسكرهم الى دمشق, وذكرت مصادر سورية محلية أن القوات التركية دخلت فعلاً التراب السوري للمرة الاولى منذ عام 1917 تأكيداً لتهديدات القيادة, وهنا ظهر ((شمشون)) عارياً كما ظهر في 67 و82, فخلع فروة الأسد واحتفظ بإسمه الذي سمته به أمه ((حافظ)) على الكرسي بأي ثمن, ولو كان أرض الوطن, خصوصاً وأن الله قد حبا سورية بمساحة كبيرة, تقبل الخصم!.

 استنجد حافظ بكبار المنطقة, المصريين والايرانيين, لينقذوه من ورطته مع الأتراك, فوافق هؤلاء على إبعاد قواتهم عن الحدود, واستجابوا للوسيط المصري, ولكن مقابل ثمن غير زهيد, كما سنرى.

اجتمع ضابطا أمن كبيران من الدولتين في مدينة أضنة , وغاب رجال الديبلوماسية والسياسة . في مدينة أضنة أو أدنة. استغرقت المفاوضات يومين 19 / و20 تشرين الأول / اكتوبر 1998. وفي  النهاية وقع السوريون نصاً جاهزاً سبق للاتراك اعداده في نسختين تركية وعربية, لاتفاقية جاهزة. ثم عاد الضابطان الى عاصمتيهما. وأمر حافظ بإبقاء الاتفاق سراً , ومنع نشره, أو الإشارة اليه, كما أمر بالحرص المشدد على تنفيذه بحذافيره, لكي لا يعطي الاتراك ذريعة الهجوم على عرينه! 

جدير بالذكر أن الأتراك أرسلوا للوسيط المصري اثناء الاتصالات مطالبهم من دمشق, ونص الاتفاقية الذي يقترحونه, كشرط لتجميد خطة هجومهم المقرر قبل اجتماع المفاوضين, وأرسل الرئيسان مبارك وخاتمي النص الى حافظ الاسد, فاطلع عليه وإبتلع ما فيه من شروط مهينة, وأمر رجاله بالتوقيع عليه. ومن يوم 20 1998 أصبح نافذاً بين الدولتين.

 اتفاقية أضنة هي في الحقيقة اتفاقية إذعان مذلة, تمنح الاتراك نصراً بلا حرب. وتتضمن تنازلات غالية جداً من أرض الوطن, وتسفح كرامة الوطن والشعب.. وكل محور الممانعة!.

ماذا في الاتفاقية..؟

جاء في المحضر الذي نشر للمرة الأولى الأسبوع الماضي:

((في ضوء الرسائل المتبادلة بإسم سورية بواسطة رئيس جمهورية مصر العربية حسني مبارك، ووزير خارجية إيران كمال خرازي ممثلاً الرئيس محمد خاتمي، التقى المبعوثان التركي والسوري، المذكوران في ((الملحق رقم 1))، في أضنة في 19 و 20 تشرين الأول / أكتوبر من عام 1998 لمناقشة مسألة ((التعاون في مكافحة الإرعاب)).

خلال اللقاء كرر الجانب التركي مطالبه التي عرضت على الرئيس المصري ((الملحق رقم 2))، لإنهاء التوتر الحالي في العلاقة بين الطرفين. وعلاوة على ذلك نبه الجانب التركي الجانب السوري إلى الرد الذي ورد من سورية عبر مصر، والذي ينطوي على الالتزامات التالية:

1-اعتباراً من الآن، عبد الله أوجلان لن يظل في سورية, وبالتأكيد لن يسمح له بدخولها.

2-لن يسمح لعناصر تنظيم ((PKK)) الإرعابي في الخارج بدخول سورية.

3-اعتباراً من الآن تغلق معسكرات ((PKK)) في سورية, وبالتأكيد لن يسمح لها أن تصبح ناشطة.

4-العديد من أعضاء ((PKK)) جرى اعتقالهم في سورية وإحالتهم إلى القضاء. وقد قدمت سورية لوائح بأسمائهم للجانب التركي.

أكد الجانب السوري التزامه بالنقاط المذكورة. وعلاوة عليه اتفق الطرفان على النقاط التالية:

1- إن سورية، وعلى أساس مبدأ المعاملة بالمثل، لن تسمح بأي نشاط ينطلق من أراضيها للإضرار بأمن واستقرار تركيا. ولن تسمح بتوريد الأسلحة والمواد اللوجستية والدعم المالي والدعائي لأنشطة ((PKK)) على أراضيها.

2- لقد صنفت سورية ((PKK)) تنظيماً إرعابياً. وحظرت أنشطته وأنشطة المنظمات التابعة له على أراضيها ، إلى جانب تنظيمات إرهابية أخرى.

3ـ لن تسمح سورية لتنظيم  ( PKK) بإنشاء مخيمات , أو مرافق أخرى لغايات التدريب والمأوى, أو ممارسة أنشطة تجارية على أراضيها.

4- لن تسمح سورية لأعضاء التنظيم باستخدام أراضيها للعبور إلى دول ثالثة.

5- ستتخذ سورية الإجراءات اللازمة كافة لمنع قادة ((PKK)) الإرعابي من دخول الأراضي السورية، وستوجه سلطاتها على النقاط الحدودية بتنفيذ هذه الإجراءات.

اتفق الجانبان على وضع آليات محددة لتنفيذ الإجراءات المشار إليها أعلاه بفاعلية وشفافية.

وفي هذا السياق:

أ -سيتم إقامة وتشغيل خط اتصال هاتفي ساخن وسريع بين السلطات الأمنية العليا للبلدين.

ب -سيقوم الطرفان بتعيين ممثلين ((أمنيين)) في بعثتيهما الدبلوماسيتين ((في أنقرة ودمشق))، ويتم تقديمهما إلى سلطات البلد المضيف من قبل رؤوساء البعثة.

ج -في سياق مكافحة الإرعاب، طلب الجانب التركي إنشاء نظام من شأنه تمكين المراقبة الأمنية على الحدود وتحسين إجراءاتها وفاعليتها.

د -اتفق الجانبان، التركي والسوري، ويتوقف ذلك على الحصول على موافقة لبنان، على تولي قضية مكافحة ((بي كي كي)) في إطار ثلاثي.

هـ- يلزم الجانب السوري نفسه بإتخاذ الإجراءات اللازمة لتنفيذ النقاط المذكورة في ((محضر الاجتماع)) هذا وتحقيق نتائج ملموسة.

وضم الملحق الثاني من الاتفاقية، بنود المطالب التركية التي وافقت عليها سورية في الملحق الأول.

أما الملحق الثالث، فنص على ((اعتباراً من الآن، يعتبر الطرفان أن الخلافات الحدودية بينهما منتهية، وأن أياً منهما ليس له أية مطالب أو حقوق مستحقة في أراضي الطرف الآخر)).

كما نص الملحق الرابع على أن ((يفهم الجانب السوري أن إخفاقه في اتخاذ التدابير والواجبات الأمنية، المنصوص عليها في الاتفاق، يعطي تركيا الحق بإتخاذ جميع الإجراءات الأمنية اللازمة داخل الأراضي السورية حتى عمق 5 كم)).

من الجولان الى اسكندرونة:

بعد إبرام هذه الاتفاقية المخزية سراً بقي الشعب السوري بعيداً عن هذه الصفقة, وكأنه شأن لا يعنيهم أبداً, ولا يعني حتى ممثليهم في مجلس الشعب ((يسميه السوريون مجلس الكذب أو مجلس الدواب!)), ولا يعني سوى حافظ الأسد وحده! فهو المالك الوحيد للأرض والمتصرف الحر بها تطبيقاًَ لعقد ملكية وراثية ((سورية الأسد)).

إلا أن السوريين لاحظوا منذ عام 1998 أن الخرائط الرسمية لبلادهم, وكتب التاريخ المدرسية أصبحت تنشر خرائط سورية مقطوعة الرأس المتمثل في لواء وخليج اسكندرون, وصارت تطبع كما هي الآن, وخلت كتب التعليم المدرسية من أي إشارة , مكتوبة أو رسم, الى ((اللواء السليب)), أي إقليم اسكندرون الذي استولت عليه تركيا عام 1939 بتواطؤ الاحتلال الفرنسي, وما زال سكانه  ((العلويون)) حتى اللحظة متمسكين بهويتهم السورية ولغتهم العربية بعد ثمانين سنة. ومن يزور أنطاكية اليوم سيجد أن سكانها جميعاً يتحدثون العربية في كل مكان.

لقد عرف السوريون الأسبوع الماضي, وللمرة الأولى, أن حافظ الأسد تنازل قانونياًَ ورسمياً عن اللواء معترفاًَ بسيادة تركيا عليه منذ 1998، وهي خطوة لم يقدم عليها أي رئيس سوري قبله منذ عام 1945، بل ولم يتلفظ بها أي سياسي أو مفكر أو حتى راعي غنم.

وتذكر السوريون أيضاً أن الرئيس الذي سلم الجولان لإسرائيل, هو نفسه الذي تنازل عن اسكندرونة بينما كان سكانه العلويون أبناء طائفته ينتظرون منه تحريرهم لا التخلي عنهم. وأن ابنه بشار هو من سلم سورية من شمالها الى جنوبها, ومن شرقها الى غربها الى روسيا وإيران!                                                             

وتجدر الإشارة أيضاًَ الى أنه بعد تذكير الرئيس الروسي بالاتفاقية عارضاً على أردوغان تطبيقها في شمال سورية بدلاً من ((المنطقة الآمنة)) التي تعارضها روسيا, صدر موقف مثير للشفقة من نظام الأسد, إذ أعلن تمسكه بها, بدل أن يعلن انسحابه منها مستنداً الى أن الطرف التركي خرقها منذ عام 2011, ولم يلتزم بها, ودخلت قواته الى أعماق سورية, واحتلت قواته مدناً سورية كاملة. وفسر المراقبون تجديد تمسك الأسد الإبن بها رغم كل ما حصل دليلاً على ضعفه وعجزه, لأن السيادة السورية وعلاقاتها الخارجية انتقلت من دمشق الى الكرملين, يتصرف الرئيس بوتين بها كما يريد. وهو قدمها لإردوغان, ولا يحق للأسد اتخاذ موقف رافض أو مناقض.       

لقد انكشفت الحقيقة المرة أخيراً, بعد عشرين عاماً , ولكن ثمة أسئلة كثيرة لم تتكشف الإجابات عنها بسرعة, وربما لا تتكشف قريباً:

- لماذا ورط حافظ الاسد بلاده ونفسه في مغامرة خطرة وطائشة, مع دولة مجاورة وقوية, بينه وبينها ملفات شائكة ومعقدة, وعداوات مضمرة ومعلنة, ومشاكل وخلافات كثيرة, ولا حاجة للمزيد منها إذا كان صانع قرار عاقلاً؟

- وما هي دلالات هذا التورط غير المحسوب بالنسبة لرجل طالما وصفه أنصاره بالحكمة وبعد النظر والحرص على الوطن؟

- هل كانت سورية بحاجة لأن تدعم حزباً كردياً تركياً إرعابياً الى الحد الذي يجعلها تخاطر بحرب شاملة مع تركيا وتعرض أمن وسلامة البلاد لخطر بهذا الحجم؟

 - ألا تدل هذه المغامرة, أو المقامرة على حماقة حافظ الأسد وقصر نظره, وسوء ادارته وسياسته كقائد, وأنه كان يتخذ القرارات الكبرى بمفرده, وبدون تشاور مع أركان الدولة والحكم..؟؟!

- ترى ما هي مشاعر وردود فعل عرب لواء اسكندرون وانطاكية بعد افتضاح الاتفاقية ونشرها - وأكثريتهم الساحقة علويون - تجاه حافظ الأسد, وهو الزعيم الذي إعتبروه مثلهم الأعلى, وملاذهم الأخير لدعم نزوعهم الاستقلالي للعودة الى حضن وطنهم , وسبق أن ارسلوا مئات المتطوعين من شبابهم للقتال دفاعاً عن نظام الأسد العلوي في دمشق عام 1980, ثم عام 2011..؟

لا شك أن هؤلاء العلويين العرب تجرعوا في الأيام الماضية سم الحقيقية بدرجة أعلى وأمر من بقية السوريين, وتهشمت صورة الأسد المنقذ والمخلص, فقد سقط بالنسبة لهم المثل وسقط الأمل بالعودة قريباً الى ((سورية الأسد))!.