2019-02-01 03:03:49

حقيقة معنى العبادة / بقلم الشيخ أسامة السيد

حقيقة معنى العبادة / بقلم الشيخ أسامة السيد

حقيقة معنى العبادة / بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى. 

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((قل الله أعبد مُخلصًا له ديني)) سورة الزُمر.

لقد خلق الله تعالى الإنس والجن وغيرهم من الكائنات لحكمة عظيمة يعلمها عزَّ وجل، فليس خلقُه للثقلين الإنس والجن عبثًا ولا إبداعُه للسموات والأرض وما بينهما لعبًا خلافًا للكفار الذين زعموا أن خلق ذلك كان لهوًا وذلك لأنهم أنكروا البعث والحشر والثواب والعقاب فاعتقدوا أن الدنيا هي غاية الأمر وأنه لا حساب بعد الموت، قال الله تعالى: ((وما خلقنا السمآء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظنّ الذين كفروا فويلٌ للذين كفروا من النار)) سورة ص. فربنا تعالى لم يخلق السماء والأرض وما بينهما عبثًا بل خلقهما ليُعمل فيهما بطاعته، ولكن الذين كفروا ظنوا أن خلق ذلك كان باطلاً ولعبًا لأنهم لم يؤمنوا بالله ولم يعرفوا عظمته.

إذًا فقد خلقَنا اللهُ تعالى لنعبده ونخضع له كما يشهد لذلك قولُه تعالى في سورة الذاريات: ((وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون)) قال أبو المظفر السمعاني في ((تفسيره)): ((أي لآمرهم بالعبادة)).

وقد كلّفنا اللهُ بأشياء فلا بد من مراعاة ما كلّفنا الله به من وجوب طاعته وامتثال أمره والانقياد لحُكمه والتزام شرعه الذي أوحى به إلى نبيه محمدٍ صلى الله عليه وسلم فبلَّغه للأمة، وحيث إن كثيرًا من الناس اليوم يجهلون معنى العبادة ويحملونها على خلاف معناها الأصلي فقد رأيت أن أتكلم في هذا المقال عن العبادة وشرح معناها الحقيقي فأقول وبالله التوفيق:

  تعريف العبادة

اعلم أن التعظيم درجات وأقصى درجاتِ التعظيمِ العبادةُ وهي نهايةُ التذلل، قال السبكي في ((الفتاوى)): ((والعبادة أقصى غاية الخضوع والتذلل)). وفي ((تاج العروس)) للزبيدي نقلاً عن الليث قال: ((وقوله إيَّاك نعبد وإيَّاك نستعين أي نطيع الطاعةَ التي يُخضع معها. قال ابن الأثير ومعنى العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع)). وقال مثلَ ذلك ابنُ منظور في ((لسان العرب)) والجوهريُّ في ((الصحاح)) نقلاً عن الفَرَّاء أحد أكابر اللغويين وغيرهم.

وبهذا يُعلم أن العبادة ليست مجرد الطاعة لمخلوقٍ في أي شيءٍ ولو كانت العبادةُ مطلقَ الطاعة لكان العمَّال الذين يطيعون أسيادهم الجائرين فيما يأمرونهم به من المعاصي كفارًا، ويعلم بهذا أيضًا أن العبادة ليست مجرد النداء أو الاستعانة أو الخوف أو الرجاء، وليس مجردُ نداء الميت أو الغائب عبادةً لغير الله، ومن زعم ذلك فقد أخرج لفظة العبادة عن معناها الذي قرره علماء اللغة، وأي تأويل لنصوص الشريعة على خلاف ما تقتضيه العربية باطل بدلالة قول الله تعالى في سورة يوسف: ((إنَّآ أنزلناه قرءانًا عربيًا لعلكم تعقلون)) وقوله عزَّ وجل في سورة إبراهيم: ((ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم)). قال الطبري في ((تفسيره)): ((إلا بلسان الأمة التي أرسلناه إليها ولغتهم ليبين لهم أي ليُفهمهم ما أرسله الله به إليهم من أمره ونهيه)).

فمن حمل كلمة العبادة على غير المعنى الذي بيَّنه أئمة اللغة الذين هم الواسطة بيننا وبين العرب الذين كانوا يتكلمون العربية الفصيحة قبل طروء اللحن على ألسنة الناس فقد ابتدع في الدين وفي اللغة بدعةً تؤدي إلى اتهام الناس بالضلال بغير حق.

مجرد النداء ليس عبادة

 ولقد راح البعض للأسف يحكمون بالشرك على المتوسلين بالأنبياء والصالحين بدعوى أن ذلك عبادة لغير الله، ومن هؤلاء المنحرفين من اشترط لعدم الوقوع في الشرك أن يكون النداء خاصًا بالحي الحاضر فيما يقدر عليه فإن انخرمت هذه القيود كان النداء كفرًا بزعمهم، وهذا القول ناشىء عن جهل فظيع. وليت شعري كيف ساغ لبعضهم اشتراط هذا تقليدًا لإبن تيمية وقد روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما بال رجال يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرطٍ ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط)).

والعجب من ابن تيمية نفسه حيث ثبت عنه أمران متناقضان أحدهما تحريم الاستعانة بغير الحي الحاضر كما صرَّح بذلك في كتابيه ((التوسل والوسيلة)) و((الرد على المنطقيين)) والأمر الآخر استحسانه أن يقول من أصابه خدر في رجله ((يا محمد)) حيث روى في كتابه المسمى ((الكلم الطيب)) عن الهيثم بن حنش قال: ((كنا عند عبد الله بن عمر فخدرت رجله فقال له رجل: اذكر أحبَّ الناس إليك. فقال: يا محمد. فكأنما نَشِط من عقال)) والعقال الحبل الذي يُشد به البعير. قال الفيومي في ((المصباح المنير)): ((وأنشطت البعير من عِقاله أطلقته)) وهذا تشبيه أي كأن رجله كانت مشدودة مربوطة وانحلت حين قال يا محمد، أي شُفي مما كان أصابه من خدر رجله. 

فإن قيل: ابن تيمية رواه من طريق فيه من اختُلف في توثيقه فالحديث ضعيف، قلنا: مجرد إيراده للحديث في هذا الكتاب دليل على أنه استحسنه لأنه أدرجه تحت ما أسماه ((الكلم الطيب)) وهذا يُفيد أن ابن تيمية يرى فعل الصحابي الجليل عبد الله بن عمر جيدًا، ثم إن الذي يورد الباطل في كتابه ولا يُحذّر منه فهو داع إليه في الحقيقة وبهذا تسقط كل تمويهات الوهابية ومحاولاتهم الحثيثة في الدفاع عن شيخهم ابن تيمية.

ليس كل تذلل عبادة

ومما يُناسب قوله في هذا المقام ما يلي: ليس مجردُ السجودِ عبادةً ولا يوصف مجردُ السجود بأنه أقصى غاية التذلل بدليل ما رواه ابن حبان عن ابن أبي أوفى قال: ((لما قدم معاذ بن جبل من الشام سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ قال: يا رسول الله قدمتُ الشام فرأيتُهم يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم فأردت أن أفعل ذلك بك. قال: فلا تفعل فإني لو أمرتُ شيئًا أن يسجد لشيءٍ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها)) أي سجود تحية، وأراد معاذ بقوله هذا وصفَ ما كانت عليه الروم فإن بلاد الشام في ذلك الزمن كانت في حكم الروم وكان الروم يسجدون لبطارقتهم بقصد التحية والتعظيم والبطريق في الروم مثل القائد في العرب، فحين قدم معاذ بعد ذلك سجد لرسول الله صلى الله عليه وسلم بقصد التحية لا بقصد العبادة، إذ السجود لإنسانٍ بنيّة العبادة شركٌ بلا شك، وحيث لم يُكفِّر النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا مع كونه قد سجد له، والسجود أبلغُ في التذلل من النداء، فبأي وجه يُكفِّر بعضُهم المؤمنَ بمجرد نداء نبي أو ولي سواءً كان حيًا أو ميتًا؟!!! وإذا ما قيل: قد أفهم قوله تعالى ((إيّاك نعبد وإيّاك نستعين)) النهي عن الاستعانة بغير الله كما أفاد النهي عن عبادة غير الله، قلنا: قوله عزّ وجل ((وإياك نستعين)) المراد به الاستعانة الخاصة أي أننا نطلب من الله وحده أن يخلق فينا العونَ والقدرةَ على فعل الأشياء وهذا لا نطلبه من غير الله تعالى فإنه لا خالق سوى الله ولا يُبرز من العدم إلى الوجود إلا الله، ولا يدخل تحت هذا المعنى التوسلُ والاستعانةُ والاستغاثة، ولا ما يعاون العباد بعضهم بعضاً به بدليل قوله تعالى إخباراً عن ذي القرنين وكان رجلاً صالحاً، وقيل بنبوته، لمن استعان به على بناء السدّ ((فأعينوني بقوة)) الآية سورة الكهف.

حيث دلّ هذا على جواز الاستعانة بالمخلوق ويشهد لجواز ذلك أيضاً حديثُ أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)) رواه الترمذي. فأعجب بعد ذلك للوهابية كيف يكفّرون المسلمين سلفًا وخلفًا إذا توسلوا واستعانوا بالصالحين ولا يكفّرون شيخَهم ابن تيمية وقد سمى الملائكة أعوان الله حيث قال: ((إنه سبحانه يفعل ذلك بجنوده وأعوانه من الملائكة)) كما في الكتاب المسمّى ((مجموع الفتاوى)).

وزيادة على كل ما مرَّ أقول: لو كان نداء المخلوق بعد وفاته شركًا لكفر كلّ من يصلي لأن المصلي يقول في التشهد الأخير: السلام عليك أيها النبي، وهذا نداء أي فكأنه قال يا أيها النبي وهو استثناء لأن نداء غير الله في الصلاة يُبطل الصلاة، أما هذا النداء في صيغة التشهد فهو استثناء لوروده في الشرع. فإن قيل: هذا النداء جائز في الصلاة فقط لوروده في الشرع، قلنا: ما كان في الصلاة عبادة لا يكون خارج الصلاة حراماً ولا شركاً.

وصحّح الإمام مالك في ((الموطأ)) التشهد بلفظ أيّها النبي عن عمر بن الخطّاب وأنّ عمر كان يعلّمه الناسَ على المنبر بهذا اللفظ. قال ابن العربي في ((القبس)): ((ذكر مالك في هذا الباب تشهد عمر بن الخطّاب ورجّحه على تشهد ابن عبّاس وعلى تشهد ابن مسعود، لأنّ عمر بن الخطّاب كان يعلّمه الناس على المنبر ويعلّمه بين ظهراني المسلمين وهو من الصحابة الذين منهم ابن عبّاس وابن مسعود الرّاويان للتشهدين الأخيرين، ولم يُسمع من أحدٍ نكير فصار إجماعًا على الترجيح)).

فأعجب بعد ذلك للألباني كيف يضعّف ما رجّح الإمام مالك وقد قال الإمام الشّافعي: ((إذا ذُكر العلماء فمالكٌ النّجم)) رواه الذهبي في ((السير)).

والحمد لله أولاً وآخرًا.