2019-01-11 02:40:20

الفتاوى الشاذة من جديد :تهنئة المسيحيين بأعيادهم حق وواجب أم خطر وزنا؟  اعداد: هلا بلوط

الفتاوى الشاذة من جديد :تهنئة المسيحيين بأعيادهم حق وواجب أم خطر وزنا؟  اعداد: هلا بلوط

الفتاوى الشاذة من جديد :تهنئة المسيحيين بأعيادهم حق وواجب أم خطر وزنا؟  اعداد: هلا بلوط

في وقت يعجّ فيه العالم باحتفالات أعياد ميلاد السيد المسيح، والتي نسمع من خلالها أناشيد محبة وتراتيل السلام، يخرج علينا بعض أتباع السلفية المتشددة، ليحرّم علينا تهنئة المسيحيين بأعيادهم، حيث أصدر أحد مشايخهم فتوى بتحريم تهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد، ليس هذا فحسب، بل زعم ان ذلك أشد شراً من شرب الخمر والوقوع في الزنا.

انها موضوعات جدلية تلقي بظلالها كل عام، تتعلق بأعياد الميلاد ورأس السنة، ووصل الأمر بها، الى ان بعض المشايخ يطالب بعدم تهنئة الزوج اذا كانت من اصحاب الديانات الأخرى.

((الشراع)) تسعى من خلال هذا التحقيق الى إيضاح بعض الفتاوى الشاذة والتي تتعلق بتهنئة المسيحيين بأعياد الميلاد والرد عليها من بعض علماء الأزهر والمسلمين.

على صفحات التواصل الاجتماعي ((فايس بوك))، أعاد نائب رئيس مجلس ادارة الدعوة السلفية في مصر الشيخ ياسر برهامي، نشر السؤال الذي وجه له بخصوص تهنئة المسيحيين بأعيادهم، وهو: هل تهنئة النصارى بأعيادهم تدخل في البر والإقساط اليهم؟ وهل يجوز تهنئة غير المسلمين في أعيادهم؟ وما القول في الذين يدعون ان التهنئة من البر لهم؟

وكان جواب برهامي كالآتي: الحمدلله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد، فأعياد المشركين تتضمن تعظيماً لعقائدهم الكفرية، كميلاد الرب وموته وصلبه، والعياذ بالله، فتهنئتهم بها شر من التهنئة على الزنا وشرب الخمر، وأقل أحوالها التشبه بهم، وقد قال النبي (ص) من تشبه بقومٍ فهو منهم، ((رواه أحمد وابو داوود، وصححه الألباني)) اما البر فهو كإطعام الجائع، وكسوة العاري، وإعطائه هدية يتآلف بها، وليس من ذلك إقرارهم على باطلهم، والعيد شريعة يشرعها الله، فمشاركتهم وتهنئتهم إقرار بباطلهم وتشريعهم، وهذا مما لم يأذن به الله عز وجل.. وكان برهامي قد نشر الفتوى المذكورة، يوم السبت 19 أيار/ مايو 2007 على موقعه الرسمي، وهذا ما أثار الجدل حينها، وهذا ما أكده لـ ((الشراع)) حين تواصلنا معه، وقال انه لم يدلِ بأي تصريحات صحافية، غير انه أعاد نشر تدوينته على صفحة التواصل الاجتماعي ((فايس بوك)).

ولم يقتصر الأمر على تحريم التهنئة العامة للمسيحيين فحسب، بل ذكر قيادي آخر في الدعوة السلفية، ان تهنئة الزوج الكتابية بأعياد الميلاد ((أي الزوج التي تدين بأديان غير الاسلام))، هو من الخزعبلات، وتجلب الشقاق والتعاسة على الحياة الزوجية، حيث نشر أيضاً سؤالاً على صفحته في وسائل التواصل الاجتماعي ((فايس بوك)) فحواه كالآتي: هل من البر والرحمة ان أقول لزوجي الكتابية كل عام وأنت طيبة على مولد الرب يسوع، او على قيامة الرب يسوع من الموت؟ عندها:

أولاً، جاء الاسلام بالمودة والرحمة في ما لا يخالف الاعتقاد الاسلامي.

ثانياً، عدم تهنئتها بهذه الخزعبلات في الأصل هو بر ورحمة بها، لأن معصية الخالق تجلب الشقاء والتعاسة على الحياة الزوجية، والكل لا يختلف على ان هذه الأعياد هي شرك بالله.

ثالثاً، هناك فرق بين الحب والرضى، فأنا أحبها وهذا هو الأصل، ولكن لا أرضى عن أفعالها الشركية. كالأب عندما يحب ابنه العاصي، ولكن لا يرضى عن بعض أفعاله.

رابعاً، لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وهذا أصل معروف في جميع الأديان.

خامساً، تناسينا قوله تعالى في حق ((الأم)) وهي الأفضل من الزوج عندما قال الله تعالى ((وان جاهداك على ان تشرك بي ما ليس لك به علم، فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا)) فكان من باب أولى بر الأم وطاعتها في الشرك، ولكن هذا نهي عنه مع برها وحبها والرحمة بها.

وللرد على هذه الفتاوى ((الشاذة))، التقت ((الشراع)) نخبة من أهل الرأي والدين، فانتقد الدكتور عبدالمنعم فؤاد، استاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر هذه الفتوى، واصفاً مصدرها بالجهل بعلم أصول الفتوى، مؤكداً ان الدين الاسلامي هو دين سلام ومحبة وتحيته السلام، ونحن نعيش على أرض واحدة مع الأخوة المسيحيين غير معتدين، وتهنئتهم بأعيادهم ومشاركتهم في الفرحة أياًَ كان نوعها، فذلك حق علينا ان نجاملهم ونبرهم، ونقسط اليهم، حيث يؤكد الاسلام ذلك في ما جاء في القرآن الكريم في مطلع سورة الروم حين أخبر الله سبحانه وتعالى بفرحنا كمسلمين بنصرة الروم ((المسيحيين))، ويبدأ ذلك في قوله تعالى: ((ألم، غلبت الروم، في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون، في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذٍ يفرح المؤمنون، بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم)). فقد كان هذا النصر للمسيحيين، وأخبرنا الله اننا كمسلمين نفرح بهذا النصر ونشاركهم في فرحتهم وكذلك في موضع آخر من القرآن الكريم: ((ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا، الذين قالوا إنا نصارى))، أي ان أقرب القدم الى المسلمين هم النصارى، فالحديث في هذه القضية لا يليق ان يتحدث فيه إلا العلماء المعتبرون، واستشهد الدكتور فؤاد بموقف النبي محمد (ص) الذي جعل المسيحيين يقيمون شعائرهم في مسجده، ورحّب بهم وهذا في ما عرف حين ذاك ((بوفد نجران))، وكذلك فقد كان النبي يشارك أهل الكتاب من المسيحيين وأهل الديانات الأخرى في عطايا المسلمين في أيام العيد، ففي يوم الأضحى، كان يقول (ص): ((هلا أهديتم من الأضحية الى جارنا اليهودي)). وموقف آخر استشهد به استاذ العقيدة والفلسفة الدكتور فؤاد، حين أرسل النبي أصحابه ليؤتمنوا عند ملك مسيحي وهو ((النجاشي))، وسماه النبي حينها انه ملك لا يظلم عنده أحد، والمسيحية كانت الحاضنة الأولى للاسلام دون غيرها من الأديان، فكيف لا نجاملهم ولا نتعايش معهم فرحتهم دون النظر الى معتقدهم، وأضاف ان الفتاوى التي تصدر من التيار السلفي والتي تحرم التهنئة، لا بد من التصدي لها، حيث ان شيوخ السلفية ليسوا متخصصين في الفتاوى، وليس لديهم علم يؤهلهم لاصدار فتاوى.

أما رئيس محكمة جبل لبنان الشرعية السنية الشيخ احمد الكردي فقد رأى في حديثه لـ((الشراع)) ان التهنئة في كافة المناسبات هي من الأمور المباحة، وتهنئة المسيحيين تنقسم الى قسمين، فإذا كان الشخص له جيران يهود او نصارى او موظفون يتعامل معهم وكانوا يشاركونه بالتهنئة بأعيادنا ومعايدته، فلا حرج بأن يقول لهم كل عام وأنتم بخير، أما اذا كان الانسان غير مضطر للدخول في هذا الموضوع، فلا لزوم للدخول فيه، لكن لا حرج في التهنئة بشكل عام لمن كان مضطراً عليها، ولكن الدخول الى الكنائس وبيعهم ومشاركتهم في طقوسهم وعباداتهم، فهذا أمر محرّم على كل مسلم، فلا يأخذ المناولة ولا يشاركهم في معتقداتهم وأفكارهم وكما قال الله عز وجل في كتابه الكريم ((لكم دينكم ولي ديني))، لأن التوحيد وإفراد ربنا بالألوهية، هذا فرض وعقيدة ملزم بها كل البشر، وهي رسالة الأنبياء من لون آدم عليه السلام الى سيدنا ابراهيم الى سيدنا موسى الى سيدنا عيسى الى سيدنا محمد عليهم جميعاً الصلاة والسلام.. ورأى الشيخ الكردي ان الصحابة والسلف الصالح قد تعاملوا مع المسيحيين بحسن الجوار وحسن المعاملة والكلمة الطيبة وتسويتهم مع المسلمين في الحقوق والواجبات وكذلك حرمة الاعتداء على أي منهم، وكذلك حرمة الاعتداء على دور عبادتهم وحفظ حقوقهم المدنية شأنهم في ذلك شأن أي مسلم، وعندنا في الاسلام لو ان مسلماً قتل مسيحياً يُقتل، لأن القاتل يُقتل، واذا سرق مسلم مال مسيحي، تقطع يده لأن ذلك لا يجوز في الاسلام بخلاف ما يعتقده اليهود، لأن اليهود يعتبرون المراباة مع غيرهم حلال لهم، لكن نحن نعتبر الربا حراماً مع كل البشر، والغش حراماً مع كل البشر، والخداع حراماً مع كل البشر، فإذاً، تعامل الصحابة الكرام مع أصحاب الديانات الأخرى من المسيحيين واليهود، باعتبارهم أهل كتاب، ودعوهم طبعاً الى الاسلام والايمان برسالة خاتم النبيين، وكانوا معهم بحسن الجوار وحفظ الحقوق والواجبات، وفي كل الأحوال المجاملة التي لا تضر بأمر الدين ليس بها حرج.

ورغم كل هذا التعنت والجهل من أصحاب الفكر المتشدد والفتاوى الشاذة، يظل الاسلام بما يدعو اليه من محبة وود وتعايش في سلام مع الآخر، هو الركن الأصيل من أركان رسالة الاسلام السماوية. فرسالة الاسلام هي السلام والتعايش وتقبل الآخر والحوار والاحترام، ورب محمد هو رب عيسى وموسى ورب العالم أجمعين.

هلا بلوط