2019-01-04 18:49:36

 فضائل التوبة والاستغفار / بقلم الشيخ أسامة السيد

 فضائل التوبة والاستغفار / بقلم الشيخ أسامة السيد

 فضائل التوبة والاستغفار / بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورًا رحيما)) سورة النساء.

وقال تعالى أيضًا: ((واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه)) سورة هود.

لقد كثر في كتاب الله تعالى ذكر الاستغفار فيما بين الأمر به ومدح المستغفرين، وكثيرًا ما يُقرن الاستغفار بالتوبة لله رب العالمين، ومعنى التوبة: ((الرجوع عن الذنب)) قاله الرازي في ((مختار الصَحَاح)) وإنما تكون التوبة من ذنب سبق للخلاص من المؤاخذة به في الآخرة، أي فيسلم بالتوبة من استحقاق العقوبة يوم القيامة، فعن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)) رواه ابن ماجه.

 

أركان التوبة

وأركان التوبة ثلاثة هي: الإقلاع عن الذنب والعزم على أن لا يعود لمثله والندم، ويُزاد على ذلك شرطٌ رابعٌ إن كان الذنب يتعلق بحقٍ من حقوق الناس فيجب عندئذٍ زيادةً على ما مرَّ أن يُعيد الحق إلى صاحبه أو يسامحه صاحب الحق، فإن كان شتم مؤمنًا أو اغتابه وبلغَ ذاك المؤمن ما قيل فيه يستسمحه، وإن كان أتلف ماله يُعيد إليه قيمته إلا أن يُسامحه صاحب الحق، فإن تاب إلى الله توبةً صحيحةً فإن الله تعالى يغفر له. قال الله عزَّ وجل: ((قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم)) سورة الزمر.

وروى الترمذي من طريق أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: ((يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان منك ولا أبالي. يا ابن آدم لو بلغتْ ذنوبك عَنان السماء ثم استغفرتني غفرتُ لك. يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقُراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تُشرك بي شيئا لأتيتُك بقُرابها مغفرة)).

فالحذر الحذر أن يموت الشخص ولم يتب من ذنوبه، فقد روى مسلمٌ عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلسُ فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ ويأتي وقد شتم هذا وقَذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيُعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فَنيت حسناتُه قبل أن يُقضى ما عليه أُخذ من خطاياهم فطُرحت عليه ثم طُرح في النار)).

ثم إنه ليس من شرط التوبة أن يقول العبد بلسانه ((أستغفر الله)) بل إن اجتمعت الشروط اللازمة المتقدم ذكرها بالقلب كفى ذلك لصحة التوبة، ولكن قول ((أستغفر الله)) حسنٌ والإكثار منه جيدٌ وفيه ثوابٌ وأجرٌ للمؤمن إن قاله مُخلصًا لله تعالى.

ويُناسب هنا أن نتكلم عن معنى الاستغفار وبعض الصيغ الواردة في ذلك وفضله فنقول وبالله التوفيق:

معنى الاستغفار

الاستغفار هو طلب المغفرة من الله أي أطلب من الله أن يُسامحني، والسين في أستغفر الله للطلب. والمعنى أطلب من الله أن يغفر لي وقد جاء في القرآن الكريم والحديث الشريف الحث على الاستغفار في آياتٍ وأحاديث كثيرةٍ قال الله تعالى: ((واستغفر لهم)) سورة آل عمران. وقال أيضًا: ((واستغفروا الله)) سورة البقرة. وقال: ((واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه)) سورة هود.

وأكمَلُ الاستغفار ما كان مع توبةٍ وعدم إصرارٍ على الذنب كما ذكَر الله عزَّ وجل: ((والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يُصروا على ما فعلوا وهم يعلمون)) سورة آل عمران.

ومن الألفاظ التي جاء بها الخبر عن النبي محمد صلى الله عليه وسلم ما رواه البخاري عن شدَّاد بن أوس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعتُ أعوذ بك من شر ما صنعتُ أبوءُ لك بنعمتك عليَّ وأبوءُ لك بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوبَ إلا أنت. قال: ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يُمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقنٌ بها فمات قبل أن يُصبح فهو من أهل الجنة)). وفي الصحيحين أن أبا بكر الصدّيق قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: علّمني دُعاءً أدعو به في صلاتي. قال: ((قل اللهم إني ظلمتُ نفسي ظُلمًا كثيرًا ولا يغفرُ الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرةً من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم)).

بعض وجوه الاستغفار

وإذا ما علم هذا فنقول إن للاستغفار معاني عديدةً فأحيانًا يُراد بالاستغفار طلبُ محو الذنب، وأحيانًا يُراد به شيءٌ آخر فقد يقع الاستغفار من الصبي الذي هو دون البلوغ فيكون بمعنى طلب محو أثر القبيح، لأن الصبي قد تقع منه أمورٌ قبيحةٌ فيكون استغفاره لطلب محو أثر هذا القبيح وتحسين حاله لا لأنه يُعذَّب في الآخرة على معاصٍ اقترفها. فقد روى أحمد عن الإمام عليٍ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((رُفِعَ القلمُ عن ثلاثةٍ عن النائم حتى يستيقظ وعن الطفل حتى يحتلم وعن المجنون حتى يبرأ أو يعقل)). وقد يُراد بالاستغفار رفعةُ الدرجة كاستغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الذي قد عصمه الله وغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فيُحمل ما جاء من الأحاديث في استغفاره عليه الصلاة والسلام على معنى رفعة الدرجة، ومنها حديث النسائي عن أبي موسى الأشعري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم مائة مرة)). وروى أبو داود والترمذي وغيرهما عن ابن عمر قال: ((كنا نعُدُّ لرسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس يقول: رب اغفر لي وارحمني وتب عليَّ إنك أنت التوَّاب الرحيم)).

وقد يُراد بالاستغفار أحيانًا طلبُ الدخول في الإيمان بالنطق بالشهادتين كما في قوله تعالى حكايةً عن سيدنا نوحٍ عليه السلام أنه قال لقومه: ((استغفروا ربكم إنه كان غفَّارا)) سورة نوح. وقد يُراد به أيضًا طلبُ التوفيق من الله إلى الإيمان كما في قوله تعالى إخبارًا عن سيدنا إبراهيم عليه السلام أنه قال لأبيه آزر وكان مشركًا: ((سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيّا)) سورة مريم، أي سأدعو لك بالهداية.

قال علم الهدى الماتريدي في ((تأويلات أهل السنة)): ((وقال الله تعالى: ((استغفروا ربكم إنه كان غفَّارا)) وليس استغفارهم أن يقولوا باللسان اللهم اغفر لنا، ولكن معناه أن انتهوا عمَّا أنتم فيه من الكفر وأجيبوا ربكم فيما دعاكم إليه فهذا هو الاستغفار من جهة الأفعال، وأما الاستغفار باللسان وهو طلب المغفرة يكون على وجهين: أحدهما أن تسأل ربك التجاوزَ عن سيئاتك، والثاني: أن يَسأل ((العبدُ ربّه)) حتى يوفّقه للسبب الذي إذا جاء به استوجب المغفرة وعلى هذا التأويل يُخَرَّج ((يُحملُ)) استغفار إبراهيم عليه السلام لأبيه وهو أنه طلب من الله أن يوفّق أباه لما فيه نجاته وهو الإيمان لا أن يسأل ربه أن يغفر له مع دوامه على الشرك، ألا ترى أنه امتنع عن الاستغفار له حيث تقررت عنده عداوته لله تعالى وعلم أنه لم يوفّق للسبب الذي يستوجب به المغفرة، قال الله تعالى: ((فلما تبين له أنه عدوٌ لله تبرأ منه)) فثبت أنه لم يطلب منه المغفرة مع دوامه على الشرك ولكن للوجه الذي ذكرناه)) انتهى.

ويُناسب هنا أن نقول: إن الكفر والعياذ بالله هو أكبر ذنبٍ يقترفه العبد وهو الذنب الوحيد الذي لا يغفره الله لمن مات عليه أبدًا قال تعالى: ((إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشآء)) سورة النساء. وقال أيضاً: ((قل للذين كفروا إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف)) سورة الأنفال، أي إن ينتهوا عن كفرهم وذلك بالدخول في الإيمان بالشهادتين فجعل الخلاص من الكفر شرطًا لحصول المغفرة فليُعلم هذا.

تنبيهٌ مهم

إن الاستغفار الذي هو لطلب محو الذنب وغفران الخطايا فهو ما يقع من المؤمن العاصي الذي يطمع في عفو الله ومغفرته، وفي بعض صيغ الاستغفار أسرارٌ عظيمةٌ فقد روى البيهقي عن ابن مسعودٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من قال أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه ثلاثًا غُفرت ذُنوبه وإن كان فارًّا من الزحف)).

وإني لأعجب بعد هذا كيف ساغ لبعض المتصدرين للتدريس والكتابة وهو المدعو صالح حسن صالح أحد رموز حزب الإخوان أن يُحرِّم قول: ((أستغفر الله)) حيث زعم في مجلتهم المسماة ((الأمان)) العدد 70 ((أن أقل ما يُقال في قول الناس أستغفر الله أنه المكاء والتصدية وأن استعمال صيغة أستغفر الله دليل جهل من قِبل المستغفر مبنيٌ على نقلٍ خطأ ليس له أصلٌ في القرآن الكريم)) والعياذ بالله من هذا الكلام الفاسد.

والمكاء والتصدية من أفعال كفار الجاهلية عند الأصنام، فكيف رأى هذا الكاتبُ المفتون أن قول أستغفر الله كفعل كفار الجاهلية، فاعجبوا لذلك أيها العقلاء! ألم يقرأ هذا الجويهل ما جاء في صحيح مسلم عن الأوزاعي بسنده إلى ثوبان قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال ((اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت ذا الجلال والإكرام)) قال الوليد ((أحد رواة هذا الحديث عن الأوزاعي)) فقلتُ للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ قال: تقول: ((أستغفر الله أستغفر الله)). وألم يقرأ ما جاء في غيره؟! ولكنها الأهواء تُعمي وتُصم، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ((سيخرج من أمتي قومٌ تتجارَى بهم الأهواءُ كما يتَجارَى الكَلَبُ (الداء المعروف) بصاحبه فلا يبقى منه عِرقٌ ولا مَفصِلٌ إلا دخَلَه)).

فنسأل الله السلامة وحسن الحال.

والحمد لله أولاً وآخراً.