2019-01-04 18:07:50

أم على قلوب أقفالها؟! لماذا يحرمون الاحتفال برأس السنة؟/بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها؟! لماذا يحرمون الاحتفال برأس السنة؟/بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها؟! لماذا يحرمون الاحتفال برأس السنة؟/بقلم: محمد خليفة

عمت الاحتفالات بالعام الجديد العالم كله, جرياً على تقليد عالمي يزداد رسوخاً, بلا فرق بين شعوب بوذية ومسيحية, ويهودية وإسلامية, عاكساً نزوعاً تاريخياً لاندماج البشر في مجتمع واحد, وتضامنهم في وجه أخطار تهدد الجنس البشري بالفناء, كأزمات البيئة والمناخ, وتكدس الأسلحة النووية والبيولوجية والكيماوية, مما عمق شعور الجميع بوحدة المصير, كما لو كانوا مسافرين في سفينة ((تيتانك)) مهددة بالغرق.

 وقد خلق ذلك حوافز للعمل الجماعي لدرء الاخطار, وخلق آمالاً وأماني انسانية موحدة, في ظل عولمة ألغت الحدود والحواجز بين القارات وأضعفت الكيانات القومية. كما إن مفاعيل الهجرة مزجت الشعوب والثقافات, ولم تدع مدينة واحدة في العالم نقية عرقياً ومستثناة من ديناميات الامتزاج البشري والثقافي والتعدد الديني.   

في هذه السياقات تندرج مشاركة المسلمين عموماً في احتفالات العام الجديد والمناسبات ذات المنشأ الديني المسيحي, أو الثقافي الغربي أصلاً. ومع أنها جاءت كمحصلة لتطور غير مفتعل, ولا يمكن اعتزاله أصلاً , لأنه من السنن الإلهية, كما يقول الفقهاء. ولكن رغم ذلك ما زال في كل عام وكل مناسبة يتكرر ارتفاع أصوات ناشزة وشاذة, تهول وتندد بالظاهرة, وتحذر من خطر الإحتواء والاستلاب الحضاري على الهويات القومية. وأخطرها مراجع دينية وشرعية تستعمل سلطة الافتاء والخطب الجاهزة التي تكفر وتنذر بعذاب الهي شديد في الدنيا والقبر والآخرة, لمقلدي الكفار في طقوسهم وعاداتهم! .

هذه الفتاوى والخطب والأفكار لا تنتمي لعصرها, بل تعيد انتاج فتاوى ابن حنبل أو أبو حنيفة وابن تيمية وتلاميذهم الذين عاشوا في بيئات اسلامية بالكامل, قبل ألف سنة, ولا تلحظ التحولات العالمية في العقود الأخيرة, وخصوصاً ظاهرة الانفتاح والاختلاط بين جميع الملل والنحل.

 بعض فقهائنا المعاصرين يعادون كل عصري تلقائياً, لمجرد أنه جديد, ويرفضون كل ما له علاقة بغير المسلمين قبل النظر في محتواه, ونتائج رفضه, ودون احاطة بطبيعة التحولات الكونية. وهي عناصر يتعين على من يتولى الافتاء التمكن منها قبل تنزيل الحكم الشرعي على الواقعة المستجدة. وأكثرهم يفتقرون للشجاعة الادبية لإصدار اجتهادات عصرية تتصادم مع المدارس التقليدية المسيطرة, فيميلون للأسهل ويستنسخون ما قاله أئمة السلف عن نفس المسائل في ظروف مختلفة, متعامين عن التغيرات التي شملت كل شيء. ولا يرون ما أحدثه الانفتاح والاختلاط البشري من نتائج واقعية, وأهمها على الاطلاق تكون مجتمعات إسلامية في الغرب, حيث يعيش في الاتحاد الأوروبي وحده خمسون مليون مسلم. ولا يرى فقهاؤنا التأثر الذي حدث لهؤلاء المسلمين أو التأثير الذي أحدثوه في أوروبا والغرب.

 لماذا يحرم فقهاء من وزن ابن باز وابن عثيمين, ودار الافتاء المصرية ومجاميع الأزهر الاحتفال برأس السنة..؟

 ألا يرون أنها لم تعد مناسبة ذات طابع ديني معين, بل أصبحت مناسبة عالمية سنوية يشترك فيها سكان الكوكب جميعاً, لأنها تذكرهم بدورة الزمن ولا غير..؟

حقيقة لا أفهم مبررات تحريم المشاركة في أعياد الأم أو الشجرة أو الحب أو اليوم العالمي لحقوق الانسان أو يوم الصحافة, وما الى ذلك من مناسبات تجسد الوحدة العالمية في كثير من القيم والمثل والمصالح.

  ألا يرى فقهاؤنا ان المشاركة بهذه المناسبات تؤكد ايجابيتنا وتحضرنا كمسلمين وقدرتنا على التفاعل الخلاق مع بقية البشر؟

ألم يقل الفقهاء قديماً ان الأحكام تتغير بتغير الأزمان والأمكنة, فلماذا لا تتغير الرؤية الشرعية لهذه المسائل؟

قبل مائة سنة كان فقهاء شمال أفريقيا يحرمون التجنس بالجنسية الفرنسية مثلاً, لأسباب سياسية مبررة ومفهومة في حينها , وكان فقهاء السلطنة التركية يحرمون على المسلمين العيش في الدول المسيحية , لأن سياسات الدول كانت دينية, والاضطهاد الديني شائعاً, ولكن هذه الدول تغيرت جذرياً, وصار فيها عشرات ملايين المسلمين يحملون جنسياتها, فهل بالإمكان تطبيق الفتاوى السابقة على المسلمين الاوروبيين والاميركيين, وهم أكثر من مائة مليون؟

فقهاؤنا القابعون في بلدانهم لا يمكنهم الاطلاع على عمق التاثير الايجابي للمسلمين في البلدن الأوروبية, وأعظمها توطين الإسلام كديانة وثقافة وشريعة في الغرب مما أدى لانتشاره بين سكانها, فهل هذا تطور سلبي أم إيجابي؟

 وهل كان على المسلمين الإنعزال في غيتوات مغلقة لا يتعاملون ولا يتلاقحون مع أعياد وتقاليد مواطنيهم وجيرانهم؟

 أليست الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها؟ أما عاش الرسول وصحبه مع اليهود والنصارى في المدينة وتعاونوا معهم؟

 أما عاش المسلمون قروناً وهم أقلية في البلدان التي فتحوها وسط سكان البلدان الأصليين؟

 هل كان للاسلام أن ينتشر في شرق آسيا لو عاش التجار والرحالة منعزلين عن الشعوب الأخرى؟

الاسلام احترم الآخر, وأمر بإحترام الديانات كافة, النصرانية واليهودية والابراهيمية والصابئة, الى البوذية, والقرآن خاطب الناس خطاباً واحداً, وأرسى مفهوم الاختلاف وأمر بالتعاون ((إنا خلقناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)) لا لتحاربوا وتباغضوا.

أحمد الله أن غالبية المسلمين لا يبالون بفتاوى فقهائهم الرجعيين, فهم يعيشون حياتهم متفاعلين مع بقية الشعوب بلا عقد ولا عزلة, ويمارسون الاجتهاد عملياً وينتجون فقهاً عصرياً. بفضل هؤلاء المسلمين لا بفضل فقهاء الأزهر والسعودية ينتشر الاسلام ويزدهر حالياً في مشارق الارض ومغاربها, أكثر مما حدث طيلة القرون الأربعة عشر السابقة, ولولاهم لربما انحسر الاسلام حتى في موطنه الأصلي!