2018-12-21 16:07:20

كن محسناً إلى جيرانك / بقلم الشيخ أسامة السيد

كن محسناً إلى جيرانك / بقلم الشيخ أسامة السيد

كن محسناً إلى جيرانك / بقلم الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((واعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئًا وبالوالدين إحسانًا وبذي القُربى واليتامى والمساكين والجار ذي القُربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مُختالاً فخورا)) سورة النساء.

لا يخفى على كل منصفٍ ما جاء في الشرع الشريف من الأمر بالخير والحث عليه والدعوة إلى مكارم الأخلاق، وقد روى البيهقي عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). وفي الآية المذكورة أمرٌ بطاعة الله تعالى بتوحيده وترك الإشراك به شيئًا، وحضٌ على حُسن الخُلق وأمرٌ بالإحسان إلى الوالدين وذلك ببرهما وترك عقوقهما، وذوو القُربى هم الأرحام الذين بينك وبينهم قرابةٌ من جهة الأب أو من جهة الأم، وملاطفة اليتيم وحسن معاملة المساكين والصاحب بالجنب، أي الذي صحبك بأن حصل بجنبك إما رفيقًا في سفر أو شريكًا في تعلُّم علمٍ أو غيره، وقيل: إن الصاحب بالجنب الزوج، وأما ابن السبيل فهو المنقطع في سفره.

وفي الآية أيضًا إرشادٌ إلى الرفق بمن هم تحته من الخدَم، وتنبيهٌ إلى الاعتناء بأمر الجار والقيام بحقه، وهذا ما نريد أن نتكلم فيه إن شاء الله في هذا المقال لما رأينا من مسيس الحاجة إلى ذلك لعل الله ينفع به فتستقيم أحوال الكثيرين، وتصلح نفوس الذين لا يُراعون حقوق الجيران فيقفون بعد ذلك عند حد الشرع الذي ضمن السلامة لمن التزم به في الدارين فنقول وبالله التوفيق:

الوصية بالجار

عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُكرم ضيفه)) متفقٌ عليه. وروى مسلمٌ عن أبي شُريحٍ الخُزاعي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليُحسن إلى جاره)).

لقد أمر نبينا الكريم صلوات الله وسلامه عليه بالإحسان إلى الجار وعدم التعرض له بالأذى في بدنه أو أهله أو ماله، وهذا ما يقتضيه الأدب وحسن الحال وما نشجع عليه وندعو إليه لتضمحل بذلك الخصومات والمشاحنات التي قد تفشَّت جدًا بين أبناء المجتمع ذي النسيج الواحد، إذ صرنا نرى أن كثيرًا من الجيران يتعرض بعضهم لبعضٍ بما يزعجهم ويقلقهم من الشر، وكأنهم نسوا أو تناسوا أن للجار حقًا عظيمًا لا ينبغي أن يغفل عنه المؤمن، وجديرٌ بنا ونحن أمةُ أفضلِ الأنبياء ومعلمِ الناس الخيرَ ومحاسنَ الأخلاق النبيِّ الأعظم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم أن نتأمل بلاغة ما جاء في كتاب الله مما أمر ربنا تعالى به في الآية المذكورة أعلاه من تعهد الجيران بالحُسنى على اختلاف أحوالهم، وذلك في قوله تعالى:((والجار ذي القربى والجار الجنب)).  قال الخازن في ((لباب التأويل)): ((أي وأحسنوا إلى الجار ذي القُربى وهو الذي قرُب جواره منك، والجار الجنب هو الذي بعُد جواره عنك، وقيل: ((الجار ذي القُربى)) هو الجار القريب ((أي بينك وبينه قرابة)) والجار الجنب هو الأجنبي الذي ليس بينك وبينه قرابة)).

وحيث عُلم هذا يتأكد به رعاية حق الجار لا سيما وأن لبعض الجيران ثلاثةَ حقوق ولبعضٍ حقين، فأما الأول فهو الجار المؤمن القريب بأن كان بينك وبينه رحمٌ فإن له حق الإيمان وحق القرابة وحق الجوار، وأما الثاني فهو الجار المؤمن الذي ليس بينك وبينه قرابة فله حق الإيمان وحق الجوار.

رعاية حق الجار

ومعنى رعاية حق الجار أن تجتنب ما يؤذيه فلا تؤذيه بنفسك بل وتكُفَّ أسباب الأذى عنه فلا تزعجه بكثرة الصياح والصَّخب، ولا ترفع صوت الراديو أو غيره من الوسائل المسموعة فيتأذى من ذلك لا سيما إن كان مريضًا، ولا تسأله عما لا يعنيك من أموره ولا تتبع عوراته فتفضحه بين الناس، ولا تغتابه بذكره بما فيه بما يكره، ولا تنظر فيما أخفاه عنك، ولا تستمع أيضًا إلى كلام أخفاه عنك، وأن تغضَّ بصرك عن نسائه، ولا تنظر في بيته بغير إذنه مما يكره عادةً ويتأذى به من في البيت، وذلك كالنظر في نحو شق باب أو ثُقبٍ إلى ما يحتوي البيت مما يتأذى صاحب البيت بالنظر إليه، كأن يكون صاحب الدار مكشوف العورة أو بها محرَمُه كإبنته أو نحوها كزوجه. واعلم أن بعض الجيران لا يصبرون على الأذى فيكون ذلك سببًا للخلاف والاقتتال، وبعض الجيران يسكتون ولكن على كُرهٍ فيظن ذاك الجار أن جاره راضٍ غير مستاءٍ منه والحقيقة على خلاف ذلك. وقد جاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله. قال: الذي لا يأمن جارُهُ بوائقه)) والبوائق الشرور. والمراد نفي كمال الإيمان عمن لا يأمن جاره بوائقه لا الحكم عليه بالكفر، أي أن هذا الذي يؤذي جاره ولا يتقي الله فيه ليس كامل الإيمان لأنه عاصٍ لله بفعله مُستحق لعقوبة الله إن لم يتب مما هو فيه. وفي الحديث حلِفٌ من الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم من غير استحلافٍ أي من غير أن يُطلب منه أن يحلف وتكرار الحَلِف لتأكيد الأمر.

ومن جملة الإحسان إلى الجار أن تزوره إذا مرض وتهتم لأمره فتُظهر الحزن لحزنه والفرح لفرحه وأن تواسيه في الشدائد بنفسك وبمالك، وتحرص على ما ينفعه فلا تبخل عليه بالنصيحة والموعظة بالرفق إن رأيته على معصيةٍ، وأن تكون عونًا له على الخير تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر وأن تُشركه في طعامك وشرابك وتخصه كل مدةٍ بهديةٍ ولو خفيفة، فقد روى مسلمٌ عن أبي ذرٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((يا أبا ذرٍ إذا طَبَخْت مرقةً فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك)) والمرَق هو الماء الذي طُبخ فيه اللحم ونحوه، وإنما أمره بتكثير مائها ليكثر الانتفاع بها بالأكل بإساغة الخبز وتليينه، وفي الحديث أمرٌ من باب الإحسان بتعاهد الجيران أي بإعطائهم، ولا ريب أنه يترتب على هذا مزيدٌ من الأُلفة والمحبة والصفاء القلبي مع ما يحصل به من المنفعة ودفع الحاجة، فإنه إن لم يفعل ذلك فلربما هاجت شهوة الطعام بسبب ما ينبعث من داره من الروائح الطيبة في نفوس أولاد جاره الصغار فيلحق القائم على أمورهم الألم لأنه لا يستطيع أن يكفيهم ذلك لشدة فقره، وربما كان في جيرانه من هو يتيمٌ أو أرملة فتكون المشقة أعظم وتشتد فيهم الحسرة والألم، وينبغي أن يُقدم في الهدية والإطعام الأقرب إلى داره ثم الأقرب.

الحرص على الخير

عن أم المؤمنين عائشة قالت: ((قلت يا رسول الله إن لي جارين فإلى أيهما أُهدي؟ قال: إلى أقربهما منك بابًا)) رواه البخاري. وقد كان هذا السؤال من السيدة الجليلة عائشة أم المؤمنين من باب حرصها على الخير إذ أُمرت بإكرام الجار مطلقًا ولا تقدر على الإهداء إلى جاريها معًا، فأرادت أن تعرف من أولى أن تؤثر بالعطية لتدخل بذلك في جملة القائمين بإكرام الجار فأرشدها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تبدأ بالأقرب، وهذا على وفق ما جاء في القرآن الكريم لأنه المراد بالجار ذي القربى على أحد التفسيرين كما تقدَّم، وقد قُدِّم في الذكر على الجار الجنب اهتمامًا به واعتناءً بشأنه.

وإذا ما علم هذا فاحرص أيها المؤمن على حفظ حق جارك وأحسن إليه وأوص أهلك وأولادك بذلك اقتداءً بنبيك الأعظم صلى الله عليه وسلم حيث أوصى به، فقد جاء عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يا نساء المسلمات لا تحقِرنَّ جارةٌ لجارتها ولو فِرسِن شاة)) متفق عليه.

قال الجوهري في ((الصحاح)): ((الفِرسِن من البعير بمنزلة الحافر من الدَّابة، وربما استُعير في الشاة)) أي أصل معنى الفِرسن مختصٌ بالإبل ويُطلق كذلك في الغنم من باب الاستعارة. والمعنى لا تمتنع جارةٌ من الصدقةِ والهدية لجارتها لاستقلالها واحتقارها لها بل ينبغي أن تجود بما تيسر ولو كان قليلاً كفرسن شاة وقد قال الله تعالى: ((فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره)) سورة الزلزلة.     

 وحيث عُلم هذا فإننا ندعو إلى حسن معاملة الجيران والأصحاب والتزام مكارم الأخلاق التي دعا إليه شرعنا الشريف وعلّمنا إياها نبينا صلى الله عليه وسلم الذي قال: ((خيرُ الأصحاب عند الله خيرُهم لصاحبه وخيرُ الجيران عند الله خيرُهم لجاره)) رواه الترمذي. والمعنى أن أكثر الأصحاب عند الله ثوابًا أو أكرمهم منزلةً خيرهم لصاحبه أي في القيام بما ينفعه وصرف ما يؤذيه وخير الجيران عند الله منزلةً أو ثوابًا من كان لجاره كذلك ومصداق هذا من كتاب الله في قوله تعالى: ((إن أكرمكم عند الله أتقاكم)) سورة الحُجرات.

وعن ابن عمر وعائشة قالا: ((قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما زال جبريل يُوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيُورِّثه)) متفقٌ عليه.

وإننا لو نظرنا إلى عادات سادات المؤمنين وما كان عليه أجدادنا من الامتثال لما أوصى به نبينا صلى الله عليه وسلم من الإحسان إلى الجار لعلمنا كم نحن اليوم مقصرون في مراعاة الجار وإكرامه، بل لعل كثيرًا من الناس اليوم لا يعرفون جيرانهم فضلاً عن ترك برهم والاعتناء بشأنهم، ولرأينا فرقًا كبيرًا بين أهل زماننا والمتقدمين من أسلافنا الصالحين الذين ضربوا أروع الأمثلة في حُسن الجوار والقصص في ذلك كثيرة.

والحمد لله أولاً وآخراً.