2018-12-21 15:37:19

القمة العربية الاقتصادية فرصة .. ولكن -  لا حرب.. ولا نفط وغاز .. ومراوحة من دون انهيار / كتب المحرر السياسي لــ الشراع

< >

القمة العربية الاقتصادية فرصة .. ولكن -  لا حرب.. ولا نفط وغاز .. ومراوحة من دون انهيار / كتب المحرر السياسي لــ الشراع

 

خلال الشهر الأول من العام القادم (2019) ستعقد في بيروت القمة العربية الاقتصادية.  قبل أسابيع قليلة حضر الى لبنان مساعد الأمين العام للجامعة العربية كي يضع بالتنسيق مع مسؤولين لبنانيين برنامج عقد القمة في بيروت. وأثر ذلك انطلق وزير خارجية حكومة تصريف الأعمال جبران باسيل في زيارات للدول العربية كي يقدم دعوات من الرئيس ميشال عون الى ملوك ورؤساء الدول العربية لحضور القمة الاقتصادية العربية في بيروت.

وفي باريس بحسب معلومات وردت مؤخراً لبيروت، فإن الخارجية الفرنسية تنقل عن الرئيس ايمانويل ماكرون قوله ان نجاح القمة العربية الاقتصادية في لبنان، سيترك نتائج مشجعة للدول المانحة في مؤتمر ((سيدر)) المخصص لدعم الاقتصاد اللبناني . وأكثر من ذلك تقول هذه المصادر ان باريس تنظر الى مؤتمر القمة العربية الاقتصادي في بيروت، بوصفه مؤتمراً عربياً يحاكي مؤتمر ((سيدر)) الاوروبي والغربي. ولكن في باريس يعتبرون ان المشهد الخاص بالتكامل بين مؤتمري ((سيدر ((و((القمة الاقتصادية العربية)) يظل ناقصاً وقابلاً للانتكاس فيما لو لم ينجح لبنان بتشكيل حكومة خلال الفترة التي تسبق الشهر الأول من العام القادم!!

وخلال جولة باسيل العربية لتقديم دعوات للزعماء العرب لحضور قمة بيروت، سمع باسيل ثلاث نصائح عربية لا بد من ان يتمسك بها لبنان فيما لو اراد الحصول على الدعم العربي عبر مقررات تتخذها قمة بيروت الاقتصادية العربية.

  1. النصيحة الأولى هي تمسك الحكومة العتيدة بسياسة النأي بالنفس عن صراعات المنطقة ومحاورها.
  2. النصيحة الثانية هي الحفاظ على اتفاق الطائف وتجنب اي ممارسات توحي بأن هناك اتجاهات للانقلاب عليه.
  3.  النصيحة الثالثة هي مساعدة الرئيس سعد الحريري الصادقة لإنقاذ البلد من أزمات الاقتصاد وأزمات الانزلاق الى الفتن السائدة في المنطقة.

ليس واضحاً بعد ما اذا كان باسيل في ختام زياراته العربية بمناسبة توجيهه دعوات لزعمائها لحضور القمة الاقتصادية في بيروت، سيتبنى خطاباً سياسياً جديداً يتناسب مع الوصايا العربية له..بمعنى آخر هل سينخرط في عملية تقديم التنازلات لمصلحة تسريع تشكيل الحكومة بحيث تبصر النور قبل العام الجديد وقبل موعد انعقاد قمة بيروت الاقتصادية العربية، أم أنه سينظر الى مناسبة قمة بيروت بوصفها محطة اقليمية لا علاقة لها بإشتباكاته الداخلية؟؟.

الاتهامات كثيرة في هذا الصدد الى باسيل بأنه لم يعمل بموجب هذه النصائح، خصوصاً وأنه في موضوع تشكيل الحكومة لم تمهل قبل ان يوافق على ان يتنازل رئيس الجمهورية عن السني المقرر في حصته لتوزير أحد نواب الثامن من آذار السنة الستة او من يمثلهم وقد تصاعد الأمر سواء كان باسيل مسؤولاً عن ذلك او غير مسؤول من خلال ما سمي حرب البيانات بين رئيسي الجمهورية والحكومة وتهديد الرئيس عون بتوجيه رسالة الى مجلس النواب في حال استمر عدم تشكيل الحكومة. علماً ان مؤشرات حملتها الأيام القليلة الماضية عن ان باسيل طرح الموضوع في لقاء عقده في لندن مع الرئيس سعد الحريري وان تحرك مدير عام الأمن العام اللواء عباس ابراهيم خلال الايام القليلة الماضية يصب في خانة تسريع التشكيل بحيث يتنازل الرئيس عون عن الوزير السني من حصته مقابل تنازل اللقاء التشاوري عن ان يكون الوزير من نوابه الستة وان يسمي اللقاء عدة أسماء يتم اختيار احدها ليكون الوزير المحسوب على اللقاء في الحكومة العتيدة.

وفي آخر المعلومات فإن هناك ترجيحات بولادة الحكومة خلال أيام لتكون ((عيدية)) للبنانيين إلا اذا طرأت في اللحظة الأخيرة عراقيل جديدة.

وبمعزل عن كل ذلك فإن ما هو واضح حتى الآن. كما يمكن تأكيده في هذه اللحظة هو ان العرب قالوا لباسيل  وحددوا له الحكومة التي  يريدون.. أي حكومة النأي بالنفس وتأكيد الطائف ودعم رئيسها الحريري.

والى جانب هذه الأجواء ذات الصِّلة بقمة بيروت، توفرت للبنان أجواء تسربت هذه المرة من بغداد التي تشهد منذ عدة أشهر صراعاً دولياً واقليمياً على مسألة تثبيت نتائج الانتخابات. فالعراق الذي دخل في توقيت واحد مع لبنان الانتخابات التشريعية، نجح بعد طول وقت في تجاوز تعثر انتاج رئيس لمجلس النواب ورئيس للجمهورية ورئيس للحكومة، وهو يسير بخطى حثيثة الآن لتشكيل حكومة جديدة. وبالتوازي يرى الكثير من المصادر ان مسار العراق الذي وصل لخاتمته السعيدة يؤشر الى ان لبنان أيضاًَ سيصل لخاتمة سعيدة بخصوص تشكيل الحكومة.  وذلك على الرغم من الاجواء السلبية التي أعقبت تفاقم ما سمي العقدة السنية ونشوب ما سمي أيضاً أحداث الجاهلية.

ولكن في العراق كما في لبنان فإن السؤال الذي باتت الدبلوماسية اللبنانية تسمعه في الغرب، هو: ماذا بعد تشكيل الحكومة؟. وأي مستقبل ينتظر لبنان انطلاقاً من تشابك وضعه مع الوضع الاقليمي.

شخصية دبلوماسية غربية تبرعت بأن تجيب على هذا السؤال مؤخراًَ أمام مرجع سياسي لبناني. وقالت هذه الشخصية التالي:

أولاً - لا حرب اسرائيلية جديدة على لبنان، أقله في مدى السنوات الخمس المقبلة. وأسباب ذلك كثيرة منها  ما هو داخلي اسرائيلي، حيث ان اسرائيل تعيش في هذه المرحلة طفرة اقتصادية كبيرة، وهي لن تشن حرباً ضد لبنان ستكون كلفتها وقف النمو الاقتصادي الاسرائيلي وربما تعرضه لانتكاسة بنيوية. والسبب الآخر هو ان قرار الحرب ضد حزب الله انتقل من تل أبيب الى واشنطن، وادارة ترامب لا تريد شن حروب عسكرية بل معارك اقتصادية شاملة. فترامب لديه خارطة طريق لنيل ولاية رئاسية ثانية وهي الوفاء بكل ما تعهد به خلال حملته الانتخابية لناخبيه، وعدم ذهاب اميركا لحرب عسكرية جديدة كان على رأس هذه الوعود التي قطعها.

ثانيا ً- اقتصادياً، فإن لبنان لن يشهد خلال العهد الرئاسي الحالي انهياراً اقتصادياً، ولكنه بالمقابل لن يخرج من شرنقة أزمته الاقتصادية. وسبب ذلك ان اقتصاد لبنان بات أمامه أفق وحيد لكي يسلكه اذا أراد الخروج من الأزمة الاقتصادية، وهو بدء انتاج الغاز والنفط، حيث أقله سيمكنه ذلك من تخفيض فواتيره الداخلية، وفي حال تصديره سيجلب له العملة الصعبة. ولكن هناك قراراً دولياً وواقعاً اقليمياً يفيد بأنه لا انتاج للغاز والنفط في لبنان في ظل عدم وجود حالة سلام مع اسرائيل، واستدراكاً لا سلم اقتصادياً في لبنان من دون قبوله بتوطين الفلسطينيين.

ثالثاً - كل ما تقدم يُبين طبيعة المعادلة التي سيعيش في إطارها لبنان خلال العهد الرئاسي العوني الحالي، وقوامها: لا حرب.. ولا غاز.. ومراوحة من دون انهيار للاقتصاد.

والجهات التي أطلعت على تحليل الشخصية الدبلوماسية، قدمت ملاحظتين اثنتين في هذا الشأن:

مفاد الملاحظة الأولى ان هناك قراراً دولياً بأن لبنان دخل مرحلة اللاحرب واللااستقرار الاقتصادي وحتى السياسي، وان حاله سيظل هكذا  حتى نهاية العهد.

أما الملاحظة الثانية فتبين ان العراق يتجه أكثر من لبنان لأن يحسم الدوليون والإقليميون المتنافسون على ساحته مسألة الدخول في نوع تسويات الهدنة هناك، ما يفسر نجاح العراق في بدء مسار تشكيل الحكومة، فيما لبنان ما يزال معلقاً على صليب ان لا تسوية بين الاقليميين المتنافسين فوق ساحته، وأنه يستطيع الانتظار في غرفة المراوحة لفترة طويلة مقبلة.

ولكن القائلين بهذه النظرية الأخيرة يعتقدون ان عقد القمة العربية الاقتصادية في بيروت مؤشر على ان العرب يريدون إعطاء فرصة انقاذ مشروطة للبنان، وان العهد الرئاسي يستطيع اذا أراد او استطاع ان يطور هذه الفرصة عبر اطلاق مبادرة وطنية تؤدي الى تشكيل حكومة وحدة وطنية تسمح للبنان ان يشارك في القمة من موقع انه بلد قادر على تسييل المساعدات التي يحصل عليها في مشروع تعزيز استقراره. أما في حال شارك لبنان في القمة وما يزال من دون حكومة أصيلة، فإن ذلك سيعني ان الفرصة العربية ستضيع على لبنان وان مؤتمر ((سيدر)) سيأخذ إشارة سيئة عن قدرة لبنان على التصرف بالمساعدات والهبات التي سيحصل عليها بشكل مسؤول.