2018-12-21 14:11:48

معركة تركية جديدة في ((شرق الفرات)): حرب على الارعاب الكردي أم توسع امبراطوري؟ / بقلم: محمد خليفة

معركة تركية جديدة في ((شرق الفرات)): حرب على الارعاب الكردي أم توسع امبراطوري؟ / بقلم: محمد خليفة

معركة تركية جديدة في ((شرق الفرات)): حرب على الارعاب الكردي أم توسع امبراطوري؟ / بقلم: محمد خليفة

بينما كان الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يعلن أمام البرلمان قبل أيام أن الجيش التركي جاهز, لتنفيذ عملية عسكرية جديدة في منطقة شرقي الفرات, ضمن الأراضي السورية, لتطهيرها من الميلشيات الكردية, أو ما يسمى ((قوات حماية الشعب)) YPG)) التي وصفها بالارعابية, كان جيشه يحرك فعلاً وحداته على امتداد الحدود بين البلدين, وخصوصاً في محاذاة مدينتي منبج وعين العرب, وصولاً الى الطبقة والرقة, وربما أبعد باتجاه الرقة, ورأس العين, فالحسكة والقامشلي, وما بعدها الى حدود العراق.

 ويوم الجمعة الماضي قصفت القوات الجوية التركية أهدافاً كردية في العراق, وهي إشارة تعني أن العملية كبيرة وتشمل الأكراد في العراق وسورية.  

أثارت التصريحات والتطورات الميدانية ردود أفعال محدودة في العواصم الدولية المعنية, وخصوصاً واشنطن التي اكتفت بمطالبة أنقرا بوقف عمليتها, والالتزام بالاتفاق الذي توصلت اليه الدولتان بشأن منبج مؤخراً.

ويلاحظ المراقبون أن الاتراك لم يوضحوا حتى الآن مدى العملية, وأبعادها, إلا أن التقديرات ترجح أن تكون ((محدودة)) وتقتصر على أهداف منتقاة, تجنباً للاصطدام المباشر بالقوات الاميركية الموجودة على طول الشمال. ولكن بعض المراقبين لم يعد يستبعد هذا الاحتمال في ضوء التوتر المتزايد بين الدولتين, ويرونه إذا حدث أول صدام بين دولتين عضوين في حلف شمال الاطلسي ((ناتو)), ويعتقدون أن روسيا تعمل بمكر لدفع الأمور الى هذه النتيجة!.

كما يشير مراقبون آخرون الى أن العملية الجديدة ستخلط الأوراق المحلية والاقليمية, وقد تعيد تشكيل التحالفات والاصطفافات على الساحة السورية. وعليه فهي تضيف أبعاداً دولية واقليمية جديدة للصراع في سورية, وتطرح أسئلة عن مواقف الأطراف الفاعلة فيها, أهمها:

العملية والسيناريو:

من المفيد ملاحظة أن إعلان الرئيس التركي عن العملية الجديدة وما تبعه من اجراءات ميدانية, يأتي بعد عام كامل من اعلان مشابه في 26 كانون الأول/ ديسمبر 2017 عن البدء بعملية طرد المقاتلين الكرد من مدينة عفرين . وبدأ الهجوم  في  كانون الثاني/ 20 يناير 2018. وترافقت العملية السابقة مع هجوم بالطيران الحربي على 108 أهداف كردية في سورية والعراق في وقت واحد.

 وجدير بالذكر أن ردود الأفعال الحالية على العملية الجديدة تتطابق مع مثيلتها قبل سنة. كما إن القيادة التركية كررت الأسباب والمبررات نفسها التي ساقتها المرة الأولى, وهي:

  1. اخراج الميلشيات الكردية من شرق الفرات, لأنها ذراع محلي لحزب العمال الكردستاني - التركي الارعابي, كما تشكل تهديداً جدياً للأمن القومي التركي.
  2. منع التمدد الكردي على طول الحدود الجنوبية التركية مع سورية, والذي يستهدف الوصول الى المتوسط, وخلق اتصال بري جغرافي بين جميع المناطق.
  3. إحباط الهدف النهائي الرامي لتأسيس كيان كردي في شمال سورية, سيؤدي لتقسيمها, حتى وإن بدأ بخطوة ((الحكم الذاتي)) أو ((اللامركزية)) أو أي تسمية أخرى.
  4. توفير الظروف الملائمة لعودة 1,7 مليون مواطن عربي سوري الى مدنهم وقراهم التي هجرتهم منها الميلشيات الكردية الى تركيا, ودمرتها في عملية تطهير عرقي واسعة خلال الأعوام السابقة.

ولا بد أن نلاحظ أيضاً تشابه خلفيات العمليتين. فالأولى جاءت رداً على إعلان أميركي رسمي عن خطة لتشكيل جيش من مقاتلي الميلشيات الكردية بتدريب وتسليح وتمويل أميركي يبلغ ((50  - 100 ألف مقاتل)), وهو ما رأت فيه أنقرا جيشاً كردياً للسيطرة على منطقة تمتد بطول 911 كم, بمحاذاة حدودها الجنوبية.

كما رأت أنقرا أن تكثيف الولايات المتحدة وجودها العسكري في الشمال السوري يستهدف توفير الحماية للمشروع الكردي, وهو ينمو ويترسخ برعاية أميركية تامة.

في هذه المرة أيضاً نلاحظ أن الخطوة التركية جاءت رد فعل غاضباً على تلكؤ الاميركيين بإخراج الميلشيات الكردية من منبج, رغم الوعود المتكررة والاتفاق الثنائي لتسيير دوريات مشتركة, وتشكيل إدارة مدنية غير خاضعة للأكراد, فضلاً عن الشكوى المستمرة من تموين القوات الاميركية للمقاتلين الارعابيين بالسلاح المتقدم المحظور على الجيش السوري الحر, ورعاية المشروع الكردي الانفصالي كما قال وزير داخلية تركيا سليمان صويلو.

وذهب المحلل التركي عبد القادر سيلفي إلى أن الغرب منذ مائة عام يسعى لاقامة دولة كردية في هذه المنطقة, واتهم اميركا الآن بتنفيذ ما عجز عنه الغرب طوال قرن. ويعتقد الاتراك أن أميركا تحاول خداعهم وطمأنتهم الى دورها, في حين أن هدفها الحقيقي  تقسيم سورية, وإنشاء الكيان الكردي وفق الخطوات التالية:

ما الذي يستنتجه المحلل من هذه التشابهات والتطابقات..؟

الاستنتاج الرئيسي أن لدى تركيا في شمال سورية سيناريو تتطابق حلقاته. يؤكده أن أردوغان عندما أعلن شن الحرب على عفرين مطلع 2018 قال بوضوح إن الحملة متدحرجة, وستتواصل الى منبج, ثم تل أبيض والرقة, حتى تصل الى الحدود مع العراق. وتكرر هذا القول في تصريحات وبيانات القادة الأتراك منذ أول خطوة في ((درع الفرات)), و((غصن الزيتون)), وهو أمر منطقي, لأن تحرير أي منطقة في الشمال سيظل ناقصاً وضعيفاً إذا لم تكن المنطقة بأسرها آمنة ومستقرة.

وحسب مصادر على صلة بالعملية من المعارضة السورية في تركيا, فإن العملية المرتقبة ستشمل مدينة عين العرب, كبرى المدن التي يسيطر عليها الكرد شمال حلب, وتتواصل الى الرقة والطبقة, ثم الى أقصى الشرق, حتى يقضى على المشروع الانفصالي, ويعود السكان العرب الى أراضيهم.

 ويجمع المسؤلون والمحللون وأهل الرأي الاتراك كأمة, لا كدولة فقط , على مواجهة المخطط الاميركي - الكردي مهما كانت التبعات, لأنه يمس أمنهم ووجود دولتهم.

ويتساءل أحدهم: لقد قاومنا وأفشلنا هذا المشروع قبل مائة سنة وكنا ضعفاء, فهل سنقبله ونحن الآن أقوياء؟!

 ويقول آخر إن الأمة التركية بأسرها مستعدة للقتال ضد أي طرف أو دولة ترعى المشروع الكردي دفاعاً عن وجودها.

ومن الواضح أن تركيا تستخدم سياسة القبضة الفولاذية ضد مواقع المقاتلين الأكراد في الداخل, ثم في سورية, وكذلك في العراق, دون أن تبالي باعتراضات واستنكارات هذا أو ذاك من الأطراف بما فيها اميركا, وتدل المؤشرات على جدية التهديدات التركية في مواجهة الحليف الاميركي والعدو الكردي معاً!

واللافت للانتباه في السجال الأخير هو الاتهامات الجديدة التي وجهها مسؤولون أتراك رفيعون للأميركيين بإرسال مدربين وأسلحة الى مقاتلي جبل قنديل التابعين لحزب ((pkk)) وهذا الاتهام أخطر من الاتهام السابق بدعمهم للميلشيات الكردية في سورية. ويندرج في سياق التصعيد السياسي الذي يسبق التصعيد العسكري. وربما كان تصريح الرئيس التركي الذي كرره مشدداً على أن هجومهم القادم لا يستهدف القوات الأميركية التي تتداخل على الأرض مع القوات الكردية، ولكنه تصريح ((ملغوم)) ويشي بإيحاءات ماكرة حتى لا نقول تهديدات غيرسافرة !

المواقف وخفاياها:

تباينت مواقف الأطراف بطبيعة العملية التركية, ويمكننا تحديدها, كما يلي:

1 – الولايات المتحدة: رفضت العملية رسمياً, ولكن بهدوء, إذ اكتفت بتصريح للمتحدث بإسم وزارة الدفاع شو روبرتسون جاء فيه ((إن أي خطوة أحادية الجانب تقدم عليها الأطراف في المناطق التي تنتشر قواتنا فيها هو أمر غير مقبول)) .

كما صرح المندوب الأميركي الخاص للتحالف الدولي للحرب على ((داعش)) ماكغورك ((إن وجود تنظيم الدولة – ((داعش)) انخفض في سورية الى نسبة 1%, ولكن قواتنا لن تنسحب من هناك حتى ولو انتهت ((داعش)) نهائياًَ وستستمر في تدريب قوات الحماية الكردية)) .

هذا على المستوى الرسمي والعلني أما على المستوى غير الرسمي فالمعلومات تشير الى إن الادارة الاميركية أعطت موافقتها على العملية , في أثناء زيارة جيمس جيفري لتركيا, والتي انتهت قبيل إعلان أردوغان بيوم واحد فقط, مما أثار استفهامات كثيرة, أبرزها لماذا انتظر اردوغان حتى يصل جيفري؟ ولماذا انتظر حتى يغادر لإعلان الحرب..؟

 وللعلم يعد جيفري صديقاً وثيقاً للأتراك أكثر من أي مسؤول في الادارة الحالية.

وبحسب مصادر المعارضة السورية, شملت لقاءات جيفري مسؤولين أتراكاً ومعارضين من الائتلاف الوطني وخارجه. وقال لنا أحد الذين التقوه إن المحادثات تركزت على إنشاء ادارة مدنية جديدة في منبج بعد حل الادارة الحالية, المتهمة بالولاء لقوات الحماية الكردية و((قسد)). ما يشي باحتمال إبرام صفقة أميركية – تركية تسمح للقوات التركية بالتوسع شرقاً,على حساب الكرد, على غرار صفقة عفرين التي باركتها واشنطن سابقاً.

 وهناك قادة أكراد رجحوا هذا الاحتمال, لأن الجميع مقتنعون بأن أميركا لن تتنازل عن حليف بأهمية تركيا من أجل كسب الميلشيا الكردية!

2 – روسيا: حتى نهاية الاسبوع الماضي امتنعت روسيا عن إظهار موقفها صراحة من إعلان تركيا اعتزامها إطلاق عملية عسكرية ضد وحدات الحماية الكردية في شرقي الفرات. واكتفت المتحدثة بإسم الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا، بالقول إن لدى تركيا مواقفها الخاصة ، وهناك بعض المواقف المشتركة بيننا وبين أنقرة في سورية. وهي بذلك تكرر الموقف الاميركي من حيث غياب البيان الرسمي. والواقع إن هذا الصمت تعبير عن موافقة, ولا معنى آخر له.

 أما وسائل الاعلام التركية فنقلت عن محللين روس آراء تبرر العملية التركية بلا مواربة.

آمور جادييف مدير مركز الأبحاث المعاصرة صرح لوكالة ((الاناضول التركية)) الرسمية ((إن العملية التركية المرتقبة تستند الى أسس مقنعة تستهدف حماية الامن القومي التركي)) .

دينيس كوركودينوف مدير مركز التحليل الاستراتيجي والسياسي قال ((هدف العملية تعزيز المنطقة الحدودية وحماية الأمن القومي التركي من المنظمات الارعابية)) .

اندريه اونتيكوف - باحث أكاديمي -  قال ((تواجه تركيا خطر الارعاب, ولها الحق في الدفاع عن أمنها)) وأضاف: ((ولكن تركيا ستواجه خطر القتال على جبهتين, ادلب وشرق الفرات)).

وعلى الصعيد غير الرسمي ترشح معلومات كثيرة تتداولها أوساط المعارضة السورية توضح ما جرى, وتتحدث عن ( صفقة تركية - روسية ) ثمناً للتوسع التركي الجديد شرق الفران . وتقول مصادر المعارضة أن الأتراك وافقوا على تطبيع علاقاتهم مع نظام الاسد. وقد جاء تصريح وزير الخارجية جاويش أوغلو يوم الأحد الماضي ليؤكد ذلك ((إن تركيا على استعداد للتعامل مع الاسد, إذا فاز في انتخابات ديموقراطية)) ! .

 وجاء في المعلومات أن الصفقة تتضمن السماح لقوات الاسد بالعودة الى بعض المناطق التي ستتوسع فيها القوات التركية, على أن تكون القوات بقيادة روسية.

وهناك من أشار الى تسليم بعض المواقع في ادلب لقوات النظام مقابل موافقة هذا وحليفيه الايراني والروسي على التوسع التركي في شرق الفرات.

 الصحف التركية تعكس أجواء سياسية جديدة بخصوص المسألة السورية, إذ بدأت تتحدث عن نهاية الحرب في سورية, وعن مصالحة قريبة, برعاية محور آستانا ((روسيا وتركيا وايران)). كتب كورتولوش تابيز في صحيفة ((أكشام))  ((إن الظروف في سورية باتت ملائمة لتطبيق الحل السياسي ووضع دستور جديد وإجراء انتخابات, تطبيقاً لخارطة طريق أعدتها تركيا وروسيا وايران)) . ورأى الكاتب أن أميركا هي التي تعرقل اتمام الحل السياسي!

3 – نظام الأسد: لم يصدر موقف رسمي عن دمشق, كالبيانات التي كان يصدرها النظام تنديداً بأي انتهاك من جانب تركيا لسيادة الدولة السورية وأراضيها, ويطالبها بالانسحاب فوراً. هذه المرة لم يعزف النظام هذه المعزوفة المكررة, بل لاذ بالصمت, تاركاً لولي الأمر الروسي التصرف كما يرى.

 وقد ناشده القادة الكرد التدخل للدفاع عن السيادة السورية إن لم يكن يريد الدفاع عنهم, ولكن النظام لم يرد..!

4 - أوروبا: لم يصدر أي موقف رسمي عن أي عاصمة اوروبية بشأن العملية التي اعلن عنها الرئيس التركي, وهذا بحد ذاته موقف مريب. وحدها مسؤولة الشؤون الخارجية في الاتحاد الاوروبي فيديركا موغريني أصدرت السبت الماضي بياناً رسمياً, حذرت فيه انقرا من العملية العسكرية, وكررت بطريقة مريبة أيضاً ما قاله المتحدث باسم وزارة الدفاع الاميركية ((يجب على كل الأطراف تجنب العمل من جانب واحد))!.

 5 – المعارضة السورية: أصدر الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة بياناً رسمياً جاء فيه ((إننا نعمل مع حليفنا التركي لتحرير كل المناطق من سيطرة القوى الارعابية)) وأضاف ((كل فصائل الجيش السوري الحر مستعدة للتعاون مع الجيش التركي والمشاركة في العملية المرتقبة)) .

أما على المستوى غير الرسمي للمعارضة فظهرت مواقف تنتقد المشاركة في العملية التركية, بل وتندد بها , لأنها ((معركة تركية بإمتياز)) ولا مصلحة للشعب السوري بها, لأنها تعمق الهوة وتزرع العداء بين السوريين. وذهب آخرون الى أنها حرب تعكس أطماعاً تركية في الأراضي السورية, تتكاثر الأدلة عليها.

وعلى صعيد آخر ذكرت وكالة ((الأناضول التركية)) الرسمية أن بعض المسؤولين الاميركيين أرسلوا الى ((الائتلاف)) رسالة تحذير وتهديد إذا شاركوا  في العملية التركية, لأنها تعني مشاركة في حرب ضد ((القوات الأميركية)). وطلبت الرسالة من المعارضة السورية الابتعاد عن العملية التركية قائلة لهم ((حين ترقص الفيلة عليك أن تبتعد عن الساحة))!

6 – الأكراد: يهاجم القادة والسياسيون الأكراد الدول التي كانت تؤيدهم ثم تخلت عنهم. وفي مقدمتها روسيا, لأنها انحازت ضدهم لتركيا. وهاجموا نظام الأسد لأنه لم يستجب لنداءاتهم ومبادراتهم للتعاون معاً لصد القوات التركية, والدفاع عن سيادة الاراضي السورية. ويرون أن صمت النظام يدلل على وجود صفقة بين الأطراف الأربعة ((روسيا, وايران, وتركيا, والاسد)).

ويسود الأوساط الكردية، عموماً شعور بالمظلومية والاحباط, وقلق من المستقبل, وهم يتهمون الجميع بمن فيهم الاميركيون بالتضحية بهم على مذبح المصالح, رغم الوعود والعهود التي تلقوها منهم طوال أعوام!