2018-12-14 16:33:26

احتجاجات حركة ((السترات الصفر): ثورة فرنسية جديدة.. أم انتفاضة؟ / بقلم: محمد خليفة

احتجاجات حركة ((السترات الصفر): ثورة فرنسية جديدة.. أم انتفاضة؟ / بقلم: محمد خليفة

احتجاجات حركة ((السترات الصفر): ثورة فرنسية جديدة.. أم انتفاضة؟ / بقلم: محمد خليفة

 

مرة أخرى يؤكد الفرنسيون ريادتهم الثورية, وأنهم أكثر الشعوب الأوروبية حيوية, وغالباً ما تفيض ثوراتهم عن حدود بلادهم, وتنعكس آثارها على أوروبا والعالم .

 تاريخهم الحديث وتراثهم الاجتماعي والسياسي يثبتان ريادتهم: ثورة 1789 كانت وما زالت أم الثورات الديموقراطية في أوروبا التي قوضت حكم الكنيسة في العالم, وأنهت حكم الأباطرة والملوك المطلق بعد أن حزت رقاب عدد غير قليل منهم بالمقصلة نفسها التي كانت تقطع رقاب الشعب على مدى قرون.

 وثورة 1871 ألهمت اليسار بتجربتها المميزة ((كومونة باريس)). وثورة 1968 حركت الشباب والطلاب في العالم.

 وانتفاضة 2005 تحد مبكر للتوحش اليميني الراسمالي, وللفساد السياسي.

هذه الحقائق تفرض نفسها وتحضر بقوة مع انتفاضة الفرنسيين في وجه رئيسهم ايمانويل ماكرون الذي لم يكمل العام الثاني من ولايته, وتراجعت شعبيته حتى وصلت الى 21% فقط, أي أقل من أي رئيس سابق بهذه السرعة.

قد يكون من المبكر اطلاق صفة الثورة  عليها, ولكنها في كل الأحوال انتفاضة شعبية عارمة, جذبت مئات ألوف المحتجين على مدى أربعة أسابيع , وامتدت للمدن الكبرى: مارسيليا, ليون, تولوز. كما وصلت شرارتها بالطابع واللون نفسه الى بلجيكا, وهولندا, وتنذر بالامتداد الى المانيا وإيطاليا واسبانيا, ويخشى أن تتداعى نتائجها فتهدد مشروع الوحدة الاوروبية.

 وبصرف النظر عن نتائجها النهائية, ومدى نجاحها أو  فشلها  فقد أجبرت حكومة ادوار فيليب على مراجعة سياستها الاقتصادية التي اشعلت الغضب في الشارع, ولا سيما سياسته الضرائبية, وهددت بقاء الرئيس في الاليزيه, وحطمت صورته غير النمطية كسياسي شاب ظهر من خارج الوسط الحزبي التقليدي, وقفز الى المنصب الأول في الدولة, وأشاع موجة تفاؤل واسعة, سرعان ما خسرها, وحلت محلها خيبة مرة, تجلت في تركيز هتافات المحتجين عليه شخصياً , تطالبه بالاستقالة, كما فعل الرئيس ديغول قبل نصف قرن ((1968)) رغم زعامته الكاريزمية التي لا يختلف عليها الفرنسيون.

ولا يبدو حتى اللحظة أن الرئيس مستعد لتلبية مطلب الشارع منه, بل يبدو أنه مصر على البقاء ومواصلة سياسته الاقتصادية التي أغضبت الشارع, فهو أعلن ((تجميد)) الضرائب المرفوضة, ولم يعلن الغاءها, ما يعني أنه يتجه الى التحدي واستعمال القوة, كما فعل الرئيس ساركوزي عام 2005 ضد المحتجين.

 وما يؤكد هذا الاتجاه لجوؤه  الى استخدام هراوة الشرطة لقمع المتظاهرين, وعندما تمكنت هذه من السيطرة على الشارع يوم السبت الماضي 8 كانون الأول/ ديسمبر الحالي وجه الرئيس الشكر للشرطة على ((الانتصار)) بدل أن يوجه خطاباً يطمئن الشعب ويعده بالعمل على تلبية مطالبه المحقة. ويحمل هذا الموقف على الاعتقاد أن ماكرون سيمضي في المواجهة مع الشعب الى نهايتها, لا سيما أن المحللين متفقون على أن الانتفاضة هشة وضعيفة, ولا يمكنها الاستمرار, ولا تشكل تهديداً للرئيس وحكومته .

 فما صحة هذه النظرة..؟  وما طبيعة هذه الانتفاضة.. ؟ وهل تستمر وتتصاعد أم تنحسر وتخمد..؟  وفي أي سياق محلي وعالمي تندرج؟

حركة من نوع جديد:

في فرنسا حركات سياسية عريقة وراسخة, ذات جذور اجتماعية عميقة, ولها قدرة على التأثير الاقليمي والعالمي.

 فالحركة الاشتراكية الديموقراطية كان مركزها الدولي في فرنسا, والحزب الشيوعي الفرنسي كان أول حزب يتمرد على الهيمنة السوفياتية, ويؤسس نهجاً أوروبياً وتاريخياً تحررياً للشيوعية الاوروبية الديموقراطية في سبعينيات القرن الماضي.

 وعلى اليمين كانت في فرنسا حركة سياسية ليبرالية وديموقراطية تمثلها الحركة الديغولية.

ولا بد من الإشارة الى الحركة النقابية الفرنسية, ودورها التاريخي في قيادة النضالات العمالية الاجتماعية, والسياسية. 

 ولكن رغم الدورين المذكورين للأحزاب والنقابات فإن الانتفاضة الشعبية الأخيرة لم تأتِ من أي منهما, بل إن الأحزاب كافة رفضت المشاركة في الاحتجاجات, واقتصر موقفها على دعم مطالبها.

إذن فمن حرك التظاهرات الغاضبة الحاشدة طوال شهر كامل – حتى الآن -..؟

في العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي، أطلق اريك درويه, وبرونو لوفيفر وهما سائقا شاحنات من منطقة سين-إي-مارن شرق باريس، دعوة على موقع ((فايس بوك)) لشل الطرقات في 17 تشرين الثاني/نوفمبر.

 ومن ناحية ثانية أطلقت بائعة مواد تجميل في بلدة سافيني لوتومبل عريضة على ((الإنترنت)) تندد برفع أسعار الوقود, فجمعت أكثر من 800 ألف توقيع حتى الآن, مما يعكس اتساع أعداد المتذمرين من سياسة ماكرون الاجتماعية.

وبعد ثمانية أيام من بداية الدعوات على مواقع التواصل، بثت سيدة تدعى جاكلين مورو شريط فيديو يدعم حركة ((التمرد)) فسجلت ستة ملايين مشاهدة، حسب تقديرات وسائل الاعلام. ثم توسعت حركة الاحتجاج  لتعم الاراضي الفرنسية، ضد السياسة الاجتماعية لحكومة إدوار فيليب, وتضع ماكرون أمام أول تحد حقيقي, كشف عن انهيار قياسي في شعبيته كرئيس للجمهورية.

واستناداً لما ذكره راديو ((RTL)) على موقعه فقد تمكنت الاستخبارات الفرنسية من تحديد هوية الأشخاص الذين بادروا ثم نسقوا أول مرة لإغلاق الطرقات، وهم: ثمانية مواطنين, خمسة ذكور, وثلاث نساء, يسكنون في ضواحي باريس القريبة, تتراوح أعمارهم بين 27 و35 عاماً.

وأضاف الراديو إنهم بلا نشاط سياسي محدد ومعروف, ولا صلة لهم بأي مجموعة متشددة. وأشار إلى أنهم يعشقون السيارات!.

استجاب عدد كبير من المواطنين للمبادرة. ثم اتضح للاستخبارات انهم غير مسيسين, وهو شيء غير معهود على الاطلاق. ثم تجددت الدعوة على وسائل التواصل الاجتماعي بالطريقة  نفسها للتظاهر يوم السبت العاشر من تشرين الثاني/ نوفمبر فاستجاب عشرات الألوف. وتميز المشاركون بارتداء ((السترات الصفراء)), فأطلقت وسائل الاعلام عليهم مصطلح ((حركة السترات الصفر)) لتعميدها كقوة سياسية جديدة.

ثورة أم انتفاضة ؟:

 وعلى هذا فهي أول حركة شعبية تولد من رحم وسائل التواصل الاجتماعي. وتتميز بأنها جسم هلامي, تفتقد للهيكل التنظيمي, وللقيادة, أو لزعيم أو رمز. وهي بلا خلفية حزبية أو ايديولوجية، وتعتمد على طاقات بشرية متنوعة, منفصلة عن بعضها بعضاً, تتحرك على مواقع التواصل الاجتماعي.

بعبارة أخرى يمكن وصفها بأنها أول حركة شعبية وسياسية (افتراضية) بامتياز.

 وإذا كانت هذه السمات تشكل نقاط ضعف بنيوية, فهي في نظر السلطات الأمنية نقاط خطر, لأنها تزيد من صعوبة احتوائها, أو حتى مراقبتها, أو التعامل معها. فكيف يمكن للأجهزة الأمنية, أو حتى للمسؤولين السياسيين, التفاوض والتواصل معها لإبرام اتفاق أو تفاهم, وتلبية مطالبها, وخصوصاً عندما ينفلت حبل الأمن.. ؟! ومن يتحمل المسؤولية عما يقع من خسائر عندما تتظاهر..؟؟

والسؤال هنا: ما طبيعة التكوين الاجتماعي والطبقي لهذه الحركة الجديدة؟ وما الذي يحركها ؟

والمعروف أن الحركة تضم خليطاً شعبياً غير متجانس, من اليمين واليسار والمستقلين والمتطرفين والمعتدلين, وسكان المناطق الأقل ازدهاراً, يجمعهم شعور بالغضب من السياسة الضرائبية الجائرة وغير المتوازنة بين الفقراء والأثرياء. وما يسميه الرئيس ماكرون وحكومته سياسة اصلاح اقتصادي وبيئي, يراها هؤلاء سياسة ((نيوليبرالية )) متوحشة ومبرمجة, تلبي جشع رجال المال والتجارة والصناعة المصارف, إذ تخفف الضرائب عنهم, وتلقي بها على كاهل الطبقات المتوسطة والفقيرة من العمال والفلاحين والموظفين والمتقاعدين.

 ويرى المعارضون أن ماكرون ذو خلفية مصرفية جاء للسلطة من قلب الفئات الارستقراطية, لينفذ برنامجاً اجتماعياً معادياً لحقوق العمال والفقراء, مستغلاً غروب الأفكار والحركات الاشتراكية وضعف النقابات, وتصاعد اليمين القومي المتطرف الذي يسعى للانسحاب من الاتحاد الاوروبي, والتراجع أيضاً عن المكتسبات والمزايا الاجتماعية التي حققتها النضالات المطلبية في النصف قرن السابق.

 ويرى المعارضون أن ماكرون وفيليب يجدان في المناخ اليميني والنيوليبرالي العالمي, وخصوصاً في أميركا الترامبية, وبريطانيا والمانيا وهولندا بيئة مناسبة لتحقيق برنامجهم المدمر للطبقات الوسطى والفقيرة.

وعلى هذا فالغضب والنزول للشارع لم يكن رد فعل على إعلان حكومة إدوارد فيليب عزمها رفع الرسوم على المحروقات للمرة الثانية مع بداية العام الجديد بمقدار 6,5 سنتيماً من اليورو للتر الفيول و 2, سنتيماً للتر البنزين, وإنما كان رد فعل على سياسات العهد كافة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي, حيث قاربت البطالة 10% مما يعكس الأزمة التي يعيشها الشباب خصوصاً, كما يعكس انهيار أضعف شرائح الفقراء, ككبار السن والمتقاعدين , إذ باتوا عاجزين عن تلبية حاجياتهم الضرورية, للمرة الاولى منذ سبعين سنة.

لهذه الاسباب تصاعدت حركة ((السترات الصفراء)) أفقياً وعمودياًَ لتنتشر كالنار في الهشيم, واستقطبت شرائح اجتماعية متزايدة, يوحدها الغضب فقط, بدون تنسيق ولا ضوابط محكمة, وترفع قائمة من المطالب تصل الى 40 مطلباًَ.

ويقول بعض المحللين إن ما فاقم من حدة الامتعاض الشعبي تجاهل الرئيس لكل مؤشرات وعلامات التذمر على غلاء المعيشة, وأظهر  بلادة واستخفافاً بشكاوى المواطنين, وحاول القاء اللوم عليهم, أكثر من حكومته, متذرعاًَ بضرورة معالجة أزمة المناخ التي تهدد مستقبل العالم, واستفز المواطنين تصريحه اللامبالي ((أنا ادرك حجم المعاناة الاجتماعية وأتفهم سبب التظاهر)) ولكن دون أي التزام أو وعد بتخفيف الأعباء ومراجعة سياسته. ولم تزد محاولات حكومته لإسترضاء الناس عن تقديم مساعدات مالية للطبقات الدنيا بقيمة 500 مليون يورو,  لتمكينها من مواجهة الزيادات المرتقبة في مجال الطاقة.  

بهذه البلادة بدا ماكرون ووزيره الأول كأنهما يسكبان البنزين على النار لتزداد اشتعالاً, وهو ما أكدته فعلاً المواجهات التي وقعت في الأسبوعين الماضيين ((1 و8 تشرين الثاني/ نوفمبر الماضي)) ورفعت حجم العنف وقوة المجابهة, حيث اوقفت الشرطة نحو الفي متظاهر وأوقع التخريب أضراراً  بمئات الملايين في شارع الشانزليزيه الشهير, وأصيب زهاء مائتي جريح. وأخذت هتافات المحتجين طابعاً شخصياً ركز على الرئيس صارخة (( ارحل)) على طريقة الشعب المصري في هتافه ضد الرئيس السابق مبارك عام 2011 وحاول المتظاهرون الوصول الى قصر الإليزيه لدعوته للخروج منه!

 وعكست الصحف الفرنسية هذا الطابع في عشرات المقالات ورسوم الكاريكاتير التي صورت الشعب يركل ماكرون بأقدامه, ويسقطه من فوق قوس النصر, وتصفه بأنه ((ديكتاتور تحت التمرين)) !

وعلى الرغم من رفض كافة الاحزاب المعارضة المشاركة علناً في حركة الاحتجاج، إلا أن أكبر أحزاب اليمين ((الجمهوريون)) واليمين المتطرف ((التجمع الوطني)) إلى أقصى اليسار الراديكالي ((حزب فرنسا الأبية)))- أعربت عن دعمها لها.

وبعد شهر من بدئها أصبحت المواجهة تحدياً مستمراً يدور على جولات اسبوعية, جولة لهذا الطرف, وجولة للطرف الآخر. وأخذت أبعاداً أخطر على كل المستويات, فقد وصفها وزير المالية بأنها باتت ((كارثة اقتصادية)), وعلى الصعيد الاجتماعي وصلت الاحتجاجات الى إضراب طلاب 300 مدرسة تقريباً , واستخدامهم للعنف والسلاح ضد الشرطة , ورد هذه عليهم بعنف اقوى , بدون مراعاة لسنهم الصغير. ومن ناحية أخرى أكدت الشرطة اعتقال أربعة رجال فرنسيين ينتمون لليمين المتطرف خططوا لاغتيال ماكرون.

 ولا يمكن التكهن منذ الآن أي مسار ستأخذه الاحتجاجات, وأي نهاية, فالجولة الأخيرة التي يعتقد ماكرون أنها حسمت لصالحه وتؤهله للتفاوض من موقع قوة (!) يتوقع محللون أن تستفز الشارع أكثر, بسبب تصرف ماكرون وكأنه ((منتصر))!

ويتوقع المحللون أن تواصل حركة ((السترات الصفر)) احتجاجاتها في الأسبوع القادم, فترفع درجة التحدي مع الرئيس الذي أظهر برأي هؤلاء المحللين ((قلة خبرة وحنكة)) خطيرة, وقد تفاقم الأزمة العامة في البلاد إذا تمسك بسياسته, وأقدم على خطوة تصعيدية أو متهورة كحل البرلمان مثلاً. ولا يستبعد المحللون أن يجبر الشارع الرئيس على الاستقالة إذا لم يتراجع عن أخطائه, كما فعل ديغول رغم أن هذا كان زعيماً قوياً أضعاف قوة ماكرون .

العولمة والنيوليبرالية:

الحدث الفرنسي ليس معزولاً عن محيطه القريب, والبعيد, بدليل امتداده السريع الى بلجيكا, وهولندا. وهناك تحذيرات جدية من احتمال امتداده الى المانيا, ودول أخرى في الاتحاد الاوروبي, نظراً لتشابه الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 وهناك أزمات مشابهة في كثير من الدول الغنية والمتوسطة كالبرازيل والولايات المتحدة وأندونيسيا وروسيا, تعود أسبابها الرئيسية الى عودة القوى الرأسمالية الى الطغيان والتوحش بسبب تراجع قوى اليسار والاشتراكية واختلال التوازن بين القوى والطبقات في كل دولة, وعلى المستوى العالمي, وتراجع أنظمة الحماية الاجتماعية, ودور ((الدول الوطنية)). وهي سياسات بدأت تفرض نفسها في أوروبا منذ عهد مارغريت تاتشر في بريطانيا قبل ثلاثة عقود, وصولاً الى ترامب في أميركا حالياً, وسميت بالليبرالية الجديدة, أو مرحلة ما بعد الليبرالية, التي نشرت سياسة الخصخصة, وأطلقت العنان لقانون السوق ومفاعيله  بلا رقابة ولا ضوابط.

 وقد ساعدت التحولات العالمية والتاريخية على هذه الانتكاسة, وخصوصاً موجة التغييرات التي صاحبت أو نتجت عن ((العولمة)) التي حطمت الحدود وخلقت فضاء عالمياً متصلاً, وفتحت الأسواق العالمية أمام القوى الرأسمالية والأمبريالية القوية, وحدت من وظيفة ((الدولة)) في حماية المصالح الوطنية, وحفظ التوازن الاجتماعي الداخلي, ورعاية الفقراء وحقوق الطبقات العاملة من تغول الأغنياء والأقوياء  وانتقال الشركات الوطنية الأساسية بما فيها الصناعات الاساسية لملكية شركات أجنبية, مما يمكنها من التحكم بأساسيات الأمن الاجتماعي والقومي للشعوب والدول الأقل قوة.

 ويساهم أيضاً في ذلك تفشي الفساد وغياب الرقابة والمحاسبة والتهرب الضريبي واستفحال ظاهرة الاقتصاد الأسود, وضعف القانون.. إلخ .

في السنوات القليلة الاخيرة أخذت نتائج تلك التحولات السلبية الخطيرة بالظهور والتراكم, فهددت الطبقة المتوسطة التي تمثل صمام أمن الاستقرار, وأضعفت أكثر الطبقات الفقيرة, مما سبب العديد من الهزات والزلازل الاجتماعية والكوارث, بسببب عامل مشترك هو فقدان التوازن الاجتماعي في دول غنية ودول متوسطة وفقيرة , أي بلا استثناء , من البرازيل وفنزويلا الى اندونيسيا , ومن روسيا الى بريطانيا وفرنسا, ومن آسيا الى أفريقيا.

 وكان للدول الأوروبية نصيب وافر منها, وفي مقدمها اليونان التي تعرضت لافلاس اقتصادي, وانهيار اجتماعي كامل, لولا سرعة النجدة الأوروبية السخية.        

وتواجه أوروبا حالياً مجموعة من التحديات التي قد تبدو متفرقة ولكنها في الواقع متصلة ومتداخلة, فهي تواجه خطر الجنوح الى الصعيد السياسي, كما تواجه خطر التغول الليبرالي والرأسمالي على الصعيد الاجتماعي, وتواجه خطر التفكك والانقسام, وفشل مشروع الوحدة الاوروبية.

 ولأن فرنسا ((مع المانيا)) هي القاعدة الرئيسية للاتحاد الاوروبي فإن ما يحدث فيها حالياًَ, وإن بدا شأناً داخلياًَ, ينطوي على أخطار أكبر ومضاعفة, ذات أبعاد أوروبية, لأنه لا بد أن ينعكس على سائر الدول الأعضاء في الاتحاد الاوروبي, فصعود اليمين المتطرف الى السلطة سيشكل كارثة حقيقية حتماًَ بالنسبة لمستقبل الجميع داخلياً واوروبياً, ولا بد أن يؤثر على دور فرنسا العالمي بسبب اتساع هذا الدور في افريقيا والشرق الأوسط والعالم.