2018-11-30 15:55:59

في ((الجمعة السوداء)) : اغتيال الاعلامي السوري الأشهر عالمياً / بقلم محمد خليفة

< >

في ((الجمعة السوداء)) : اغتيال الاعلامي السوري الأشهر عالمياً / بقلم محمد خليفة

 

للأسف حدث ما كان متوقعاً منذ سنوات, نالت رصاصات الغدر والإجرام من أبرز ناشطين اعلاميين على الاطلاق في الثورة السورية, رائد الفارس وحمود الجنيد, يوم الجمعة الماضي, وأردتهما قتيلين في بلدتهما كفرنبل.

من الجاني, أو الجناة..؟

لا أحد يعلم حتى اللحظة أسماءهم الشخصية, وربما تبقى مجهولة للأبد, ولكن ((الجهة)) المدبرة معروفة لسكان البلدة بالهوية أو الصفة, أو على الأقل هذا هو اتهامهم الذي يسددونه بالاجماع الى ((عصابة الجولاني)) بكل اسمائها المتداولة, ((هيئة تحرير الشام)), أو ((جبهة النصرة)), أو ((الفرع السوري لتنظيم القاعدة)). ومن سواها, وهي القوة الأمنية والعسكرية الرئيسية التي تقبض بكلتي يديها العسكرية والأمنية على خناق المدينة, وتبسط سلطانها السياسي والإداري الفعلي على الأرض والسكان في كامل محافظة ادلب,  بشكل عام, وفي بلدة كفرنبل بشكل خاص, منذ ثلاث سنوات 2015 بعد تحريرها من قوات النظام, وتتحكم بكل شؤونها, مدينة وريفاً, مثلما كان تنظيم ((القاعدة)) الأم يدير في الماضي كابول, أو بيشاور, أو تورا بورا.. !

وما يدعم اتهام الأدالبة الجماعي للنصرة بقيادة الجولاني أن الجريمة الخطيرة تمت حسب ((التوقيت الشرعي)) ! .. أي أن المدبرين اختاروا لحظة صفر مناسبة , تنم عن دراية , حيث يكون أهالي البلدة في مساجدهم, يصلون الجمعة, مما يتيح لهم ارتكاب جريمتهم, ثم الفرار دون أن يلاحظهم أو يلاحقهم أحد!

وهذا ما حدث فعلاً. حين وصلت سيارة (فان)) تحمل مجموعة  مسلحين ملثمين يخفون وجوههم القبيحة الى محاذاة سيارة صغيرة يستقلها المغدوران. ترجل منها المسلحون بسرعة, وأطلقوا وابلاً من الرصاص على المقعدين الأماميين, حيث يجلس الشهيد رائد الفارس ورفيقه حمود الجنيد, فأصابوهما اصابات قاتلة, ثم انطلقوا فارين بسيارتيهما. كانت الساعة تقارب الواحدة ظهراً, حسب التوقيت المحلي لكفرنبل, العاصمة الرمزية دائما للثورة السورية, منذ أول أيامها, حتى يومنا هذا, بلا منافس ينافسها على مكانتها وتظاهراتها ولافتاتها الرائعة التي يعدها رائد ويشرف بنفسه على حملها في التظاهرات الأسبوعية كل يوم جمعة, وطريقة إبرازها أمام عدسات المصورين والمراسلين الذين ينقلونها للعالم .

ينقل مراسل قناة ((اورينت)) في البلدة عن أحد الأهالي قوله: كنا نصلي الجمعة في المسجد, وكنا في الركعة الثانية عندما سمعنا إطلاق نار, ومع أن سماع صوت الرصاص شيء مألوف في القرية, فإننا توجسنا خيفة, وما كدنا أن ننهي الصلاة حتى باغتنا الخبر الأليم: مجهولون اغتالوا رائد الفارس ورفيقه حمود الجنيد, أبرز واشهر اسمين في كفرنبل, وأشرف ناشطين إعلاميين خلال سنوات الثورة الثماني, على المستوى الوطني, وأكثر إسمين برزا واشتهرا في العالم من بين أسماء الناشطين السوريين.

يكاد المجرم المريب أن يقول خذوني. فقد درس الظروف وأعد خطة محكمة وسهلة, واختار بذكاء ((لحظة الصفر)) بينما أهل البلدة في المساجد يقفون بين يدي الله خاشعين, وشوارع البلدة فارغة, وأعين الشهود غائبة عن المكان, ويمكن للفاعلين التواري بسرعة بعد العملية.

 شاء القدر أن تقع الجريمة في ما يسمى بـ((الجمعة السوداء)) في العالم المترف, حيث تزدحم الأسواق بالجماهير, مستغلين فرصة التنزيلات, لشراء ما يحتاجونه من ملابس وسلع جميلة استعداداً للاحتفال بالأعياد نهاية الشهر القادم!.

من هما المغدوران..؟

علمان بارزان على المستويين المحلي والدولي, وأكثر إسمين ارتبطا بفعاليات الثورة السورية المدنية والسلمية، ذاعت شهرتهما عبر العالم. وما يؤكد ذلك أن خبر مقتلهما وصل بسرعة البرق الى أقصى الأرض, ونعتهما رسمياً وزارتا الخارجية الأميركية والبريطانية بعد دقائق. كما نعتهما صحيفة ((واشنطن بوست)), وتبعتها ((الغارديان)), وبقية الصحف الغربية.

ونشرت سفارة الولايات المتحدة في دمشق على صفحتها في ((فايس بوك)) بياناً صادراً عن ممثل وزير الخارجية الخاص للتواصل بشأن سورية، السفير جيم جيفري، والمبعوث الخاص لسورية، جول رايبورن، حول اغتيال الفارس وجنيد. وأعرب البيان عن الحزن العميق لاغتيال الناشطين اللذين ((ساهما في نقل طموحات الشعب السوري في نضاله من أجل التحرر من قوى الطغيان والباطل)).

ووصف البيان الفقيدين بأنهما ((رمزان من رموز الثورة السورية, ومن خيرة الشباب)) وذكر أنهما ((من أوائل الثوار الذين سخّروا إبداعاتهم ومهاراتهم لخدمة قضيتهم وأمتهم)). وأكد البيان أن ((العالم سوف يبقى يتذكر لافتات الفارس الشهيرة في كفرنبل، وستبقى لقطات حمود شاهدًا إلى الأبد على الجرائم التي اقترفها نظام بشار الأسد بحق الشعب السوري)).

من جهته قال الممثل البريطاني الخاص لسورية مارتن لونغدن، عبر حساب وزارة الخارجية في ((تويتر)) ((إن الفارس كان ضمير الثورة ومقتله خسارة لسورية)).

 وقال ((نيابة عن الحكومة البريطانية، أبعث بالتعازي إلى عائلة رائد وأصدقائه وللشعب السوري)) . وأما صحيفة ((واشنطن بوست)) فعنونت مقالاً لها عنهما بعبارة ((أحد النشطاء الأكثر شهرة في سورية أغتيل في معقل الثوار)).

وسلطت صحيفة ((الغارديان)) الضوء على اغتيال الفقيدين، وعنونت مقالتها بعبارة ((اغتيال الناشط السوري رائد الفارس في إدلب)).

كما دان الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية مقتل الناشطين, مشيراً بأصابع الاتهام إلى النظام السوري والفصائل المتشددة. وجاء في بيانه: ((استهدفت هذه الجريمة المدانة مكاناً عزيزاً في قلب الثورة السورية، خصوصاً في ظل ما تمثله مدينة كفرنبل في ضمائر السوريين، باعتبارها واحدة من رموز الثورة السورية عبر نشاطاتها المدنية والسلمية, ولافتاتها التي عبرت عن تطلعات الشعب السوري على مدار سنوات)).

ولاقى اغتيال الفارس وجنيد، ردود أفعال من قبل صحافيين وناشطين سوريين كثيرين حملت المسؤولية لجبهة النصرة عن الجريمة البشعة . واعتبر أحد الذين اتصلت بهم ((الشراع)) إنه لا فائدة من توزيع الإتهام بين النصرة ونظام الاسد, فكلاهما واحد في ما يقومان به, فالنصرة ذراع الاسد الضاربة! .

 وودعت جماهير كفرنبل فقيديها الى مثواهما الأخير في جنازة مهيبة تشبه تظاهرات الجُمع الأسبوعية, وارتفعت فيها التكبيرات المؤثرة, وعبارات الاستنكار للجريمة, وهتافات الاصرار على متابعة الثورة حتى النصر.

والمعروف أن رائد الفارس كان يدرس الطب, ومع اشتعال الثورة ترك الجامعة والتحق بالعمل الاعلامي لصالح الثورة, منذ يومها الأول, وتميز بموهبته الفنية التي لم تكن ظاهرة قبل الثورة, وبتعليقاته السياسية النفاذة التي تستبطن سخرية حادة من مواقف الدول , والتي كان يكتبها باللغتين العربية والانجليزية على لافتات تحمل توقيعه من مدينة كفرنبل, مما أتاح لها عبور حاجز اللغة والوصول الى العالم حيث استقبلت بحفاوة كبيرة, لأنها عزفت على أوتار محددة لم تتغير مع السنين, ورغم التقلبات التي مرت بها الثورة, وتغير الظروف والقوى المسيطرة على الساحة:

بمرور الوقت غدت رسوم وتعليقات رائد فناً سياسياً ملازماً للثورة وللحراك المدني الاسبوعي, واكتسبت بلدته ((كفرنبل)) شهرة عالمية, لأنه حرص دائماً على كتابة اسمها في كل لافتة أو لوحة. وعرضت اللوحات في معارض كثيرة في العواصم الغربية, من ستوكهولم الى مدريد ومن باريس الى واشنطن, ولاقت إعجاباً واستحساناً واسعين, وكتبت عنهما الصحف الكبرى, وأجرت القنوات العالمية مقابلات مع الفنان الراحل حول تجربته الفنية والثورية.

وبرز مع الفارس زميله وصديقه وابن بلدته المصور والناشط الحقوقي حمود الجنيد, وشكلا معاً ثنائياً فريداً وشهيراً, مثل الثنائي الاعلامي الذي جمع المراسل الصحافي هادي العبدالله وزميله المصور خالد العيسى. فقد زاول كل من الفارس وجنيد جميع نشاطاتهما معاً, وكانا يفكران معاً, ولا يكاد أحدهما يفترق عن الآخر, حتى اللحظة الأخيرة من حياتهما, حيث استهدفهما الجناة معا ما يدل أن قرار القتل كان يستهدفهما معاً, فرحلا في لحظة واحدة, ودفنا في قبرين متجاورين. على عكس حالة الثنائي الآخر هادي العبدالله وخالد العيسى اللذين استهدفهما مجرمو ((عصابة النصرة)) في منزليهما في حلب يوم 16 حزيران/ يونيو 2016 في ذروة القتال بين الثوار المدافعين عن المدينة, والغزاة الروس والايرانيين. وقام الجناة بنسف المنزل, فانهار على الناشطين, مما أدى لمقتل خالد العيسى, وإصابة هادي إصابات خطيرة, وأجريت له عدة جراحات ناجحة أنقذته.

والجدير بالذكر أن الناشطين الأربعة كانوا يتعاونون, إضافة لكثير من الناشطين الحقوقيين والإعلاميين والسياسيين, أبرزهم الحقوقي ياسر السليم الذي اعتقلته ((النصرة)) في ايلول/ سبتمبر الماضي, فقام الفارس وجنيد بتحركات فاعلة حركت الشارع ضدها, مما اضطرها للافراج عنه تحت ضغط الحملة الاعلامية التي قادها الفارس وجنيد. ويرى بعض الناشطين الذين اتصلت بهم ((الشراع)) أن الحادثة التي مثلت الجولة الأخيرة في صراع الثنائي مع ((النصرة)) هي السبب المباشر لقتل الاثنين اللذين أصبحا عبئاً ضاغطاً, ومصدر تحريض عليها.

والجدير بالذكر أن رائد الفارس أسس منذ عام 2012 محطة راديو ((فريش FM)) جمع فيها الطاقات الاعلامية والثقافية الشابة في المنطقة, ممن  تفجرت مواهبهم الابداعية في خضم الثورة, واجتذب الراديو قطاعاً كبيراً من الجمهور المحلي, لأنه يبث على الهواء, وينقل أخبار ما يقع في ادلب فورياً, ولا سيما أثناء المعارك والغارات, وينقل أيضاً الجرائم والانتهاكات لحقوق الانسان. ولذلك تعرض رائد الفارس لمحاولة اغتيال عام 2014 لم تعرف الجهة المتورطة, كما تعرض للاعتقال من استخبارات النصرة عام 2016, وجرى التحقيق معه, واستدعاؤه مراراً, وتلقى تهديدات متكررة بإسكات إذاعته, إذا واصلت انتقاد النصرة وسيطرتها وانتهاكاتها. وعلى إثر ذلك تلقى عدة دعوات من دول غربية للانتقال اليها خوفاً على حياته, ولكنه رفضها وتمسك بالبقاء وأداء رسالته الاعلامية والسياسية. كما أسس ((اتحاد المكاتب الثورية في مدينة كفرنبل)). وكانت له مبادرة أخرى لتشجيع ودعم نشاطات المرأة في الثورة والحراك المدني.

أما صديقه ورفيق نضاله حمود الجنيد فكان في طليعة المصورين والناشطين الحقوقيين الذين وثقوا بالصورة والمعلومة الجرائم والهجمات وأعمال القصف والقتل والاعتقال من كل الاطراف في ادلب. وعمل في راديو ((فريش)) مع الفارس, ومع الاعلاميين هادي العبدالله وخالد العيسى, والمحامي ياسر السليم.

ادلب: مدينة الاغتيالات

لا بد من الإشارة إلى أن اغتيال رائد وحمود يحدث بينما تشهد محافظة ادلب بأسرها موجة اغتيالات متصاعدة, بدأت منذ سيطرة ((النصرة)) على المدينة وريفها. ويقدر الناشطون عدد الذين طالتهم جرائم الاغتيال بحوالى ألف شخص عسكري وسياسي وإعلامي وديني من كل الفصائل, ترجع الى الصراع المحتدم منذ ثلاث سنوات بين هذه الفصائل للسيطرة على المحافظة, وخصوصاً بين الفصائل الإسلامية الكبيرة: ((النصرة)), ((تنظيم الدولة – داعش)), و((أحرار الشام)) , و((جند الأقصى)), و((الزنكي)), و((أنصار الدين)), وأخيراً ((الجبهة الوطنية للتحرير)) , وقد وقعت عمليات اغتيال متبادلة , وهجمات من كافة الاطراف , لا سيما بعد أن اتفقت تركيا وروسيا على انسحاب ((النصرة)) من منطقة منزوعة السلاح, بحسب اتفاق سوتشي بين أردوغان وبوتين المبرم في 17 ايلول/ سبتمبر الماضي.

وتؤكد المعلومات من المدينة أن التفاهمات مع تركيا والضغوط الدولية عليها أحدثت تصدعات وانشقاقات بين صفوفها وأجنحتها بين تيار متشدد وتيار معتدل, وبين سوريين وعرب وأجانب, لكل طرف منهم مواقف ورؤى ومصالح متضاربة مع الاطراف الأخرى, ظهرت انعكاساته في اغتيالات غامضة بين مختلف التيارات والاجنحة.

ولذلك يرى بعض المطلعين على الأوضاع أن إغتيال الناشطين المعروفين بتأييدهما للفكر الديموقراطي ورفضهما للفكر المتشدد, مما يجعلهما هدفاً لغالبية الأطراف المتصارعة داخل النصرة, أو بين هذه وخصومها, باستثناء الجبهة الوطنية للتحرير.

على أي حال تعكس هذه الحادثة ومثيلاتها التي تقع بصورة شبه يومية تقريباً الوضع المعقد والمأزوم في كبرى المحافظات والمدن الخارجة عن سلطة النظام. ولكن المسؤولية الكبرى تقع على عاتق جهتين رئيسيتين:

الأولى: هي النصرة التي تسيطر على الوضع العسكري بواسطة قواها وأجهزتها العسكرية القوية, والتي يزيد عدد المقاتلين فيها على ثلاثين ألف مقاتل مدربين, ومسلحين تسليحاً جيداً. وهي تمسك بالسلطة السياسية أيضاً بواسطة ذراعها الثانية المسماة ((حكومة الانقاذ)) التي شكلتها كواجهة مدنية وخدمية لإدارة شؤون المحافظة منذ سنتين. وهذه السيطرة والسلطة الفعلية تجعل النصرة مسؤولة عن كل جريمة تقع في عموم أنحاء المحافظة التي يعيش فيها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة.                  

والثانية: هي الدولة التركية التي نشرت قواتها على أراضي ادلب كاملة, وأصبحت بموجب اتفاقها مع روسيا ((دولة ضامنة)) وتمارس سلطة عسكرية وسياسية وأمنية فعلية على أرض المحافظة, وتتحمل مسؤولية بقاء النصرة حتى الآن, وينتظر منها المجتمع الدولي إجبار النصرة على الانسحاب من ادلب لدرء خطر جولة حرب جديدة تتشوق لها روسيا وايران وقوات الأسد.

والغريب أن السلطات التركية تجاهلت الجريمة وكأنها لا تعنيها مع انها مسؤولة عنها سياسياً وجنائياً وفعلياً, والقتيل الراحل رائد الفارس بالمعايير الاعلامية والمهنية, أكثر أهمية من جمال خاشقجي الذي وظفت السلطات التركية ملفه توظيفاً سياسياً بلغ درجة الابتزاز للسعودية, وبالغت في حملتها السياسية منذ شهرين, وتسعى لإجراء محاكمة دولية للمتورطين السعوديين.

ويتساءل الناشطون السوريون: إذا كانت العدالة هي حافز السلطات التركية, فلماذا لا تعطي لاغتيال الفارس وصديقه الاهتمام والأهمية نفسه اللتين أعطتهما للجريمة الأولى..؟

كما يتساءلون عن سبب تجاهل الأتراك للجريمة رغم أنهم مسؤولون مرتين سياسياً وقانونياً وأدبياً, فهم السلطة العليا حالياً في ادلب, كما إنهم مسؤولون عن افعال وجرائم النصرة التي تخضع لسلطة الأجهزة التركية الأمنية, وتتحمل المسؤولية بشكل مضاعف.

 ويرى هؤلاء أن تجاهل جريمة قتل الاعلامي رائد الفارس فضحت نفاق السياسة التركية وازدواجية موقفيها, كما فضحت التوظيف السياسي لجريمة قتل جمال خاشقجي بعيداً عن قيم العدالة الانسانية.