2018-11-30 15:03:39

أثر الإيمان في تهذيب النفس/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

أثر الإيمان في تهذيب النفس/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

أثر الإيمان في تهذيب النفس/ بقلم: الشيخ أسامة السيد

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((وضرب الله مثلاً رجلين أحدهما أبكم لا يقدر على شيء وهو كَلٌّ على مولاه أينما يُوجِّههُ لا يأت بخيرٍ هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم)) سورة النحل.

لا يختلف اثنان من المنصفين ما للإيمان من أثرٍ عظيم في تهذيب النفس وحملها على سبيل الاستقامة التي تعود بالنفع على المستقيم وعلى من يُحيط به من أهله وجيرانه، بل وعلى ما هو أوسع من ذلك لأن المرء إذا ترقَّى في درجات الصلاح ومراتب الفضل عمَّ خيرُه وكثُر برُّه فشاركه فيه غيرُه. وقد بعث الله نبيه الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم في زمنٍ يموج بالفتن كموج البحر، وسبق مبعثَه عليه الصلاة والسلام زمنٌ عُرف بعصر الجاهلية لما اتسم به من الجهل والفساد والانحراف حيث كان الكفر يعم الأرض وقد تمكن إبليس من رقاب الناس فأرداهم في مستنقعات الخزي، فكانوا يدينون بالكفر ويتعاونون على الشر فيدفنون البنتَ الوليدةَ خشية العار أو الفقر ولا يورثون النساء ولا الصبيان، ويضطهدون المستضعفين ويطوفون بالكعبة عراةً لا يردعهم حياءٌ ولا خجل ولا يعرفون عورةً بين الرجال والنساء، والظلم مستشرٍ في أنحاء الدنيا فالجهالة عارمةٌ والأهواء شتَّى والغيّ كثير جدًا، فلم يزل نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم يروم الإصلاحَ ويهدي إلى الحق ويدعو إلى الله مؤيدًا بالدليل والبرهان، ففتح اللهُ به أعينًا عميًا وآذانًا صمًا وقلوبًا غُلفًا فكان من ثمرات دعوته المباركة ذاك المجتمع الصالح مجتمع الصحابة الكرام الذين حملوا النور للدنيا.

 

الإيمان يهذّب النفوس

وما زلنا رغم تراكم السنين نستضيءُ بهذا النور العظيم الذي يوضح للسالكين سبيل السعادة في الدارين وتحصلُ به النجاة من حبائل الشيطان. فقد أصلح النبي صلى الله عليه وسلم النفوس بالعقائد السليمة، فدعاهم إلى عبادة الرب الواحد الذي لا شريك ولا شبيه ولا مثيل له، الله الذي لا إله غيره، الأول بلا بداية والآخر بلا نهاية، الصمد الذي لا يحتاج لشيءٍ ويحتاج إليه كلُّ شيءٍ، فلا تحويه الجهاتُ والأنحاءُ ولا تحصره الأماكنُ والأرجاء، مهما تصوَّرت ببالك فالله بخلافِ ذلك أي لا يُشبه ذلك، قال تعالى: ((ليس كمثله شيءٌ وهو السميع البصير)) سورة الشورى.

وقد أرشدهم النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى مكارم الأخلاق فحضَّ على بذل المعروف مع من يعرف لك ومن لا يعرف لك، وعلى الصبر على أذى الغير، وكفِّ الأذى عن الغير، وعلى العفو والصفح كما قال ربنا تعالى في سورة البقرة: ((فاعفوا واصفحوا)). وأكّد الرسول صلى الله عليه وسلم على حسن معاملة الناس بعضهم لبعضٍ فقال: ((من أحب أن يُزحزح عن النار ويُدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر وليأت إلى الناس الذي يُحب أن يُؤتى إليه)). ومعنى ((يُزحزح)) يُبعد، والمنية الموت، أي فليثبت على الإيمان إلى الموت وليعامل الناس بمثل ما يحب أن يُعامله الناسُ من المعروف والإحسان. وفي هذا المقام أيضًا حديث أنسٍ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يُحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه)) رواه البخاري. ومعناه لا يكون كاملَ الإيمان حتى يكون على هذه الصفة وليس المعنى أنه يكون كافراً. وأوضح صلى الله عليه وسلم كذلك الحقوقَ المتعلقة بالأزواج بعضهم لبعض وحقوقَ الآباء والأمهات والأبناء والإخوة وسائر المؤمنين فيما بينهم، مما يُسهم في ترابط الأُسر وتشابك عُرى المحبة والوئام بين المؤمنين، وما أعظم ما جاء في التوصية بالوالدين في كتاب الله العزيز، قال تعالى: ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إيَّاه وبالوالدين إحسانا إما يبلُغنَّ عندك الكِبَر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أُفٍّ ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما واخفض لهما جناح الذلِّ من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا)) سورة الإسراء.

وفي هذا المقام أيضًا حديث النسائي عن أم المؤمنين عائشة قالت: ((سألتُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم أيُّ الناس أعظم حقًا على المرأة؟ قال: زوجها. قلت: فأي الناس أعظم حقًا على الرجل؟ قال: أمه)).

وكذلك شمل ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم إصلاحَ الغذاء فقد أحلّ اللهُ أشياء وحرَّم أشياء، وفيما حرَّمه ربنا من الطعام والشراب ما يُفسد تعاطيه البدن ويُسقمه، قال تعالى: ((ويحل لهم الطيبات ويُحرِّم عليهم الخبائث)) سورة الأعراف.

وعن أم سلمة قالت: ((نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مُسكرٍ ومُفْتِر)) رواه أبو داود والمسكر ما يُذهب العقل، والمفتر ما يحدث في الجسم ضررًا.

وعن المِقدام بن معدي كرب قال: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((ما ملأ آدميٌ وعاءً شرًا من بطنٍ، حَسْب الآدمي لُقيمات يُقِمْنَ صُلبَه فإن غلبَت الآدميَ نفسُه فثُلثٌ للطعام وثلثٌ للشراب وثلثٌ للنَّفَس)) رواه ابن ماجه.

ولأهمية ما ورد في العناية بالصحة وما له أثرٌ عظيم في علم الطب فقد صنّف غير واحدٍ من أهل العلم في الطب النبوي. ويطول الكلام لو أردنا تتبُّع ما جاء من الآثار الإسلامية فيما يتعلق بتنظيم شؤون الحياة الاجتماعية وشؤون السياسة والقضاء والحُكم والبيوع والأزواج والأبناء والجيران ومعاملات الناس فيما بينهم، والرفق بالحيوان وغير ذلك من أحكامٍ راقية تشهد بعظمة ما جاء به سيد الكونين النبي محمد بن عبد الله.

 

طريق الرُّقي

وبحُسنِ ما أرشد إليه نبيُّنا الكريمُ صلى الله عليه وسلم أخرج الله به كثيرًا من الناس من الظلمات إلى النور ومن مستنقع الجهل إلى ذُرى الشرف، فاستناروا بضياء العلم وأبصروا الحق بعد الضلال البعيد وتكشَّفت لهم أسباب الفلاح بالهدي المحمدي، فكان منهم الإيمان والإخلاص والصبر والإيثار والتواضع والحزم والإباء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتعاون على البر والتقوى لا على الإثم والعدوان، وما زالت رايات العِزة التي حملوها للأمم ترفُّ على قمم الزمان، ويكفيهم من الشرف أن جعلوا القرآن الكريم إمامًا فتخلَّقوا بما حث عليه وانتهوا عمَّا نهى عنه، فأطاعوا اللهَ ورسولَه فأشرق الهدي في قلوبهم فكان ذاك المجد العظيم الذي ما زلنا نتغنَّى به على مرِّ العصور.

وجديرٌ بنا نحن في هذا الزمن أن نقتفي أثرهم لنترقَّى كما ترقَّوا ونفلح كما أفلحوا، فإن كتاب الله تعالى ما زال بيننا وما زالت تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم محفوظةً في كتب السنن والصحاح، فما المانع إذًا أن تَسمو أنفسُنا كما سمت أنفسهم؟ ولكنها الهمم تختلف باختلاف الناس فقلَّ من تُبلِّغُه همتُه المراتبَ العلية، ولكن العاقل يربأ بنفسه عن الخنوع والكسل ويسعى في دنياه للسلامة في أخراه، ولا يرضى أن يكون كالرجل الأبكم الذي ضُرب مثلاً في الآية أعلاه، والأبكم هو الذي وُلِد أخرس فلا يفهَم ولا يُفهِم، ومعنى كلمة ((كَلٌّ)) الواردة في الآية المذكورة في أول المقال: الثِقْلُ والعيال، أي هو ثقيلٌ على سيده الذي يعُوله أي يُنفق عليه، فلا يهتدي لتدبير مصالح نفسه ولا لرعاية مصالح الناس حيثما يُرسله صاحبه ويصرفه في حاجةٍ لم ينفع ولم يأت بنُجحٍ، فلا يستوي من كان هذا حاله مع من يأمر بالعدل وهو سليمُ الحواس نفَّاعٌ مع الرشد والاستقامة فهو يأمر الناس بالعدل والخير وهو في نفسه على صراطٍ مستقيم. وفي ((لباب التأويل)) للخازن أن ما جاء في الآية هو مثلٌ للمؤمن والكافر، فالمؤمن هو الذي يأمر بالعدل وهو على صراطٍ مستقيم، والكافر هو الأبكم الثقيل الذي لا يأمر بخيرٍ ولا يأتي به.

وفي هذا دليلٌ على فضيلة المؤمن الكامل الذي هذَّب نفسه بالتزام الشرع فجعل القرآن والحديث دليلاً ومنهاجًا في حياته، وهذا هو السبيل الصحيح لحلِّ الخلافات والخصومات ومعالجة الأدواء التي تفشت في البلاد وللرُّقي بالنفس نحو المعالي.

 

من ثمرات الإيمان

والأمثلة على ذلك كثيرة فلو سأل سائل: ما الذي جعل أبا بكرٍ الصدّيق رضي الله عنه يتصدق بكل ماله في سبيل الله؟ وما الذي جعله يتجَر في السوق لحاجة أهله ولا يمد يده لأموال الناس ويحلب الشاة لنسوةٍ كنّ جيرانه لا متعهد لهن غيره وهو خليفة الناس؟ وما الذي جعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه يتصدق بنصف ماله ابتغاء مرضاة الله؟ وما الذي جعله وهو أمير المؤمنين القوي الشديد يتواضع لامرأةٍ تستوقفه في الطريق لحاجتها وترد عليه أخرى في المسجد بين الناس فيقول: ((أصابت امرأة وأخطأ عمر))؟ وما الذي جعل عثمان بن عفَّان رضي الله عنه يُجهز جيش العسرة من ماله الخاص ويقوم في الليل يخدِم نفسه بنفسه فيتجهز للصلاة ولا يوقظ خادمًا أو جاريةً لخدمته، وهو شيخٌ قد جاوز الثمانين ويُطعم في خلافته الناسَ طعام الإمارة فإذا دخل بيته أكل الخلَّ والزيت؟ وما الذي جعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه يبيت في فراش النبي صلى الله عليه وسلم يفديه بنفسه وقد تآمر الكفار لقتله وقام فتيانهم على بابه بالسيوف؟ وما الذي جعله يوم امتلأ بيت مال المؤمنين يُعطي جميع ما في بيت المال وهو يقول: ((يا صفراء (الذهب) يا بيضاء (الفضة) غُرّي غيري، حتى ما بقي فيه شيء ثم صلى ركعتين))؟

والجواب: ذاك هو الإيمان وهذه بعض ثماره، وحيث عُلم هذا نقول: من أراد معرفة حقيقة الإسلام فلينظر القرآنَ وتأويلَه والحديثَ وتفسيرَه ونصوصَ العلماء المعتبرين، ولا يخدعنَّ نفسَه بالحكم على الإسلام من خلال ما تقوم به بعض العصابات من أعمالٍ إجراميةٍ وليقف عند بلاغة قول الله تعالى: ((إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتآء ذي القُربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يَعِظُكم لعلكم تذكّرون)) سورة النحل.

والحمد لله أولاً وآخراً.