2018-11-16 18:06:55

الافتتاحية الفنية :الفن الصادق يزداد اقتراباً من الناس ولو بعد حين

< >

الافتتاحية الفنية :الفن الصادق يزداد اقتراباً من الناس ولو بعد حين

أفلام يوسف شاهين التي تم ترميمها انتقلت من القاهرة إلى الجونة لتعرض هناك وتحقق درجة عالية من الإقبال الجماهيري لتؤكد أن الفن الصادق يزداد مع الزمن اقتراباً من مشاعر الناس، وتشير في الوقت نفسه إلى أن هناك ذائقة أخرى في التعاطي مع الشريط السينمائي بدأت في الإعلان عن نفسها.

قدر ما منح يوسف شاهين تلاميذه، سواء الذين تحلقوا حوله كمساعدين في أفلامه أو حتى الذين لم تسمح ظروفهم بالاقتراب من دائرته، بقدر ما منحهم يوسف العديد من الدروس الإيجابية التي لقنها مباشرة لهم، أو تلك التي حملتها أفلامه، ظل هناك درس واحد لم يبح به لأحد، هم الذين استنبطوه عنوة من فيلمه ((باب الحديد))، وكأنه الدرس الأهم، أصبح بعضهم يكررونه كلما ألمت بهم هزيمة سينمائية، فلا يجدون غيره كطوق نجاة يتشبثون به.

تابعت بعض هؤلاء التلاميذ عندما يفشل لهم فيلم وتخاصمه الجماهير، فإنهم على الفور يعلنونها صريحة مجلجلة، الفيلم فشل مثلما أخفق قبل نحو 60 عاماً فيلم أستاذه يوسف شاهين ((باب الحديد))، ثم أصبح بعد ذلك واحداً من أشهر وأهم علامات أفلام السينما المصرية، محققاً لمنتجه 100 ضعف ميزانية التكلفة، وهكذا يصدرون للجمهور تلك الأكذوبة، وهي أن عليهم أن يترقبوا الفيلم بعد مرور سنوات، في العادة يتركونها مفتوحة ولا يحددون عددها، مؤكدين أنه سوف يستعيد مرة أخرى حكاية ((باب الحديد)) ممسكاً المجد من أطرافه، نجاح أدبي ومادي، يمحو به آثار هزيمته في العرض الأول!!

أرى دائماً أن من حق صانع العمل الفني، مهما بلغ مستواه، الدفاع عن الفيلم أو الأغنية التي قدمها، ومن حقه أيضاً أن يلجأ للعديد من الأسلحة في تجميل بضاعته، شرط ألا يستخدم سلاحاً واحداً باتت كل الأعمال الفنية الخاسرة تلجأ إليه، إنه شماعة ((باب الحديد)). عندما يقدم المخرج كل العناصر التجارية، ورغم ذلك يخاصمه الجمهور ولا يعثر له على أثر يذكر في دور العرض على الفور يقولون لك لا تنسى أنه أثناء عرض فيلم ((باب الحديد)) عام 58 رشقوا السينما بالحجارة، وتوعدوا بالويل والثبور وعظائم الأمور كل من شارك فيه، وربما يضيفون أيضاً أفلاماً رائعة أخرى مثل ((شيء من الخوف)) إخراج حسين كمال و((بين السما والأرض)) إخراج صلاح أبوسيف، لم يحققا إيرادات وبعد ذلك صار هذان الفيلمان وغيرهما هي الأهم في ذاكرة السينما ويتابعها الملايين عبر القنوات الفضائية، واستطاعت من خلال أرقام البيع أن تضمن أيضاً الملايين لمنتجيها.. نعم هذه الأفلام وغيرها حققت كل هذا الرواج لأنها تنطوي على قيمة فكرية وإبداعية وأيضاً رهان على السينما بقدر من الحداثة في مفرداتها بمقياس الزمن طبعاً في السيناريو والتصوير والمونتاج والأداء والموسيقى، ولهذا لم يتفاعل معها الجمهور في البداية لأنه لم يستطع أن يفك ((شفرتها)) الإبداعية بسهولة ولأننا في العادة نفضل التعامل مع العمل الفني الذي ألفناه وتعودناه مع اختلاف الدرجة.. يرتاح قطاع لا بأس به من الجمهور إلى حالة التنميط الفني التي تجعل من الذهاب لمشاهدة الفيلم أقرب إلى رحلة استجمام وليست مخاطرة استكشافية.. إلا أن هذه الأعمال الفنية التي ذكرتها وأيضاً عدداً آخر من الأفلام السينمائية لم يتسع المجال لذكرها تحمل وميضاً خاصاً يجذبك إليها.. هذا الوميض فقط هو الذي يدفعك لكي تشاهدها مرة أخرى لتكتشف عمقها وبعد ذلك تصبح هي الأقرب إليك وتشعر بحنين واشتياق دائمين إليها لتعاود المشاهدة.

قدم شاهين فيلماً يحمل روح المغامرة التي لم يألفها الناس وشاهدوا شاهين بطلاً على الشاشة في دور قناوي، صبي بائع الصحف، بينما هم انتظروا أن يتابعوا نجمهم الشعبي فريد شوقي أبوسريع وهو يشارك في الفيلم بعدد من الخناقات التي تعودوا عليها من نجمهم الشعبي في كل أفلامه، كان الفيلم بمقياس تلك السنوات يسبح ضد التيار، ولهذا لم يأتِ الناس إلى دار العرض، بينما أفلام هؤلاء لاقت هزيمة مستحقة، لأنها لا تحمل في حقيقة الأمر سوى كذب وادعاء فكري وسياسي، ولغة سينمائية تجاوزها الزمن، وهكذا ليس أمامها سوى أن تتدثر عنوة بجاكيت شاهين وتتعلق بصفاقة  بأكتافه.

غ.د