2018-11-15 21:45:54

أضواء على سيرة محمد رسول الله خاتم النبيين (1\2) بقلم الشيخ أسامة السيد

أضواء على سيرة محمد رسول الله خاتم النبيين (1\2) بقلم الشيخ أسامة السيد

أضواء على سيرة محمد رسول الله خاتم النبيين (1\2) بقلم الشيخ أسامة السيد

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى: ((لقد مَنَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلوا عليهم ءاياته ويزكِّيهم ويُعلّمهم الكتابَ والحكمةَ وإنْ كانوا مِنْ قبلُ لفي ضلالٍ مبين)) سورة آل عمران.

إن من رحمة الله تعالى أن بعث فينا نبيه الكريم محمدًا صلى الله عليه وسلم رحمةً للعالمين، وأرسله بشيرًا ونذيرًا فهدى به الأمة وكشف به الغُمَّة وأخرج به الناس من الظلمات إلى النور فجزاه الله خير ما جزى نبيًا عن أمته. وحريٌ بنا ونحن في شهر المولد الشريف أن نتكلم عن بعض شمائل هذا النبي الأعظم صلوات الله وسلامه عليه ليعرف الناس ذلك، فإن أولى من ينبغي أن تُعرف خِصالُه وتُحفظ سيرته ليُقتدى به هو رسولُ الله محمد صلى الله عليه وسلم، فنقول وبالله التوفيق:

 

مولده ونسبه صلى الله عليه وسلم

 

روى البيهقي في ((دلائل النبوة)) عن أنسٍ أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((أنا محمد بن عبد الله بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصي بن كِلاب بن مرّة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فِهرِ بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مُضر بن نزار، وما افترق الناس فرقتين إلا جعلني الله في خيرهما فأُخرجت من بين أبوين فلم يُصبني شيءٌ من عُهْرِ ((زنى)) الجاهلية وخرجتُ من نكاحٍ ولم أخرج من سِفاح ((زنى)) من لدن آدم حتى انتهيت إلى أبي وأمي فأنا خيركم نفسًا)).  ونزار هو ابن مَعَدِّ بن عدنان، والنسب هكذا إلى عدنان لا خلاف فيه، وإنما وقع الخلاف فيما بين عدنان وإسماعيل عليه السلام في أسماء الآباء مع القطع بأنّ نسبه الشريف يتصل بنبي الله إسماعيل بن إبراهيم عليهما السلام.

وأما تاريخ مولده الشريف فقد قال الحافظ ابن الجوزي في ((تلقيح فُهوم أهل الأثر)): ((اتفقوا على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولِد يوم الاثنين في شهر ربيعٍ الأول عام الفيل)). وجزم بذلك الحافظ ابن حبَّان في كتاب ((الثقات)) فقال: ((ولِد النبي صلى الله عليه وسلم عام الفيل يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلةٍ خلت من شهر ربيع الأول)). وعن جابرٍ وابن عبَّاس قالا: ((ولِد رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفيل يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول)). والمراد باليوم في قولهما ((يوم الفيل)) العام، أخرجه الجوزقاني في ((الأباطيل والمناكير والصحاح المشاهير))، وفي ((البداية والنهاية)) للحافظ ابن كثيرٍ قال: ((وهذا هو المشهور عند الجمهور)). وبالتالي يكون مولده الشريف يوم الاثنين من شهر ربيع الأول عام الفيل هو المعتمد القائم على الإجماع، وأما كونه في الثاني عشر من ربيع الأول فهو الذي يؤيده الأثر وتطمئن إليه النفس ويعضده جزم بعض الأئمة به وانتشاره بين المؤمنين فجديرٌ أن يؤخذَ به ويُعرَضَ عما سواه.

وقد حملت أُمُّهُ به صلى الله عليه وسلم فلم تجد له ثِقْلاً كسائر الحوامل ففي ((طبقات ابن سعدٍ)) عن الزهري قال: ((قالت آمنة لقد عَلِقْتُ به فما وجدت له مشقةً حتى وضعته)).

 

شيءٌ من صفته صلى الله عليه وسلم

 

روى الترمذي من حديث أنسٍ ((ما بعث الله نبيًا إلا حسنَ الوجه حسنَ الصوت وكان نبيُّكم أحسَنَهم وجهًا وأحسَنَهم صوتا)). لقد كان نبينا صلى الله عليه وسلم أبيضَ الوجه مُشرَبَ الخدين بحمرةٍ، شديدَ سواد حَدَقَة العين، شديدَ بياضِ بياضِ العين وفي عينيه خطوطٌ حُمرٌ، كثيرَ الأهداب ((رموش العين))، هلالي الحاجبين من غير اتصال بعضهما ببعض، كثَّ اللحية، شديدَ بياض الأسنان إذا تكلم خرج مثل النور من بين أسنانه، طيبَ الرائحة ولو لم يمسَّ طيبًا، معتدلَ القامة إلى الطول أقرب، يتوهج وجهه كالشمس من حسنه وصفائه، ما خلق الله قبله ولا بعده مثله في الأنام.

وعن هند بن أبي هالة في وصف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث طويل قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم فخمًا ((أي عظيمَ القدر، والتفخيم التعظيم)) مُفخَّمًا ((أي معظمًا في الصدور أي فهو عظيم في نفسه مُعظَّمٌ في أعين الناس)) يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ((آثر ذكرَ القمر دون الشمس للاستئناس بالنظر إليه من غير أذىً بخلاف الشمس فلا يتمكن المرء عادةً من طول النظر إليها)) أطولَ من المربوع ((معتدل القامة)) وأقصَر من المشَذَّب ((أي المفرط في الطول والمعنى أنه كان معتدلاً ولكنه إلى الطول أقرب)). وقال هند بن أبي هالة: ((بادنٌ (أي عظيم رؤوس العظام كالمرفقين والكعبين والركبتين وليس شديد النحافة) متماسكٌ (أي ليس عليه لحمٌ مترهلٌ مسترخٍ، بل هو جيد القامة) سواء البطن والصدر (أي بطنه وصدره بمستو واحدٍ أي ليس بطينًا) عريض الصدر بعيد ما بين المنكبين ضخم الكراديس)). قال في ((لسان العرب)): ((كل عظمين التقيا في مَفْصلٍ فهو كردوس)). وضخامته دليلٌ على قوة الرجل.

وعند الترمذي أيضًا عن الإمام عليٍ قال: ((من رآه بديهةً (فجأة) هابه ومن خالطه معرفةً أحبه يقول ناعته (واصفه) لم أر قبله ولا بعده مثله)) أي أنه صلى الله عليه وسلم كان ذا هيبةٍ قوية يشعر بها من يراه، ويحبه من خَالطه لما يرى من شمائله العظيمة ومناقبه الكريمة.

وعن جابر بن سَمرة قال: ((رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة إضحيان (أي القمر فيها مكتملٌ) وعليه حلة حمراء (الحلة ثوبٌ من قطعتين إزارٌ ورداء، وحمراء أي ليس شديد الحمرة) فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو عندي أحسن من القمر صلوات الله عليه)) رواه الترمذي.

وروى الشيخان عن أنسٍ قال: ((كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أحسنَ الناس وأجودَ الناس وأشجعَ الناس)). ولا شك أن هذه الأوصاف الثلاثة هي من أمَّهات الكمالات فهو عليه الصلاة والسلام أبهى الناس وأجملهم وأكملهم صورة وأشجع الناس قلبًا وهو مع ذلك أجود البشر وأنفعهم لعباد الله وفي حسنه الباهر أقول:

 إن كان شطرُ الحسن خُصَّ بيوسفٍ            فالحُسنُ كل الحسن عند محمد

 

كلامه ومزاحه صلى الله عليه وسلم

 

كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أفصحَ خلقِ الله تعالى لسانًا وأوضحَهم بيانًا حلوَ المنطق حسنَ الكلام فعن أبي قُرصافة قال: ((لما بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأمي وخالتي ورجعنا من عنده مُنصرفين قالت لي أمي وخالتي يا بُني ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن منه وجهًا ولا أنقى منه ثوبًا ولا ألين كلامًا ورأينا كأن النور يخرج من فيه)) (فيه أي فمه) رواه الطبراني.

وعن عائشة قالت: ((ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسرد سردكم هذا (سرَدَ الحديثَ: تابعه استعجالاً بعضه في إثر بعض) ولكنه كان يتكلم بكلام يُبيِّنه (ومعنى بَيِّن واضح) فصلٍ (أي فاصلٍ بين الحق والباطل ليس فيه تلبيسٌ ولا مُواربة) يحفظه من جلس إليه)) رواه الترمذي. والمعنى يتكلم بكلام واضح بتأنٍ بحيث يحفظه من يسمعه ويكون كلامه فصلاً بين الحق والباطل.

وروى الترمذي أيضًا عن أنسٍ قال: ((كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعيد الكلمة ثلاثًا لتُعقل عنه)) (تُحفظ وترسخ في النفس). وقال النووي في ((رياض الصالحين)): ((وهذا محمولٌ على ما إذا كان الجمع كثيراً)) وفي هذا دليلٌ على أنه ينبغي للمُعلِّم أن يتأنى في كلامه ويتحرى الإيضاح والبيان ويعيد ثلاثًا ليفهم الحاضرون ما يُلقى إليهم.

وعن هند بن أبي هالة في وصف كلامه صلى الله عليه وسلم قال: ((لا يتكلم في غير حاجة يفتتح الكلام ويختِمُهُ بأشداقه (معناه يتكلم بفمه كله وهذا يدل على الاهتمام بما يتكلم به ولا يتكلم من طرف الشفتين أو بأدنى تحريكٍ للشفتين كما يفعل بعض المتكبرين) ويتكلم بجوامع الكلم (يعني يجمع معنىً واسعًا في عبارةٍ قصيرة) فصلٌ لا فُضُولٌ (أي لا زيادة فيه عن أداء المراد فليس فيه كلام يخلو من الفائدة) ولا تقصير (أي ولا تقصير فيه عن أصل معناه)))رواه الترمذي.

ومع هذا فقد كان صلى الله عليه وسلم يُمازح أصحابه ولكن من غير أن يُخرجه المزح إلى الكذب فقد روى الطبراني عن أنسٍ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((إني لأمزح ولا أقول إلا حقا)).

وعن أنسٍ أيضًا قال كان النبي صلى الله عليه وسلم ليُخالطنا حتى يقول لأخٍ لي صغير ((يا أبا عمير ما فعل النُغير)) رواه البخاري في ((الأدب المفرد)). وفي الحديث إشارة إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُخالط أصحابه ويعتني بحالهم وكان كذلك يهتم لأمر الصغار فكان يمازح أخًا صغيراً لأنسٍ يقال له أبو عُمير كان له نُغيرٌ (تصغير نُغَر وهو طائرٌ يُشبه العصفور وهو المعروف بالبلبل) يلعب به فمات.

وعن أنسٍ أيضًا ((أن رجلاً استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم (أي طلب مركوبًا من النبي صلى الله عليه وسلم) فقال: إني حاملك على ولد الناقة. فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهل تلد الإبل إلا النوق)) رواه الترمذي.

فانظر وتأمل هذه الأخلاق العالية وهذه المزايا السامية واعرف مناقب نبيك العظيم الذي قال ربه تعالى فيه: ((وإنك لعلى خُلقٍ عظيم)) سورة القلم. وأحسِن الاقتداءَ به لتسلم في الدارين.

وللكلام تتمة في المقال القادم إن شاء الله.

والحمد لله أولاً وآخراً.