2018-11-15 20:38:48

عاصفة غير مسبوقة لنصرالله .. والحريري ينتظر /بقلم: زين حمود

< >

عاصفة غير مسبوقة لنصرالله .. والحريري ينتظر /بقلم: زين حمود

 

توصيفات عديدة مؤيدة او رافضة او متحفظة أطلقت على ما ورد في خطاب أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله الأخير.

كل هذه التوصيفات على واقعيتها وأهميتها لم تحط بالأبعاد الجديدة لما عبرت عنه مما يمكن وصفه اليوم بـ((حقائق القوة)) الجديدة أيضاً التي اتسمت بها نبرة نصرالله ومفرداته وكذلك ما توخاه من غايات يسعى لتحقيقها, خصوصاً وأنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال وصف الخطاب بالانفعالي لا سيما عندما وجه رسائل غير مباشرة من نوع ان الآخرين ((زعران)) عندما كان يتحدث عن ((أودمة)) الفريق الذي يمثل.

كما لا يمكن وضع الخطاب فقط في خانة اللعب على حافة الهاوية او محاولة تمرير ما يريده على مستوى ما سمي أزمة توزير أحد نواب سنة الثامن من آذار الستة, فهو يتجاوز في معانيه ودلالاته حتى موضوع تشكيل الحكومة, ولعل هذا ما دفع خبيراً بمقاربة الوضع اللبناني من زوايا اقليمية ودولية مثل وليد جنبلاط الى ضبط النفس, علماً ان تلميذه النجيب وائل ابو فاعور كان الأكثر بلاغة حين قال ان نصرالله بما قاله السبت الماضي فرض أمراً واقعاً جديداً, يبدو بوضوح ان أطرافاً عديدة ومنها الحزب التقدمي الاشتراكي عاكفة حتى الآن على فك شيفراته المرمزة, خصوصاً وأن امين عام حزب الله تعمد كما قال ولأول مرة ان يسمي الأمور بأسمائها فتحدث مباشرة عن سيد المختارة وعن معراب دون تسمية سمير جعجع وعن بيت الوسط ورئيس الحكومة المكلف, وهذا الأمر جديد في أدبيات خطاب نصرالله.

قد يكون من أسهل الأمور تسمية ما جرى كما فعل خصوم حزب الله بأنه 7 أيار جديد ولكن بشكل خطابي وإعلامي وسياسي أو أنه أكبر من عملية القمصان السود التي حصلت قبل نحو عقد, اضافة الى اطلاق توصيفات أخرى لا تقل حدة في التعبير عن رفض ما قاله نصرالله وما يترتب عليه من تداعيات ونتائج, إلا ان كل هذه التسميات والتوصيفات لا يمكنها مجاراة الفعل المتأتي او الذي قد يتأتى عن الخطاب الذي يصح فيه القول بأنه اقرب الى الزلزال او العاصفة غير المسبوقة داخلياً من قبله, سواء بالنسبة لما يريد او يحاول ان يرسمه من خارطة للوضع الجديد على أكثر من مستوى وصعيد, في الداخل وكذلك في العلاقة مع الإقليم وأزماته, حتى يبدو بوضوح ان ما كان مرفوضاً في مطالب حزب الله في المرحلة الماضية اذا قيض للحكومة العتيدة ان تشكل في ظل الظروف الحالية لن يكون مسموحاً في المرحلة الجديدة رفضه, مثل إعادة تطبيع العلاقة مع دمشق. ولعل هذا أكثر ما يمثل رمزية توزير أحد النواب السنة الستة المحسوبين تاريخياً عليها.

 

الحريري وخيار الانتظار

وحتى لا يتم حصر الأمر في السياق المتعلق بتوزير أحد النواب الستة, وهو قد يكون مجرد ساتر لما هو أبعد وأكبر وأعمق من ذلك, فإن القوى المعنية بالأمر تعاطت ببراغماتية مع الأمر وعلى رأس هؤلاء الرئيس سعد الحريري الذي وصف نفسه بأنه ((بي السنة))، ولذلك عمد الى خيار الانتظار من دون ان يبادل التصعيد بمثله او يعمد الى الدخول في معترك اختار نصرالله زمانه وظروفه واطاره, خصوصاً وأن هناك من نصح كما يبدو الرئيس المكلف بأن الرد, أي رد, سيخدم ما توخاه نصرالله في خطابه الناري غير المسبوق داخلياً وأن المصلحة تقتضي الانتظار وتمرير العاصفة بأقل الأضرار الممكنة, لقراءة ما وراء الأكمة في هذه العاصفة, اذ قد يكون جوهرها لتمرير المزيد من الوقت قبل تشكيل الحكومة وقد تكون رسالة الى مفاوضات تدور في مكان ما على خلفية الصراع الاميركي - الايراني المحتدم  لا سيما بعد بدء تنفيذ العقوبات ضد طهران.. الخ.

الحريري ينتظر, فالأمر لا يتصل به وحده ولعله بذلك يريد ترك الاتصالات التي يتولاها الوزير جبران باسيل ومن خلفه رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس المجلس النيابي نبيه بري, تأخذ مجراها للوصول الى حل وسط يبدو حتى الآن بعيد المنال.

ينتظر الحريري ربما تدخل عاصمة ما, باريس او غيرها مع طهران من أجل إيجاد مخرج للأزمة القائمة علماً ان العاصمة الفرنسية التي سيزور رئيسها ايمانويل ماكرون بيروت مطلع العام المقبل, كانت بدأت مسعى في الفترة الأخيرة من أجل تذليل بعض العقد الحكومية.

خيارات الانتظار عديدة في هذا الاطار, والأهم ربما هو انه اذا كان نصرالله قد أصاب بسهامه الكل تقريباً في الطبقة السياسية الغارقة في المحاصصات, فإن الأحسن ربما للحريري هو ان لا يكون رأس الحربة في مواجهة هذه العاصفة, فلماذا يقوم بما لم يقم به جنبلاط مثلاً او حتى جعجع الذي يبدو انه يعد للمائة على حد تعبير أحد السياسيين المخضرمين قبل ان ينبري للرد على أمين عام الحزب.

المهم في هذا السياق هو ان الواقع الجديد الذي يحاول نصرالله تكريسه من خلال عاصفته غير المسبوقة يمكن ايجاز أبرزه بما يلي:

أولاً: ان ما كان شائعاً عن ان حزب الله يعطي الأجندة الاقليمية لعمله الأولوية على أجندته اللبنانية الداخلية,لم يعد قائماً وأن الأمر قد تبدل اليوم, وان زمن عدم انخراط الحزب بتفاصيل الداخل إلا من باب الحفاظ على سلاحه قد انتهى, وان هناك اليوم توازياً بين أجندتيه الاقليمية والداخلية,  اذ لم يعد ينأى بنفسه عن قضايا وملفات الداخل او تركها للحلفاء مقابل تأمين دعمهم له في الموضوع الاستراتيجي. وهذا الأمر لن يكون مدعاة للانزعاج  من قبل خصوم الحزب فقط بل من حلفائه أيضاً.

ولذلك لم يكن من باب المصادفة ان يعمد الحزب الى المطالبة بحقيبة الصحة, كما لم يكن من باب المصادفة ان يتحدث نصرالله في خطابه العاصف عما يراد تمريره من صفقات مشبوهة بعد تشكيل الحكومة وعن انه سيتصدى لذلك.. الخ.

ثانياً: ان خطاب نصرالله وفق المعلومات جاء على خلفية دراسة أجريت مؤخراً وتتعلق بنتائج الانتخابات وتفيد بأن المكونات الرئيسية في قوى 14 آذار السابقة حصلت على 44 نائباً في المجلس النيابي وحسم أمر نيلها قبل بروز العقدة السنية الأخيرة على 12 وزيراً ((ستة لـ((المستقبل)) وأربعة لـ((القوات)) واثنان  لـ((الاشتراكي)) بينما حصلت قوى 8 آذار السابقة على 46 نائباً ولم تنل نتيجة ذلك في الحكومة إلا سبعة وزراء ((ستة للثنائي الشيعي وواحد لـ((المردة)), بينما اعتبرت حصة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر كحصة مرجحة بين الطرفين, ومعنى ذلك ان التشكيلة الحكومية التي يرجح ان تستمر حتى نهاية ولاية عون بعد أربع سنوات لا تعبر عن نتائج الانتخابات, ولهذا السبب كان تركيز نصرالله على غياب المعيار الواحد في الاتصالات السابقة لتشكيل الحكومة، خصوصاً وأنه أشار بوضوح الى انه اذا كانت حصة ((القوات)) أربعة وزراء كونها تضم كتلة من 15 نائباً فهذا يعني ان الثنائي الشيعي الذي يضم في كتلتيه 30 نائباً يجب ان ينال حصة وزارية أكبر تضم ثمانية وزراء كما جرى الاتفاق قبل استفحال العقدة السنية.

ومعنى ذلك واضح, وهو ان نصرالله الذي تحدث عن تواضع فريقه السياسي يشير اليوم الى ان هذا الفريق انتصر في الانتخابات النيابية رغم انه لم يظّهر هذا ((الانتصار)) الذي ترجم بوضوح بانتخاب ايلي الفرزلي بأكثرية 80 صوتاً, وان تظهيره يمكن ان يترجم بعملية تثمير في السياسة وتشكيل الحكومة في حال لم يتم توزير أحد الوزراء السنة الستة.

هذا بالطبع اذا أسقطنا الحسابات المتعلقة بأن فريق نصرالله وحلفاءه سيصبح أقلية في المجلس النيابي والحكومة في حال قرر فريق العهد على سبيل المثال ان ينتقل من ضفة التحالف مع الحزب الى ضفة التحالف مع الحريري وجعجع وجنبلاط. وهو احتمال قد لا يكون واقعياً في هذا الوقت إلا انه نظرياً قائم في أي وقت.

ثالثاً: ان نصرالله لم يتحدث صراحة عن التسوية الرئاسية التي حكمت البلاد خلال العامين الأولين من ولاية الرئيس ميشال عون, وتناولها بالنقد من خلال اداء الطبقة السياسية خلالها, إلا ان من الواضح انه تقصد القول ولو بشكل غير مباشر ان ما هو مقبول في المرحلة الجديدة لن يكون مطابقاً لما كان في فترة السنتين الماضيتين.

رابعاً: تعمد نصرالله القول بطريقة او بأخرى ان الحزب يعمد اليوم الى الانتقال من مرحلة استخدام ((الفيتو)) على القرارات التي لا يوافق عليها الى مرحلة الانتقال الى موقع الشريك في القرار حتى على مستوى التفاصيل الصغيرة خلافاً لما كان عليه في المرحلة السابقة. علماً ان حدود هذا الأمر ما زالت غير واضحة بالشكل اللازم حتى الآن على الأقل.

هل يمكن ضمن هذه الأجواء  الحديث عن حكومة في أمد قريب، خصوصاً وان نصرالله تحدث عن انه يحق للنواب السنة الستة أن يكون لهم من الوقت ما كان لجنبلاط وجعجع لحل العقدتين المسيحية والدرزية, خصوصاً بعد تداول معلومات من أوساط دبلوماسية أجنبية عن ان الأمر قد يمتد الى شهر شباط / فبراير المقبل من دون الكشف عن أسباب تحديد هذا الموعد لولادة الحكومة العتيدة؟

إلا ان في خطاب نصرالله ومؤتمر الحريري الصحافي ما يمكن البناء عليه لتشكيل حكومة ربط نزاع وهي تسمية يمكن استعارتها من حكومة تصريف الأعمال الحالية, وأول ما يمكن البناء عليه في هذا السياق  هو عدم طرح بديل للحريري من قبل حزب الله، هذا اذا لم نقل انه ما زال متمسكاً به إضافة الى ان حديث الرئيس المكلف عن التعاون معه وعدم الاعتذار عن مهمة التكليف هو عنصر هام ومركزي، خصوصاً وان الحريري لم يذهب الى الصدام مع نصرالله وترك الأبواب مفتوحة أقله للاتصالات بهدف التسوية اليوم او غداً أو بعد حين.

 

كلام صور: