2018-11-08 15:02:42

أم على قلوب أقفالها!... من اغتيال خاشقجي الى اغتيال السعودية! / بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها!... من اغتيال خاشقجي الى اغتيال السعودية! / بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها!... من اغتيال خاشقجي الى اغتيال السعودية! / بقلم: محمد خليفة

بقدر ما استحوذت أخبار وأنباء مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي في أيامها الأولى على اهتمام الناس ومشاعرهم, بقدر ما أصبحت تثير نفورهم وسخطهم بشكل متزايد, لأن غالبيتهم قد أدركت أن التغطية الاعلامية للجريمة البشعة, حادت عن غايتها النبيلة, وتجاوزت كل منطق, وأصبحت هستيريا اعلامية غير معقولة, وحملة سياسية عاتية مرتبطة بأجندات مريبة. وإلا فما معنى أن تقتصر نشرات أخبار وبرامج بعض القنوات على حدث وحيد, تعيد نبشه والتذكير به مرة بعد أخرى, على مدى الليل والنهار، ناهيكم عن مسلسل من الأكاذيب والفبركات الاعلامية غير الاخلاقية, والمبالغات الفجة, وتعبئة كتائب من الاكاديميين والمفكرين المأجورين, ومن يسمون أنفسهم محللين استراتيجيين لدعم الحملة وتغذيتها بالوقود, وما هم سوى شهود زور لا عدول, يؤلفون سرديات أقرب للخيال منها للواقع, وأبواق دعاية شعبوية تقدم خدماتها وبضاعتها الفاسدة لمن يدفع أكثر.

الرأي العام في بلادنا لم يسقط في شراك هذه الحملة, واكتشف بحسه المدرب, وخبرته المقارنة, أهدافها الخبيثة, خصوصاً وأن الواقع العربي حافل بكوارث وحوادث, أبشع وأخطر من جريمة اغتيال المرحوم خاشقجي, وتزيد أهميتها الموضوعية على أهميته, ومع ذلك لم تنل عشر معشار التغطية غير المهنية وغير النزيهة, وما يجري في سورية يوفر عشرات البراهين والأمثلة الواضحة على ذلك.  

ولم يعد ينطلي على أحد أن الذين يوجهون الحملة, وينفخون في نيرانها, ويسكبون الزيت عليها لا يعنيهم كثيراً خاشقجي الصحافي ولا تعنيهم حرية التعبير, وربما أسعدهم مقتله, بمقدار ما أشبع حاجتهم لمادة خبرية بهذا الحجم تغذي أجندتهم المسبقة والجاهزة, بدليل أن جرائم مشابهة طالت وتطال كثيراً من الكتاب والصحافيين, ولم تتحرك أبواقهم غيرة ولا حمية على أحد منهم. ولم يعد ينطلي على الناس أن طقوس البكاء الكربلائية التي رافقت وأعقبت الجريمة قد تحولت الى حملة سياسية دولية بامتياز, ذات أهداف ومصالح تتعلق بصراعات الدول الكبرى والاقليمية, وتستهدف تصفية حساباتها مع دولة عربية رئيسية, تشكل ركيزة من ركائز الأمن القومي العربي, ولا سيما في مواجهة المخاطر التي تهدد العرب كلهم.

لقد تغيرت طبيعة الحملة وأهدافها, وانتقلت من متابعة وتغطية اعلامية لحادثة اغتيال صحافي, الى خطة مبرمجة لاغتيال بلد عربي كبير, وشيطنة نظام , وتوفير الاجواء العالمية لمحاصرته وعزله وضربه لأغراض استراتيجية معروفة, وسارية المفعول منذ عقود. وندعو كل الذين ما زالوا مخدوعين بالحملة, ومغرراً بهم من جرائها أن يتذكروا جيداً أن مسلسل القضاء على العراق العربي, وتدميره, واسقاط نظامه السابق لم يبدأ باحتلال الكويت, ولا بتهديد صدام حسين بحرق نصف اسرائيل, وإنما بدأت عام 1989 بحادثة إعدام السلطة العراقية لصحافي بريطاني جندته وأرسلته الاستخبارات البريطانية ليتجسس على العراق اسمه كما أذكر ((بازوفت)) وهو من أصل ايراني.

الصحافيون للأسف ضحايا دائمون للسلطات الغاشمة, ولأعداء الحقيقة والحرية ونشر المعلومات وقد شهد العام الحالي من بدايته وحتى مقتل خاشقجي قتل 57 صحافياً آخر حول العالم, ولكن نبل الصحافي وحصانته مشروطتان بالتزامه بقواعد المهنة وأخلاقياتها. وعليه فليس كل صحافي يقتل هو بالضرورة شهيد للصحافة والقلم وحرية الرأي, فكثير من الصحافيين يبيع قلمه ويعرض خدماته للأنظمة والأجهزة الوطنية والأجنبية. ولا بد أن نتذكر ثانية أن خاشقجي لم يقتل بسبب آرائه ومقالاته الصحافية، وإنما قتل على الأرجح لأسباب سياسية وصراعات تدور على السلطة, وحولها. وقد ورط نفسه رحمه الله في هذه الصراعات, وربما في ارتباطات واصطفافات ومواقف أشد خطراً, ستتكشف قريباًَ, لأننا في عصر لا أسرار فيه, ولا حواجز أمام حرية تدفق المعلومات. ولذلك فلا مبرر لأسطرة المرحوم خاشقجي, وإضفاء هالة من المثالية عليه, فهو أيد الغزو الأميركي للعراق بلا تردد. ولا مبرر ولا صحة للقول إنه وقف مع الشعب السوري في ثورته أكثر من أي صحافي آخر في العالم, فهذا الزعم عار عن الصحة, ويخون الحقيقة والموضوعية, ويفتئت على عشرات الصحافيين  العرب وغير العرب وقفوا في خندق الثورة السورية بشكل مبدئي ثابت بكل قواهم, ودافعوا عنها, لا اقتداء بسياسات حكوماتهم كما فعل الراحل، ولكن التزاماً بالقيم الاخلاقية وما تمليه قناعاتهم المستقلة وضمائرهم الحرة عليهم. كتاب وصحافيون كبار أمثال حسن صبرا، علي الأمين، الياس خوري، عبدالوهاب بدرخان، حازم الأمين، أسعد حيدر، خيرالله خيرالله وحازم صاغية.. إلخ .

باختصار إننا ندين جريمة اغتيال خاشقجي بلا تحفظ, سواء كانت أسبابها سياسية أو صحافية, ولكننا نرفض ونستنكر محاولات أسطرته, لأن شروطها ببساطة لا تتوفر في المغدور.

والأهم منذ ذلك أننا مع محاسبة المتورطين في جريمة الاغتيال مدبرين ومنفذين, ولكننا لا نقبل شيطنة المملكة العربية السعودية والتمهيد لضربها وتدميرها, لأن غاية ذلك هو العدوان والإضرار ببلد عربي رئيسي, يقوم بدور مركزي ومتقدم في حماية الأمن القومي العربي.