2018-10-25 23:35:16

جعجع : قصة البحث عن ثنائية سياسية - بقلم: مدحت عبيد

جعجع : قصة البحث عن ثنائية سياسية - بقلم: مدحت عبيد

جعجع : قصة البحث عن ثنائية سياسية - بقلم: مدحت عبيد

جعجع : قصة البحث عن ثنائية سياسية - بقلم: مدحت عبيد

 

  تعتبر الحكومة العتيدة بنظر مراقبين كثر، أنها اهم حكومة يتم السعي لتشكيلها منذ انسحاب السوريين من لبنان. وأسباب ذلك عديدة، ويظل أهمها، ان معظم الحكومات الماضية كانت تشكل لكي تقوم بمهمة انتقالية وظرفية، كالتحضير للانتخابات النيابية او الرئاسية او لملء فترة فراغ سياسي تمهيداًً للدخول بفترة سياسية أخرى أصيلة. فيما الحكومة العتيدة الجاري العمل لتشكيلها هي حكومة يتوقع ان تستمر طوال عهد الرئيس ميشال عون الذي لا يزال في عاميه الاولين.

 ولهذا السبب فإن هذه الحكومة ستدشن مرحلة سياسية داخلية جديدة، وهي بالتالي ليست حكومة ستؤسس لمرحلة جديدة. وعليه فإن كل القوى السياسية اللبنانية تنظر لمشاركتها في هذه الحكومة من زاوية انها مشاركة سيبنى عليها وزنها السياسي الداخلي المقبل، لا سيما وان هناك الكثير من هذه القوى تمر بمرحلة إعادة تأسيس سياسي وحزبي لواقعها وتموضعها والأهم لدورها الداخلي.

وليد جنبلاط يريد لمشاركة حزبه في الحكومة العتيدة ان تسهم في تجسيد وراثة ابنه تيمور كزعيم للمختارة. ومن هنا عمل بشكل دؤوب من أجل أن تكون مشاركة الحزب التقدمي الاشتراكي فيها سمة  ميثاقية بحصر التمثيل الدرزي بها.

 والتيار الوطني الحر يتصرف على أساس انها حكومة العهد الاولى، ولذا يريد تحقيق توازنات بداخلها في صالحه وصالح رئيس العهد ميشال عون. والهدف من ذلك ان تكون حكومة العهد الاولى هي بطاقة ترشيح لرئيس التيار الوطني الحر الوزير جبران باسيل لرئاسة الجمهورية. وكذا الحال بالنسبة لتيار المستقبل، الذي يريد لحكومة الحريري العتيدة أن تكون مساحة لإحداث نقلة سياسية تصحح الكثير من الخلل لزعامة بيت الوسط على الساحة السنية. أما حزب الله فينظر لمشاركته في هذه الحكومة بوصفها مشاركة يجب أن تؤمن امكانيات تصديه لكل ما سوف يستهدفه اميركياً وعربياً من عقوبات ومحاولات حصاره في المرحلة القادمة بصفته وفق التعبير الشائع حالياً اهم أذرع ايران في المنطقة.

ولكن تظل قصة القوات اللبنانية بخصوص إستحقاق الحكومة العتيدة، هي الأكثر حساسية، نظراً لعدة تطورات حصلت في الآونة الاخيرة:

أولاً – القوات ضاعفت حجمها الانتخابي في الانتخابات النيابية الأخيرة، فحصلت على 34 بالمئة من التمثيل المسيحي، مقابل 64 بالمئة لكل القوى الأخرى بما فيها التيار البرتقالي. وعليه  فإن القوات بعد الانتخابات النيابية اصبحت قوة صاعدة مقابل تحول حزب الكتائب الى قوة ضامرة، والتيار الوطني تحول لقوة مؤهلة للتضاؤل بأكثر مما هي مؤهلة للتصاعد. ويهم القوات اللبنانية أن تترجم هذا المعنى لواقعها السياسي داخل الحكومة العتيدة، فيما التيار الوطني الحر، وبالأخص جبران باسيل يهمه طمس هذا المعنى للقوات داخل حكومة العهد الاولى. وهنا تكمن خلفية ما شاع مؤخراً عن تسمية ما يجري بالعقدة المسيحية.

ثانياً – القوات اللبنانية بعد تفاهم معراب أصبحت شريكاً في نادي الزعامة المسيحية ولم تعد شريكاًَ في نادي الاحزاب المسيحية. وهناك فرق بين الزعامة المسيحية والحزبية المسيحية. فطوال عهد جمهورية المارونية السياسية، كان حزب الكتائب هو الأكبر بين كل الاحزاب المسيحية، ولكن مؤسسه بيار الجميل لم يصل لرئاسة الجمهورية، لأن النظر لدوره كان يقتصر على أنه زعيم حزبي مسيحي، فيما تحول الشهابيون من فؤاد شهاب الى شارل حلو الى الياس سركيس الى ثقل مؤثر على مدى أكثر من عقد بوصفهم يمثلون زعامة شهابية مسيحية. لا يريد سمير جعجع ان يتكرس بشأنه تقليد انه زعيم مسيحي حزبي فيما جبران باسيل وسليمان فرنجية يتجهان لبناء حيثيتهما كزعيمين مسيحيين وبالتالي كمرشحين للرئاسة الاولى.

وضمن تطلع جعجع هذا، فإنه يحتاج لتكريس دوره كزعيم مسيحي. ولكنه يحتاج لصناعة هذا الدور او الصاق هذه السمة به، الى اعتراف سياسي بزعامته وليس مجرد اعتراف سياسي بدوره الحزبي. وجد جعجع طريقاً سريعاً لتحقيق هذا الاعتراف له، وذلك من خلال بناء ثنائية بين القوات اللبنانية وأكبر مكون سياسي اسلامي سني في لبنان، أي تيار المستقبل. ولكن تبين للحكيم ان دعائم هذا التحالف ليست قابلة للصمود في زمن التسوية الرئاسية التي تحتم على الحريري اعطاء أولوية في تحالفاته على الساحة المسيحية لعلاقته بالتيار الوطني الحر وللثنائية بين سرايا الحكومة وقصر بعبدا. وعليه إتجه جعجع حالياً لثنائية مسيحية- مسيحية مع بنشعي تعوضه خسارته الثنائية مع المستقبل ولاحقاً وهن ثنائيته مع التيار الوطني الحر.

ولكن هذا الاتجاه نحو بنشعي، يواجه عدة أسئلة حرجة، أبرزها سؤال عن مستقبل هذه الثنائية، وذلك في ظل ان السقف السياسي الداخلي والاقليمي لسليمان فرنجية منخفض جداً ولا يسمح له بالذهاب بعلاقة جدية او استراتيجية مع القوات اللبنانية.

ثالثاً – السؤال الذي يطرح نفسه على معراب في هذه اللحظة، هو هل جعجع يعاني حصاراً سياسياً داخلياً، رغم توسع قاعدة القوات الانتخابية؟؟

مصدر مقرب من القوات اللبنانية يجيب عن السؤال من خلال تسليط الضوء على ثلاثة معطيات أساسية:

المعطى الاول أن القوات تعاني من أزمة البحث عن شريك سياسي مخلص، سواء فوق الساحة الاسلامية او المسيحية. ويكابر جعجع اذا قال اليوم انه يملك مثل هذا الشريك. والحقيقة ان القوات بلا شريك سياسي آخر. فالمستقبل لم يعد شريكاً استراتيجياً بعد سقوط مشروع 14 آذار وبعد موقف القوات الملتبس خلال ما عرف بأزمة استقالة الحريري في السعودية، وبعد سريان مفعول التسوية الرئاسية التي ولدت على أساسها حكومة الحريري الاولى وثمة سعي اليوم لإعادة انتاج نسخة حكومتها الثانية.

وثمة الكثير في هذا الاطار مما يحكى عن القوات وأسلوب رئيسها في التعاطي مع الآخرين بشكل حرمه من ان يكون له شريك فعلي في البلاد, وما يتحدث عنه مسيحيو قوى 14 آذار السابقة المستقلون عن جعجع يكتب عنه مجلدات في النقد وحتى التجريح, وفي اتخاذ الموقف وعكسه, وفي المقاربات الخاطئة لما يستجد ويطرأ من أحداث وأبرزها ما ظهر بشكل صارخ عندما استقال الحريري في تشرين الثاني / نوفمبر الماضي وموقف جعجع الذي اتهم يومها بالتواطؤ قبل ان يتراجع بشكل بدا معه حرجه بشكل واضح، خصوصاً عندما ارتفعت الأصوات المطالبة بإخراج القوات من الحكومة كونها طالبت وأيدت الاستقالة التي تراجع عنها الحريري بعد التدخل الفرنسي الذي ضمن عودته الى لبنان وكذلك عودته عن الاستقالة.

المعطى الثاني يتمثل بأن جعجع خسر رهانه بخصوص نتائج قد تتحقق للقوات خلال عهد عون، أبرزها دخول القوات الى وظائف الدولة، وأيضاً شراكة في جبنة الزعامة المسيحية، وليس الحزبية. وأيضاً إنتقال القوات من حزب ضيق الأفق المسيحي الى حزب واسع الافق الوطني والمسيحي. هناك اليوم لعبة حصار وطني ومسيحي يخوضها جبران باسيل ضد القوات اللبنانية، وحتى الآن تبدو هذه اللعبة ناجحة، حيث القوات لا تمثل حكومياً الا بالمعيار الذي تحدده لها الزعامة المسيحية المتمثلة بعون وخليفته جبران باسيل. وحيث القوات تسحب من تحت اقدامها السجادة الوطنية المتمثلة بشراكتها مع المستقبل. كما ان العلاقة بين القوات والمردة لن تعدو كونها علاقة تكتيك على صلة بجبهة متضررين من جبران، وهؤلاء المتضررون سيفترقون عند أول استحقاق يمتحن اختلافات مصالحهم.

هذا فضلاً عن التساؤلات المطروحة حول قيام جعجع اليوم بمحاولة تعويض خيبته بما كان ينتظره من تفاهم معراب وانتخاب عون رئيساً من خلال التقارب مع فرنجية علماً انه كان اختار عون للرئاسة كرد على اختيار الحريري لفرنجية مرشحاً للرئاسة, فإذا به يعرض علاقته بالحريري لاختبار قاسٍ من دون ان يربح علاقة جديدة مع عون وتياره رغم شعارات ((أوعى خيك)) وما الى هنالك مما يروج له على غير صعيد شعبياً.

المعطى الثالث وهو الأهم ويتم التفكير به حالياً داخل نخب القوات اللبنانية ومفاده انه بعد دخول معراب نفق عدم وجود شريك وطني او مسيحي سياسي لها، تبدو في آخر هذه النفق نقطة ضوء وحيدة، وهي المختارة، أي التحالف بين جعجع وجنبلاط. وهذا التحالف يمكن تحوله لتحالف استراتيجي نظراً لعدة اسباب موضوعية، أهمها ان كلاً من القوات والتقدمي الاشتراكي يملكان ديموغرافيا مشتركة هي الشوف، وهذه منطقة تعتبر من أهم مناطق لبنان لجهة رمزيتها السياسية وصلتها بتأسيس الكيان اللبناني .

.. وأيضاً لأن جنبلاط كما جعجع يحتاجان لإعادة هندسة علاقاتهما بوجه التحدي العوني الذي لا يعتبر غمامة سياسية عابرة في سماء الحياة السياسية اللبنانية الداخلية، بل هو عهد فتي ((كونه لم يمض من عهد عون إلا نحو سنتين)) وأيضاً هو عهد يتسم بأنه قد يصبح عونية رئاسية متتابعة، نظراً لموقع جبران باسيل داخله. وقد يكون جنبلاط المتكىء داخلياً على كتف الرئيس نبيه بري، أصبح بحاجة لكتف آخر يطمئن لأن يتكىء عليه ابنه تيمور في السنوات القادمة. وهنا قد تولد مصلحة بين جعجع وتيمور لتأسيس شراكة استراتيجية تولد في حياة وليد وتستمر بعد تركه كل الساحة السياسية لنجله.

فهل تولد قريباً ثنائية المختارة معراب، بوجه العهد العوني المرشح لأن يستمركنهج بعد الرئيس ميشال عون؟؟.