2018-10-25 23:11:23

تجربة استثنائية مع رجل استثنائي / بقلم عدنان فاكهاني

تجربة استثنائية مع رجل استثنائي / بقلم عدنان فاكهاني

تجربة استثنائية مع رجل استثنائي / بقلم عدنان فاكهاني

تجربة استثنائية مع رجل استثنائي / بقلم عدنان فاكهاني

 

اليوم، كان يوم السبت في 7 حزيران/ يونيو 2003 عند الساعة السادسة مساءً، رنّ جرس هاتفي.. المتصل أبو طارق يحيى العرب..

الساعة 6.45 مساءً، وصلت الى صالون الضيوف في الطابق الخامس في قصر قريطم بانتظار وصول دولة الرئيس رفيق الحريري من تقديم واجب العزاء بوفاة أحد أبناء بيروت.

الساعة 6.55 وصول موكب دولة الرئيس.

الحمد لله، ثم الدخول سوياً الى مكتبه حسب طلبه.

لم يجلس دولة الرئيس على مقعده المعتاد، وظل واقفاً، وطلب مني الجلوس.. تفضل تفضل!!.

 لياقةً مني انتظرت جلوسه أولاً، لكنه كرر عليّ القول: ((تفضل حج استريح))، وبقي واقفاً واضعاً يديه في جيوب بنطلونه.. ومشى ذهاباً وإياباً ثلاث مرات، وهو يفكر.. وأنا لا أعلم ما هو الموضوع الذي أرسل للقائي من أجله!.

انشغل بالي.. وشعرت بتوتر.. وأنا أسأل نفسي ماذا يريد؟؟

وبعد أن استقر دولته خلف الكنبة المخصصة لجلوسه، بقي واقفاً ووضع يديه الاثنتين على أعلى الكنبة، قال لي بنبرة قوية: ((شوف أخ عدنان.. أنت بتعرف قديش إلك محبة ومعزّة واحترام عندي، وأنت أخ عزيز))، - هنا بلغ التوتر بي ذروته- فقلت له: ((وقد أصابت صوتي بحّة لم تحصل لي من قبل في حياتي)).

 وأنا كمان دولة الرئيس الشعور نفسه، القلوب عند بعضها.

ورحت انتظر أن يكمل كلامه.. - وفي أقل من برهة- وقبل أن ينطق، ماجت أفكاري بشكلِ مزعج كسفينة تلاطمها أمواج عاتية ولا تستقر، وذهب شعوري إلى أن النتيجة غير مطمئنة، -بصراحة، اعتقدتُ ان احدهم، رمى علي حرام بشي خبرية كاذبة، ليوقع بين دولة الرئيس وبيني-.

أكمل دولة الرئيس حديثه.. وهو ما يزال واقفاً خلف الكنبة.. وأنا جالس انظر إليه الى الأعلى، بتوتر لا يوصف... وقال: ((شوف حج نحن الآن لدينا انتخاب بلدية بيروت ونحن منعرف بعض من 12 سنة وبعتقد انو صار عندك وقت لنكون سوا بشكل جدّي)).. وتوتري لم يتوقف.. خصوصاً أن كلامه الجميل والمُحبب بقوله أنت أخ عزيز وأُقدّرك واحترمُك، اعتقدتُ إنها مقدّمة ليقول لي ((بس في..))

 أكمل دولته كلامه: ((عادةً يا حج بكون رئيس الماكينة الانتخابية الأخ سليم ((سليم بك دياب))، والآن بدّي ياك انت تكون رئيس هيدي المكنة ببيروت)).

وما إن انتهى من كلامه، وأيقنت أن هذا كل ما يريد قوله، وعرفت شو الموضوع..، شعرت وكأن أحدهم صب علي ماء دافئاً.. وفي لحظات استعدتُ أنفاسي، ورحت ألملم أفكاري من حيث وصلت إليه..، وهدأت أعصابي.. فقلتُ له: ((دولة الرئيس، عذراً لا علم لي ولا دراية في طبيعة إدارة الماكينة الانتخابية، وهي مسؤولية كبيرة أنا عندي خبرة بانتخابات جمعية تجار بيروت وغرفة التجارة وجمعية تجار مارالياس، ثم إن الأستاذ سليم دياب أخ وصديق لي.. وكيف بدّي آخُذ مطرحو؟)).

فقال لي: ما تهكل همّ .. سليم أكتر واحد أثنى عليك وزكّى اسمك.. والجميع سيقفون الى جنبك ويدعموك.

قلت له: لا لا لا دولة الرئيس، أنا مُستعدّ ان أخدمك بأي شيء آخر، انت عم تعطيني مسؤولية كبيرة أخاف منها.

فقال لي: هيئتك مُتردّد .. شوف.. فكّر بالموضوع وخبرني خلال ثلاثة أيام.

كانت ردّة فعلي سريعة فقلتُ له: دولة الرئيس انا أفديك بروحي وأُقسم بالله لو طلبت مني ان ارمي نفسي عن صخرة الروشة لفعلت، ولكن أنا خايف كرمالك، نجاحك أو سقوطك -لا سمح الله- تضعُهم بين يديّ، أنا شو بدّك بساوي حاضر.

فقال لي : شو .. نتوكّل على الله.

فقلتُ له نعم نعم اتكّلنا على الله.

فغمرني وابتسامة كبيرة على وجهه، وقال لي: ((أنت بتنجح.. وأنا عندي نظرة بالأشخاص، ومتأكد انك ستنجح، ويللاّ منعوُد نشوف بعض ومنكفّي الحديث))..

ذهبتُ الى منزلي وأنا في عالم آخر، أفكار متضاربة وتشويش ذهني وعدم تركيز وشعور بفرح عارم يلفه قلق كبير.. شعرت وكأنني  أحملُ جبالاً من المسؤولية على ظهري من كثرة الهمّ الذي أصابني.

 وصلت البيت، فأخبرتُ زوجي نهال بالموضوع.. كانت على عكسي تماماًً.. أعطتني الكثير من المعنويّات العالية، وفرحتها كانت تنـزل الهم تلو الهم عن عاتقي..

بكل صدق .. ليلة السبت وليلة الأحد لم استطع النوم.. أفكار من هنا وأفكار من هناك.

    الاثنين 9 حزيران/ يونيو 2003 الساعة 8 صباحاً قصر قريطم.

الدخول الى الصالون في الطابق الخامس وكالعادة عشرات من الزوّار في اللّقاء الصّباحي المُعتاد.. وبعد السلام على دولة الرئيس: قلت له: ((دولة الرئيس بدّي شوف دولتك خمس دقائق))، ذهبنا سوياً الى الصالون الكبير، وجلسنا على كنبة كبيرة.

فقلتُ له: دولة الرئيس انا بشكرك كتير كتير على ثقتك الغالية التي أعطيتني إياها وما قادر لاقي كلام عبّر لك فيه عن شكري وتقديري، لكن عندي طلب اذا بتريد..

قال لي مازحاً: بس ما يكون شرط؟.

قلتُ له: معاذ الله.. هو تمنٍ من بعد أمرك.

قال: تفضّل .

قلتُ له: شوف دولة الرئيس، أكثرية يلي اشتغلوا معك في الانتخابات انحكى عنهم، وأنا والحمدلله استطعتُ ان أصنع اسماً نظيفاً، وعملتُ أعمالاً كبيرة، وحصلتُ على مصاري كثير، وبعدها خسرتُ الكثير الكثير، وفقدتُ الكثير من أعمالي التجارية، ولكن حافظتُ على اسمي والحمدلله، فطلبي أنني لا اقبض مصاري ولا أدفع مصاري ولا أتعاطى بعمل لافتة او صورة او أي شيء عقاري او مالي، فاقترح عمل لجنة مالية تكون مسؤولة عن ذلك.

فقال لي: ما انا اخترتك منشان امانتك، واكمَلَ كلامه فقال: شوف عدنان انت اول شخص انا اختارُه والبقيّة جابولي ياهم. انا اخترتك بعد صداقة ومعرفة مع بعض 12 سنة. وأكمل كلامه، أنت بتعرف ليش أنا اخترتك؟.

قلتُ له: لا.

فقال لي: اولاً كرمال اخلاقك وتهذيبك.

           والكلام لدولة الرئيس رفيق الحريري .

رابعاً وهنا أطالَ في الصّمت ليعود ويقول من اجل تواضعك وأعادَها مرة ثانية بدّي ياك تضّل هيك.

        وبدأ مشوار الانتخابات البلدية التي جرت في ايار/ مايو 2004 بكل حماسة وهمّة ونشاط.

أذكر أن أول سؤال سألته لدولة الرئيس هو: من مين آخُذ الأوامر؟.

لم تُعجبه كلمة ((الأوامر))..  وردّ عليّ بتهذيبه المعهود:

التوجيهات بتأخذها مني مباشرةً..

وتابعت: ما هي توجيهاتك دولة الرئيس حول الحملة الانتخابية؟

فقال لي: شوف أخ عدنان بدنا نصالِح الزعلان وبدنا نقرّب البعيد.

فقلت له: نعم دولة الرئيس وأنا اعتقدتُ كلامه هذا مقدمة لبقية الحديث.

فقال لي: عرِفت بدنا نصالِح الزعلان ونقرّب البعيد .. خلّينا نِشتغِل عليهم، لأنو في كتير ناس زعلانة من بعض الشباب.. وفي ناس مبيعدين عنّا.

      نعم، كلمتان فقط هما منهاج الحملة الانتخابية وما تحمِلُه من معانٍ تختصِر كُتب وبرامج وحملات ((بدنا نصالِح الزعلان ونقرّب البعيد)).

وجرت الانتخابات البلدية وفازت اللائحة بالكامل، وبعد يومين من النتيجة المُشرّفة كنت في قصر قريطم، واذا بالأخ الحبيب الغالي على قلبي الدكتور سهيل بوجي خارجاً من مكتب دولة الرئيس صباحاً فبادرني بالقول: ((شو كانوا عم يطِنّوا أذنيك))؟ كنا مع دولة الرئيس عم نحكي عنك وعن الانتخابات البلدية، وقال دولة الرئيس هيدي الانتخابات كانت مسك وبخور،  والمصاريف كانت قروش مع عدنان فاكهاني..

 فشكرتُ الله عزَّ وجلّ على هذه النّعمة والسّمعة الحسنة.. وعلى هذا الإنجاز والإدارة الناجحة..

 وكل يوم كنتُ أشعر أنني دخلت مدرسة بل جامعة أتعلّم فيها كل جديد مباشرة من النّبع الصافي من الرئيس رفيق الحريري الذي كنت تابعاً مباشرةً له من دون أي وسيط .

     وبعدها اجتمعتُ مع دولة الرئيس الذي قال لي: خلّصنا الانتخابات البلدية ومن اليوم بدنا نبلّش نشتِغل للإنتخابات النيابية سنة 2005 .. والناس بتِعتُب علينا انها ما بتشوفنا ولا نتواصل معهم إلاّ وقت الانتخابات، أنا بدّي منّك تكفّي بزيارات العائلات والجمعيات والعشائر العربية فالاتصال والتواصل هو الأساس والعملية الانتخابية هو عمل تراكُمي من أربع سنوات لأربع سنوات.. وعلينا تكثيف الخدمات.. عدنان بدّي ياك تِتفرّغ تماماً للعمل معنا، روح أمّن سير عملك الشخصي وركّز بالعمل معنا.

ودائماً أقول لزوجي وأولادي إنها أربع صفات من دولة الرئيس رفيق الحريري اعتبرُها  أوسمة على صدري حتى الممات، نابعةً من أهمّ شخصية لبنانية وعربية ودُولية في العالم، ويكفيني هذا الشرف العظيم أفضل من كل المراكز والمناصب والصّفات..

الله يرحم روحك الطاهرة يا ابو بهاء، أنت أخي وحبيبي الغالي وتاج رأسي ومعلّمي وزعيمي وقائدي.. في يومٍ من الأيام كنت اعتقد انني عملتُ لسنوات طويلة في الجمعيات الاقتصادية والاجتماعية والانسانية وأصبح عندي رصيد كبير من المعلومات ومن العلاقات العامة، واذ بي اكتشف بالعمل مع دولة الرئيس رفيق الحريري انه ينقصني الكثير من الهدوء والرصانة وبُعْد النظر والحكمة ، حقّاً انه رجل تاريخي واستثنائي بكل ما تعني هذه الكلمات، بأخلاقه الحميدة وصدقه وإخلاصه ووفائه ومحبته للناس ولخدمتهم ولتواضعه.

   سنبقى نحبك دولة الرئيس رفيق الحريري ولن ننساك لأنك مزروع ٌفي دمائنا وعقولنا وقلوبنا وعظامنا.. وسنبقى أوفياء لمسيرتك ونهجك الى جانب دولة الرئيس الحبيب والغالي على قلوبنا سعد الحريري، أمل لبنان الذي يتمتّع بالكثير من صفاتك وخصوصاً الصّدق والتواضع، وسنبقى الى آخر لحظة في حياتنا بكل الوفاء والعطاء نُربّي أولادنا واحفادنا على حبّ هذا النّهج لانه الخلاص الوطني الوحيد لوطننا لبنان .

عدنان فاكهاني / مدير مكتب الرئيس الشهيد رفيق الحريري للعلاقات العامة