2018-10-11 19:44:41

عن ((صديقي)) عادل عبد المهدي / بقلم: محمد خليفة

عن ((صديقي)) عادل عبد المهدي / بقلم: محمد خليفة

عن ((صديقي)) عادل عبد المهدي / بقلم: محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها ..؟!

عن ((صديقي)) عادل عبد المهدي / بقلم: محمد خليفة

 

قبل ثلاثين عاماً تعرفت على المثقف والسياسي العراقي عادل عبد المهدي .

كان اللقاء الأول في العاصمة الفرنسية منتصف الثمانينيات، حيث لجأ آلاف المثقفين العراقيين المعارضين لنظام الرئيس السابق صدام حسين، مثلما لجأ آلاف آخرون من كل البلدان العربية لأسباب مشابهة. تعارفنا وتحادثنا، ثم انقطعنا لأنه كان يعيش في مدينة بعيدة عن باريس حيث أعيش. وعدنا للقاء بعد عدة سنوات في إحدى الندوات العلمية الفكرية التي كان ينظمها ((مركز دراسات مستقبل العالم الاسلامي)) الذي يتخذ من مالطا مقراً رئيسياً له. وقد تكررت المشاركات واللقاءات بيننا على مدى سنوات في مالطا والقاهرة وطرابلس الغرب ..إلخ .

كنا نتبادل الحوار والسجال من موقعين مختلفين جداً حول الشؤون العربية السياسية، وخصوصاً الأوضاع في العراق، وحرب الخليج الأولى ثم الثانية. وأتذكر أن انحيازه للجانب الإيراني كان ملموساً في كل رؤاه لأوضاع المنطقة العربية ومستقبلها.  ولكنه انحاز لموقف العراق بشكل قوي في مواجهته مع الولايات المتحدة بعد اجتياح الكويت، رافضاً سياسة حصار العراق وتجويع شعبه.

والى جانب الحوارات الجادة كنا نتبادل الحديث عن همومنا الشخصية كمثقفين نحمل تطلعات قومية وأشواقاً الى الحرية والديموقراطية في أوطاننا التي أنكرتنا ودفعتنا للهجرة. ومن خلال تلك الأحاديث والشجون الذاتية عرفت منه أنه كان من أسرة عريقة لها باع طويل في السياسة، وكان والده وزيراً في العهد الملكي. وعلمت أنه انتمى للتيار القومي العربي في باكورة وعيه أثناء دراسته الجامعية وبعد ثورة 1958 انتسب الى حزب البعث مطلع الستينيات واستمر حتى هزيمة العرب في حرب1967، ثم وصول ((البعث)) الى السلطة في بغداد، فتحول الى الماركسية حاله كحال مثقفين عرب كثيرين. وبعد ثورة ايران 1979 التي خطفها الملالي تحول الى الايديولوجيا الاسلامية الشيعية، وانجرف في تيارها السياسي، وانتسب الى ((حزب الدعوة)) .

في هذه الحوارات والسجالات كثيراً ما كنا نختلف وقليلاً ما نتفق، ولا سيما حول صلاحية الفكر القومي العربي أو الفكر الماركسي لتحقيق أهداف شعوبنا، ويطرح بديلاً عنهما الفكر الاسلامي، ولكنه كان على الدوام يتميز بقدر عال من دماثة الخلق، وسعة الأفق، وعقلانية الطرح في هدوء، ولا يضيق برأي مخالف أو جارح، ويعبر عن احترامه لكل التيارات.

لم يكن عادل ذا عقلية دينية أو مذهبية متحجرة، ولم تكن آراؤه تشي بتطرف أو انغلاق. بل كان مثقفاًَ عصرياً استوعب تجارب النهضة الاوروبية، واطلع على الفكر العلمي، بفضل إجادته للغة الفرنسية، ودراسته الاكاديمية في فرنسا، فضلاً عن انه كان يصدر في حينها مجلة بحثية فصلية يغلب عليها الاهتمام بقضايا العلاقات بين العالم الاسلامي والغرب، واشكاليات الفكر العربيالاسلامي.

كان يعيش في فرنسا، ويوزع وقته بين الدراسة الاكاديمية، وحصل على الماجستير والدكتوراه، والنشاط السياسي في أوساط المعارضة العراقية التي يرتبط مع معظم شخصياتها من كل الجهات .

بعد الغزو الأميركي للعراق عاد عبد المهدي مع المعارضة الخارجية التي كانت واقعة تحت نفوذ ايران والدول الغربية. وأهلته كفاءاته العلمية والثقافية وخبرته السياسية المتعددة، وعلاقاته مع جميع الأطراف لشغل مناصب سياسية مهمة عديدة، وخصوصاً منصب نائب رئيس الجمهورية، ثم وزيراً في عدة حكومات.

يصعب تصنيف عادل عبد المهدي في خانة محددة أو قالب حزبي ضيق، إنه في رأيي أقرب الى مثقف ليبرالي عقلاني وسياسي براغماتي معتدل لا يغلق نوافذه على جهة أو تيار، بل يجيد فن التقارب مع الجميع وعقد الشراكات. إنه أبعد ما يكون عن المثقف الشيعي الذي يلغي عقله لصالح مرجعيات ونظريات فقهية جاهزة، بل وأبعد ما يكون عن توجهات حزب الدعوة الموالي لإيران. وأعتقد أن علاقته بالحزب المذكور أو السلطة الايرانية لم تكن أكثر من علاقة مصلحة عابرة في مسيرته السياسية المتقلبة، مثل أي مثقف يطلب السلطة ليحقق أفكاره، أو يحاول لعب دور في المجتمع والسلطة، ومستعد دائماً للمساومة على الوسائل والأدوات.

كما أرى أن التوافق عليه بين الكتل والأطراف السياسية العراقية ومراكز النفوذ الخارجي بعد التجارب المريرة في السنوات السابقة، يعكس تلك الحقيقة ويثبت تحرره النسبي من ضغوط الجاذبية الحزبية، وميله للواقعية والبراغماتية واستعداده للمساومة، وعلاقاته الحسنة مع كافة الاطراف، فهو مقبول من الجميع، ومنفتح على الجميع، ويجعله رجل المرحلة القادمة ليشكل حكومة تستند الى ائتلاف وطني برلماني واسع، وتضم كفاءات سياسية وتكنوقراطية لا حزبية، كما يشترط تحالف ((سائرون)) بقيادة مقتدى الصدر لتتجاوز المحاصصات الطائفية وتتحرر من الألاعيب الحزبية وصفقاتها الفاسدة. ولا بد أن يكون برنامج الحكومة المنتظرة انقاذ العراق من أزماته الصعبة ويعيد الاستقرار، ويطبق خطة تنمية سريعة.

ومع أن ملاحظتي الشخصية تخلص الى أن المثقفين في العالم العربي خلال الخمسين سنة الأخيرة (!) إلا أن الانصاف يقتضي ألا نحكم على عادل عبد المهدي في مهمته الجديدة والصعبة بناء على خلفيته الحزبية والطائفية، بل تقتضي منحه الفرصة والوقت وإمهاله حتى نرى ما الذي يمكنه أن يحقق وسط الزلازل التي تضرب العراق، وفي ظل التعقيدات والأزمات المستفحلة، بسبب تلاعب ايران به وبقادته، وتفشي الفساد والمحاصصة الطائفية والحزبية، وكذلك اخفاقات نخبته السياسية الحالية .

إن الرهان على كفاءة عبد المهدي ومزاياه صحيح، ولكن لا ينبغي المبالغة بقدرته على حل مشاكل العراق المعقدة والكبيرة بمفرده، وفي فترة سريعة، فالرجل لا يملك عصا سحرية، بل يسير في حقول ألغام خطرة، ولن يستطيع تحقيق شيء بدون دعم الجميع له وتحليهم بروح وطنية مسؤولة. ولذلك يجب تأجيل الحكم عليه الى ما بعد تجربته في شغل أهم منصب تنفيذي في النظام العراقي .