2018-10-05 15:13:40

المسلمون السنّة، بين الواقع المكلوم، والأمل المنشود/ كتب القاضي الشيخ خلدون عريمط

المسلمون السنّة، بين الواقع المكلوم، والأمل المنشود/ كتب  القاضي الشيخ خلدون عريمط

المسلمون السنّة، بين الواقع المكلوم، والأمل المنشود/ كتب القاضي الشيخ خلدون عريمط

المسلمون السنّة، بين الواقع المكلوم، والأمل المنشود/ كتب  القاضي الشيخ خلدون عريمط

   رئيس المركز الاسلامي للدراسات والاعلام

 

الوجود الاسلامي لأهل السنّة والجماعة في بيروت وبقيّة مدن الساحل اللبناني، يعود تاريخه الى عهد الخليفة الفاروق عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، أي سنة 13 للهجرة النبويّة الشريفة،الموافق 634 م، كما أشار الى ذلك الكثير من المؤرّخين العرب والأجانب، وخصوصاً المؤرّخ أبو الحسن بن داوود البلاذري في كتابه ((فتوح البلدان)) وهذا يعني بأنّ المسلمين في لبنان ساحلاً وسهلاً وجبلاً وبقاعاً وفي الدول المجاورة للبنان، هم أصل هذه البلاد وأهلها منذ ما يزيد عن ألف وأربعمائة وسبعة وعشرين عاماً، وهم الّذين صاحبوا صحابة رسول الله في الدفاع عن هذه الأرض الطيّبة وتحريرها، وفي مقدّمة الصحابة الّذين نزلوا طرابلس، وجبيل، وبيروت، وصيدا، وصور عام 13 للهجرة الصحابي أبو الدرداء، وشرحبيل بن حسنه، ويزيد بن أبي سفيان، وسلمان الفارسي، وغيرهم الكثيرون رضي الله عنهم وأرضاهم منمن رابطوا وجاهدوا ودفنوا في مقابر المسلمين، ومن هذه النخبة الطيّبة ومن جاء بعدهم من التابعين وتابعيهم في العهد الأموي والعباسي والعثماني تجذر الوجود العربي بمسلميه ومسيحيّيه، فكانت بيروت وساحل لبنان اضافة الى ساحلي سوريا وفلسطين ثغوراً للعروبة والاسلام قدّم المسلمون، وخصوصاً أهل السنّة والجماعة عشرات الآلاف من الشهداء في كلّ عصر من العصور السالفة ليستمرّوا ركناً ركيناً من مقوّمات الدولة بمسمّياتها المختلفة، لم يتقوقعوا أو يتأقلنوا أو ينحرفوا مذهبياً أو طائفياً أو عرقياً أو مناطقياً، فهم بثقافتهم الراشدة وعمق عقيدتهم وتسامحها أصل الأمّة وحماة الدولة، والمدافعون عن وجودها ودورها في حماية كل من يتواجد على أرضها من المواطنين بشتّى معتقداتهم وانتماءاتهم، هكذا كانوا ولا زالوا يحملون ثقافة الوحدة والتوحيد والحفاظ على الآخر واحترام ثقافته وخصّوصيّته سواء كانت مذهبيّة او طائفيّة أو حتّى عرقيّة الى أن تمت ولادة دولة لبنان الكبير في واحد أيلول/ سبتمبر عام 1920م، برغبة فرنسيّة مع اتفاقيّة ((سايكس بيكو)) قبيل نهاية الدولة العثمانيّة عام 1922م.

والسؤال الكبير الّذي يطرح الآن، ما الّذي تغيّر؟ ليعيش المسلمون من أهل السنّة والجماعة في لبنان واقعاً مكلوماً ((مجروحاً)) متطلّعين الى أمل منشود منذ عام 1975م، مع بداية الحرب الأهليّة العبثيّة الّتي دمّرت مدنهم في بيروت وطرابلس وصيدا، ومزّقت وجودهم بالاجتياح الاسرائيلي عام 1982 وصولاً الى الاتفاق الثلاثي المغيّب لهم والموقّع في دمشق عام 1985 حتّى نهاية الحرب الأهليّة 1990، بإقرار وثيقة الطائف، هل لأنّ المسلمين في لبنان كانوا على الدوام دعاة وحدة وطنيّة وعربيّة، مقاومين باستمرار للمشروع الصهيوني المحتل لفلسطين والهادف الى اقامة كيانات مذهبيّة وطائفيّة وعرقيّة لتكون هذه الكيانات المتنفّس للمشروع الصهيوني التلمودي في فلسطين؟ أم لأنّهم أصرّوا على بناء الدولة اللبنانيّة ومؤسّساتها، ورفضوا منطق الميليشيات المذهبيّة والطائفيّة؟ بل وأكّدوا في مواقفهم وأدبيّاتهم ووثائقهم السياسيّة والدينيّة نهائيّة الكيان اللبناني من خلال الثوابت العشرة الّتي أعلنت في دار الفتوى عام 1986م؟ أم لأنّهم رفضوا ويرفضون المشروع الصفوي الفارسي وفكرة تحالف الأقليّات، الّتي روّج وعمل لها التحالف ((الصهيو- أميركي)) لزرع الفتن بين المسلمين من ناحية وبين المسيحيّين والمسلمين من ناحية أخرى، الّذين كانوا على الدوام ضحايا اغتيال لزعاماتهم وقياداتهم السياسيّة والدينيّة، فمن اغتيال الرئيس رياض الصلح عام 1951، الى اغتيال النائب معروف سعد عام 1975 الى اغتيال الرئيس رشيد كرامي عام 1987، واغتيال المفتي الصالح الشيخ حسن خالد عام 1989 وقبله اغتيال الشيخين صبحي الصالح وأحمد عسّاف واغتيال النائب والوزير ناظم القادري عام 1989 والّتي أعقبهم بجريمة العصر باغتيال باني لبنان الحديث الرئيس رفيق الحريري وما بعده من شخصيّات اسلاميّة سنيّة وأخرى لبنانيّة حملت أفكار وتوجّهات المسلمين من أهل السنّة والجماعة الّذين رفضوا منطق الميليشيات والدويلات ضمن الدولة أو خارجها وعملوا باستمرار لنهوض الدولة وزرع ثقافة المواطنة بين اللبنانيّين، حتّى أن التيّارات والتنظيمات الّتي أسّستها أو عملت لها القيادات الاسلاميّة السنيّة كانت تيّارات وتنظيمات عابرة للطوائف والمذاهب والمناطق، ومن أجل بناء الدولة رفع المسلمون السنّة وقياداتهم شعار نهائيّة الكيان اللبناني ولبنان أوّلاً في الوقت الّذي عمل ويعمل الآخرون على بناء وتحصين مستنقعاتهم وأنفاقهم وتقوقعاتهم المذهبيّة والطائفيّة، حتّى بات لبنان قبل وثيقة الطائف وبعدها ساحة لتوجّهات الآخرين اقليمياً ودولياً، أو دويلات بعضها محصّن عسكرياً وبعضها الآخر طائفياً لإعادة عقارب السّاعة الى ما قبل وثيقة الطائف بل الى عصر حكم بعض الطائفة وليس الطائفة وهذا ما أدّى ويؤدّي الى الفراغ الرئاسي لسنوات، والحكومي الى أشهر وربما يصل الى سنين.

وحده المواطن اللبناني يدفع ثمن هذا الجنوح، ووحدهم المسلمون السنّة وقياداتهم يقدّمون التضحيات ويتحمّلون سلبيّات ونتائج التسويات، ليحيا الوطن و تبنى الجمهوريّة، فإلى متى سيبقى المسلمون السنّة وحدهم يدفعون الأثمان؟ والى متى يستمر العناد في تعطيل نداء الدولة انطلاقاً من وثيقة الوفاق الوطني المعروفة بوثيقة الطائف؟ وإلى متى تعمل بعض القوى على محاولة تفريغ الطائف من مضمونه بحجّة استعادة الحقوق وبناء الدولة على مقاس البعض من هذا الفريق أو ذاك؟

ألا يكفي هذا الاهتراء وذاك الاحباط؟ ومتى تدرك بعض القوى الجامحة أنّ المسلمين السنّة في لبنان هم الأعمق تاريخاً، والأكثر عدداً، وعطاءً، وتضحيات، وقياداتهم السياسيّة والدينيّة تعلم وتعرف وتصبر ليبقى لبنان الدولة والكيان، سيّداً حراً عربياً مستقلاً.