2018-09-28 13:32:14

الدنيا هموم.. ما هو العلاج؟/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الدنيا هموم.. ما هو العلاج؟/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الدنيا هموم.. ما هو العلاج؟/ بقلم الشيخ أسامة السيد

الدنيا هموم.. ما هو العلاج؟/ بقلم الشيخ أسامة السيد

 

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم: ((ومن يتَّق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله بالغ أمره قد جعل الله لكل شىءٍ قَدْرا)) سورة الطلاق.

ليُعلم أن الهمَّ شعورٌ يعتري الإنسان فيترك في نفس صاحبه أحيانًا كثيرةً الحزنَ والاضطراب واليأس والمعاناة وضيق الصدر، وإذا ما تمكَّن الهمُّ والغمُّ من المرء فتراه لا يهنأ بعد ذلك بنومٍ ولا يستلذ طعامًا ولا يستسيغ شرابًا، وقد جاء في تعريف الهمِّ والغم في ((الفتح)) للحافظ ابن حجر أن: ((الهمّ هو الضيق الذي يعتري الإنسان لأمرٍ يُتوقع حصوله، وأما الغمّ فهو الحزن والكرب الذي يحدث في القلب لأمرٍ قد حصل)).

وكم أذاب الهمُّ جسمًا وهدَّ الغمُّ جسدًا فإذا بالمهموم ومن به غمٌّ يشعر كأنه يعيش نهارًا لن يُدركه ليل أو ليلاً لن يعقبه فجر ويُحس كأن الدقائق ساعاتٌ تلو ساعات، فكم هي طويلة ومتعبةٌ ساعة المهموم وصاحب الغم، كيف لا وهو يعاني هذا الداء المضني، فباله مشغول وفكره مُشتت ومذهول، ومن منّا يسلم في عمره يا تُرى من الهم والغم؟!

 

كذا تُقطعُ الدنيا

ولما كانت الدنيا دار بلاءٍ ونَصَبٍ فعلى الواحد منا أن يوطد نفسه فيها على الصبر على البلاء وتحمُّل الشدائد ومواجهة الخطوب بالحكمة والصبر، فقد روى ابن الجوزي في ((صيد الخاطر)) أن رجلاً صحب بِشْر بن الحارث في طريقه فوصلا إلى بئرٍ وقد عطش الرجل فأراد أن يشرب فقال له بشر: ((انتظر حتى نصل إلى البئر الأخرى))، وحين وصلا إلى البئر الأخرى قال له أيضًا: ((انتظر حتى نصل إلى البئر الأخرى))، وجعل يقول له هذا كلما أراد أن يشرب من بئرٍ حتى انقضى الطريق ولم يشرب الرجل، فقال له بشرٌ: ((كذا تُقطع الدنيا)) أي بالثبات على الصبر والتَّحمل. وبشرٌ هذا هو أبو نصرٍ بشرُ بن الحارث المعروف بالحافي من أكابر الصوفية الصالحين.

كثير من الناس يعيشون الغمَّ والهمَّ آناء الليل وأطراف النهار ولا يكاد يمضي يومٌ إلا ويضيق الصدر بغصة أو يضطرب الفؤاد بمصيبة، فصاحب المنصب يتخوّف فقدَ منصبه في كل وقتٍ، وذاك أبٌ ربّى ابنه بمُقل العين ليراه كما يأمل فإذا بولده يهوي مع ثلة التائهين في مستنقعات الفساد فلا هو مقبولٌ في مدرسته ولا هو من أصحاب البصيرة في شؤون الحياة ويكاد الهم والغم أن يمزق قلب والديه، وآخر ذو عيالٍ يُكابد هموم السعي في تحصيل النفقة من تحته من الزوجة والأولاد الصغار إلى غير ذلك مما يعتري أكثر الناس مما يطول ذكره، فللشباب همومُهم وللكبار همومهم وللنساء همومهن ولمن في الغربة همومٌ ولمن في وطنه وبين أهله هموم، ناهيك عن هموم البلاد وما يجري فيها من المصائب والنوازل كالقتل والتشريد والظلم والاستبداد والتهجير والجوع وغير ذلك من مصاعب مدلهمة كسواد الليل المظلم، ولا يكاد يبزغ فجر نهارٍ أو يُسدُل الظلام رداءه إلا والهموم تزيد وتتنوع، والحكمة تقتضي أن تتحصن بدرع الصبر في مواجهة كل ذلك وكذا تُقطع الدنيا. 

 وقديمًا روي عن إمامنا الشافعي أنه قال:

لو سوَّد الهمُّ الثياب فلن تجد                     بيضَ الثياب على امرئٍ في مجلس

 

 

كلُّ شىءٍ بقَدَر

 

وهنا نقول: لو رجع المرء إلى نفسه وتأمل وفكَّر قليلاً وتدبَّر آيات القرآن الكريم فنظر في معانيها الدقيقة وما تضمنته من توجيهاتٍ وإرشاداتٍ راقيةٍ لوجد أن الحوادث والخطوب وإن شرَّقت أو غرَّبت فإنه لن ينال العبد منها إلا ما شاء الله وقدَّره وعَلِمَه وذلك أنه لا يصيب العبد شيءٌ إلا بمشيئة الله وقدرته وعلمه فقد قال ربنا تعالى في سورة الحديد: ((ما أصاب من مصيبةٍ في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير)) ومعنى نبرأها نخلُقها كما في ((تفسير الطبري)) وغيره، وقال تعالى أيضًا: ((أهم يقسمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجات ليتخذ بعضهم بعضًا سُخريًا ورحمة ربك خيرٌ مما يجمعون)) سورة الزخرف. فدلَّت الآية على أن الله تعالى هو الذي قسّم الأرزاق بين الناس فتلقى ضعيفَ الحال عيي اللسان قد بُسط له الرزق وترى القويَّ الشديد أو المتكلم الفصيح وهو مقتورٌ عليه في الرزق، والناس على مراتب في أمور الدنيا فترى الأغنياء يستخدمون الفقراء بأموالهم وترى أصحاب سلطةٍ يضطهدون من دونهم ويبغون الفساد في الأرض بدل أن يشكروا الله على ما رزقهم وما مكَّنهم فيه، ولكن تبقى المفاضلة عند الله بالتقوى والعمل الصالح.

وعلى العبد أن يؤمن بالقدر ويرضى بما قضاه الله فيصبر على ما هو فيه ولا يمد يده للحرام بُغية الوصول إلى نمطٍ معيشي يطمح إليه، ولا يعترض على الله ولا يتسخّط عليه، فكم يصدر من بعض الناس عند نزول المصائب كلمات اعتراضًا على قضاء اللهِ أحكمِ الحاكمين عزَّ وجل تخرجهم من ملة الإيمان. وكم أهلك جاهلٌ نفسه بما قاده إليه شيطانه بمثل هذه الكلمات الشنيعة، أفلم يعلم هؤلاء أن الله يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء، قال تعالى: ((لا يُسئل عمَّا يفعل وهم يُسئلون)) سورة الأنبياء. ثم إن كل ما يجري في العالم من خيرٍ أو شرٍ أو كفرٍ أو إيمانٍ أو طاعةٍ أو معصيةٍ إنما هو لحكمةٍ يعلمها الله، وسواءٌ علينا أَعرفنا الحكمةَ من ذلك أم لا فيجب علينا التسليم لله فهو مالك الملك وله الحُكم والقضاء وهو تعالى أعلم بمصالح العباد وأحوالهم وأن بعض الناس يصلُح حالهم بالفقر ويطغون بالغنى، وبعضَهم يشكرُ الله على نعمه، وبعضهم يتكبر، وبعضهم يكره شيئًا ثم يتبين له بعد سنواتٍ أن ما كرهه كان خيرًا له، وبعضهم يحب شيئًا ثم يرى أن ما أحبه كان شرًا له، فقد روى البخاري عن أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بالله من شر فتنة الغنى وشر فتنة الفقر.

فسلِّمْ أيها المؤمن أمرَك لله واقنعْ بما قسَمَ اللهُ لك، فكم من مصيبةٍ كان في طياتها الفرج وكم من همٍ وغمٍ اكتنفا شخصًا فكان بعدهما خيرٌ كثير، ورُبَّ محنة في باطنها منحة، وكم من بسمةٍ كانت بعد غصةٍ وألمٍ طويل، وربنا تعالى يقول:((وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرٌ لكم وعسى أن تُحبوا شيئًا وهو شرٌ لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون(( سورة البقرة.

فتوكَّل أيها المؤمن على رب العالمين، فإذا كنت لا تدري عواقب الأمور ولم تطَّلع على الغيب وقد آمنت أنه لا يكون شيءٌ إلا بتقدير الله وتدبيره فأقْبِلْ على ما يعنيك واشتغل بما ينفعك في آخرتك وفوّض أمرك لله واصبر فتزيدك النوائب صبرًا كما تزيد شدة النار الذهب لمعانًا. 

وقد روى أحمد وغيره عن الصحابي الجليل أُبي بن كعبٍ أنه قال: ))إن الله لو عذَّب أهل سماواته وأهل أرضه لعذَّبهم وهو غيرُ ظالمٍ لهم ولو رَحِمهم كانت رحمته لهم خيرًا من أعمالهم ولو أنفقتَ جبلَ أُحُدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قبِلَه الله منك حتى تؤمنَ بالقدر وتعلمَ أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليُصيبك ولو مُتَّ على غير ذلك دخلت النار((.

وروى مسلمٌ عن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ))كتب اللهُ مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلُق السمواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء((.

 

علام الهم؟!

 

وهنا نقول: علام الهمُّ إذًا يا عباد الله؟! وكيف تغفل أيها المكروب عن الدواء الناجع لما أنت فيه؟! فاتق ربَّك وعالج همك باليقين بالله وحسن التوكل عليه والثبات على أداء ما أمر واجتناب ما نهى فتفتح لك أبوابُ الفرج كما قال ربنا تعالى في سورة الطلاق:((ومن يتق الله يجعل له مخرجا)) واعلم أيها المؤمن المبتلى المكروب أن مما يعينك على جلاء الهم وذهاب الحزن وتلاشي الشدائد أن تجعل لسانك رطبًا بذكر الله فإن الله تعالى يقول:((الذين ءامنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب)) سورة الرعد. وعليك بكثرة الاستغفار فقد روى أبو داود عن ابن عباسٍ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((من لزِم الاستغفارَ جعل الله له من كل ضيقٍ مخرَجا ومن كل همٍ فَرجَا ورزقه من حيث لا يحتسب)).

ولو أردنا التوسع في ذكر النصوص التي جاء الخبر أن في لزومها تفريجًا للكروب والهموم لطال الكلام وكلَّت الأقلام وحيث علمت من خلال ما تقدَّم أن الله قد دبَّر أحوال الخلق وأرزاقهم وتطوراتهم  فلا تكثر الأسف على الدنيا فقد روي عن أبي نواسٍ أنه قال:

إذا امتحن الدنيا لبيبٌ تكشَّفت                         له عن عدوٍ في ثياب صديق

والحمد لله أولاً وآخراً.