2018-09-27 19:18:17

شخصية جمال عبد الناصر وخلفيتها الإجتماعية والفكرية والسياسية / عبد الهادي محيسن

شخصية جمال عبد الناصر وخلفيتها الإجتماعية والفكرية والسياسية / عبد الهادي محيسن

شخصية جمال عبد الناصر وخلفيتها الإجتماعية والفكرية والسياسية / عبد الهادي محيسن

شخصية جمال عبد الناصر وخلفيتها الإجتماعية والفكرية والسياسية / عبد الهادي محيسن

 

ولد جمال عبد الناصر في العام 1918 في حي باكوش الشعبي لمدينة الإسكندرية وهو الإبن الأكبر لأبيه عبد الناصر حسين الموظف في مصلحة البريد، ومسقط رأسه  صعيد مصر في قرية بني مر من محافظة أسيوط البعيدة عن مدينة القاهرة مئات الكيلومترات والتي لها تاريخ حافل بالتمرد والعصيان ومأوى للهاربين من السلطة أو الثائرين على المحتل الأجنبي فتعلم الفتى جمال تقاليد الصعيدي، كالصبر والثبات وقوة الإحتمال والصمود واحترام قيم الرجولة والنخوة والمبادرة.

اضطر الفتى جمال للإقامة مع عمه في القاهرة بعيداً عن أسرته ملتحقاً بمدرسة النحاسين الإبتدائية  في الجمالية ، توفيت والدته وهو بعيد عنها في الثامنة من عمره.. ويستذكر عبد الناصر الواقعة فيقول: كان فقد أمي بالنسبة لي أمراً محزناً للغاية وصدمة تركت فيّ شعوراً لا يمحوه الزمن وحملتني أحزاناً وآلاماً جعلتني مستقبلاً أجد مضضاً في إنزال الآلام والأحزان بالغير.. إلا أنها تركت فيه ميلاً الى العزلة.

عندما أتم جمال السنة الثالثة الإبتدائية أرسله أبوه الى جده لأمه في القاهرة صيف عام 1928 ليتابع دراسته في مدرسة ((العطارين)) في الإسكندرية وفي السنة التالية التحق بالقسم الداخلي من مدرسة ((حلوان)) الثانوية ثم الى مدرسة ((رأس التين)) الثانوية مواكباً إنتقال مركز عمل والده.

كان استقرار عبد الناصر في كنف عمه الموظف الحكومي جعل منه طالباً جاداً ومتابعاً في قراءاته لسير القادة والأبطال التاريخيين – كـ هنيبعل والإسكندر المقدوني وجنكيز خان من التاريخ القديم ومن المحدثين نابليون وبسمارك وذلك من خلال مكتبة ثانوية النهضة التي درس فيها فتعززت لديه ملكة القراءة والمطالعة والمعرفة منذ نعومة أظافره.

بدأ عبد الناصر يتقدم مراحل فتوته بشخصية نامية منفتحة يتبلور وعيها الوطني وتطلعها السياسي شيئاً فشيئاً باشتداد التحديات الوطنية والقومية تدريجياً، بدأ في البحث عن أداة ذات قيمة فعلية لتحقيق التغيير وجلاء دور زعامة تعيد الروح الوطنية وصولاً لتوقد جذوة الثورة.

أسهم هذا المزيج الغني المتنوع في تكوين شخصية جمال عبد الناصرالقيادية، فكانت لنفسيتة الطيبة الصعيدية المسالمة وبروح التسامح المصرية، في الوقت نفسه الرافضة للظلم في أنفة ورجولة، والتراث الروحي النفسي والإجتماعي لمجتمع البيئة الزراعية الفيضية عبر التاريخ ساعداه على اكتساب روح وطنية نقية متماسكة بخليط من الكتمان الشديد ومعرفة القصد الواضح وتحمل المسؤولية فتكونت للفتى جمال رجولة قوية متماسكة صلبة ومرنة واثقة بنفسها وغايتها وتطفح إعتزازاً بعصاميتها وكرامتها وتجلى ذلك بعد موته فلم يترك إلا شقة متواضعة في القاهرة أورثها لأسرته وهوكان الزعيم السيد المطلق المطاع في بلده.

يستعيد عبد الناصر ذكريات أول تظاهرة اشترك فيها بقوله: كنت أعبر ميدان المنشية في الإسكندرية حين واجهت اشتباكاً بين متظاهرين تلاميذ وبين قوات البوليس فلم أتردد في تقرير موقفي، لقد انضممت فوراً الى المتظاهرين دون أن أعرف شيئاً عن سبب التظاهرة وقد شعرت أني لست بحاجة الى سؤال، ومرت لحظات سيطر فيها المتظاهرون على الموقف لكن سرعان ما جاءت الإمدادات في حمولة ((لوريين)) من الشرطة وهجمت علينا، ألقيت حجراً فلمحوني فحاولت أن أهرب لكني حين التفت هوت على رأسي عصا وتلتها ضربة ثانية وحينها سقطت أرضاً فشحنت الى الحجز..

في العام 1930 كان جمال في الثانية عشرة من عمره وقد تميز ببلوغه مرحلة نضج وطني مبكر فشارك في تحركات الطلاب وتظاهراتهم السياسية ضد حكومة إسماعيل صدقي الذي عرف بظلمه ورفضه تطبيق الدستور فكان هذا بداية التأهيل السياسي لعبد الناصر، لقد كان للموروث الإيديولوجي المصري لدى الناس أن مصر في انتظار قائد وهذا ما كان قد أسهم به رجال النهضة في القرن التاسع عشر فكان لذلك تأثير في تكوين شخصية عبد الناصر القيادية لقد كان متأثراً بأفكار محمد عبدو وجمال الدين الأفغاني وعبد الرحمان الكواكبي وغيرهم من رواد النهضة وباعثي القومية المصرية الحديثة وأصحاب النزعة الإصلاحية المنفتحة على الثقافة الغربية..

في العام 1933 التحق جمال بمدرسة ((النهضة الثانوية)) بحي الظاهرية فتصاعد نشاطه السياسي حتى تبوأ رئاسة إتحاد طلاب الثانوية وظهر شغفه بالتاريخ  فقرأ عن الثورة الفرنسية ومؤلفات روسو وفولتير وأعجب بنابليون وغاندي وقرأ فيكتور هيغو، وقصة مدينتين لتشارلز ديكنز واهتم بالأدب العربي فأعجب بشوقي وحافظ إبراهيم وقرأ مسرحيات توفيق الحكيم.. خصوصاً روايته عودة الروح التي تتحدث عن ضرورة ظهور زعيم للمصريين  ليوحد صفوفهم ويقودهم الى الحرية والتحرر.

هؤلاء الرواد أشاعوا أن مصر تحتاج الى زعيم جدير يحلم به الشعب ويقوم ببناء الدولة الحديثة وقائد يفرض آراءه المخلصة على مجتمع  يجهل مصلحته على أن يكون هذا الزعيم مستنيراً وعادلاً ونشيطاً، وهذا ما أثر في فكر جمال عبد الناصر الذي جاء لاحقاً في كتابه ((فلسفة الثورة)) أن هناك دوراً تائهاً يبحث عن بطل يقوم به، والبلاد تحتاج الى هذا القائد، يقول أحمد حسين وهو مدرس وصحافي مصري وكان أستاذاً لجمال عبد الناصر وأحد مؤسسي الحزب الوطني الإسلامي عام 1940 أن مصر متبوئة الزعامة العربية والإسلامية وشعارنا الله والوطن وهدفنا أن تصبح مصر إمبرطورية كبرى ..

كان جمال عبد الناصر يعيش أجواء الحركات السياسية في يفاعته وشبابه قبل الدخول الى الكلية الحربية من خلال أحزاب عديدة كالإخوان المسلمين والحزب الإشتراكي ومطلعاً على تأسيس حزب البعث العربي ومبادئه في القومية العربية وما ينادي من وحدة الأمة العربية من المحيط الأطلسي الى الخليج العربي ، إضافة الى إطلاعه على كتابات نجيب عازوري  في بداية القرن العشرين ..

ضمن هذه الأجواء تكونت البنية النظرية الذاتية لشخصية جمال عبد الناصر ولفكره السياسي ونظرته للدور المصري الوازن والذي يتوسط العالم العربي والبنية الموضوعية لمصر وحجمها الديموغرافي وقدرتها على أداء دورها القيادي للأمة العربية.

لقد كان الواقع السياسي المصري وسيطرة الإحتلال الإنكليزي على مفاصل الدولة والمجتمع والواقع الإقتصادي حيث يعم الفقر وتتراكم  المديونية مع انعدام فرص العمل أمام الشباب وتعطيل الإقتصاد وعدم تفعيل الصناعة والإنتاج بشكل عام جعلا من مصر سوقاً إستهلاكية يرتكز إقتصادها على الإستيراد من البلد المحتل.

كل هذه الظروف والوقائع وفرت نموذج عبد الناصر النفسي والقيادي وتركت بصمات في سلوكه وأخلاقه وبلورة عوامل التفكير في الثورة والتخلص من الملكية ولقد أبدى جمال عبد الناصر رجولة مبكرة في شخصيته المتزنة، فكان قليل الإبتسام صارماً، قوي الشخصية ولا يبدي أية علامات ضيق من الواجب، من هنا يمكن إرجاع حياة عبد الناصر قبل الثورة الى أربع حقب.

  1. - الحقبة الأولى النشأة والتهيؤ الأسري والإجتماعي والسياسي ودراسته ومسيرته ونشاطاته الطالبية  وقد ذكرناها بالتفصيل آنفاً.
  2. - الحقبة الثانية دخوله الى الكلية الحربية: كان الدخول الى الكلية الحربية مقتصراً على أبناء الطبقة المركنتيلية والزعامات الإقطاعية الراضخة للمحتل الإنكليزي والمنضوية تحت لواء الملك وعندما بدأت مؤشرات الحرب الكبرى تظهر للعيان في أوروبا ولمع نجم هتلرالزعيم النازي وتطلعاته وطموحه في السيطرة على دول الجوار والمستعمرات التابعة لها.. في هذه الأجواء تقدم عبدالناصر بطلب الإنتساب الى الكلية العسكرية ولكن رفض طلبه فالتحق بجامعة القاهرة لدراسة المحاماة في كلية الحقوق.
  3. - الحقبة الثالثة عندما اتسعت حاجة بريطانيا لزيادة عديد الجيش المصري للمشاركة في الدفاع عن القناة الممر المائي الإستراتيجي ضد التقدم العسكري الألماني والتي كانت تحت عهدة بريطانيا وسيطرتها مما دعا الى قيام حكومة النقراشي بقبول طلبات الإنتساب الى الكلية الحربية من أبناء الطبقة الوطنية والشعبية المصرية  فتمكن أبناء الشعب الوطني المصري من الإنضمام الى الجيش وتحققت لجمال عبد الناصر هذه الفرصة.
  4. - الحقبة الرابعة بدء الإنقلاب العسكري وإسقاط الملك في العام 1952 وقد عالجناها في مقال سابق.

عبد الهادي محيسن

رئيس جمعية المؤسسات التجارية والصناعية

 في سوق المصيطبة ومتفرعاته