2018-09-27 18:50:45

حصن الطاغية أم قصر الشعب / بقلم محمد خليفة

حصن الطاغية أم قصر الشعب / بقلم محمد خليفة

حصن الطاغية أم قصر الشعب / بقلم محمد خليفة

أم على قلوب أقفالها؟ 

حصن الطاغية أم قصر الشعب / بقلم محمد خليفة 

 

بثت قناة اسرائيلية مؤخراً صوراً فضائية لبعض المواقع السورية التقطها قمرها الاصطناعي المخصص للتجسس على الدول العربية ((أوفيك/ أو افق)), ومنها صور لقصر بشار الأسد القائم على قمة قاسيون. ورأى محللون أن بث الصور ينطوي على رسالة تهديد، تزامنت مع نشر الكاتب الاميركي بوب وودورد لكتابه ((الخوف)) الذي تضمن معلومات تفيد بأن الرئيس ترامب أمر وزير دفاعه ماتيس بوضع خطة لقتل بشار الاسد، وقد ذكرت مصادر صحافية اميركية مجدداً أن أزمة ادلب واحتمال لجوء قوات الاسد لإستعمال السلاح الكيماوي في الهجوم على المدينة لاخضاعها واجبار الثوار على الاستسلام قد أعاد امكانية اغتيال الاميركيين الاسد.

على أي حال إن ما يلفت الانتباه في الصور الاسرائيلية ضخامة القصر واتساعه من ناحية، وعزلته عن دمشق من ناحية ثانية، فهو يمتد على عدة آلاف من الأمتار المربعة، ويربض وحيداً على جبل قاسيون كقلعة ضخمة وحصينة، بعيداً عن مدينة دمشق، ولا مباني سكنية حوله أبداً، من جهاته الأربع والى مسافات بعيدة، بل لا يوجد حوله سوى سفوح صخرية شاهقة، شبه جرداء ومكشوفة. وهذه المزايا مدروسة بعناية طبعاً، من منظور أمني .

المفارقة أن قصر الطاغيتين السابق والحالي حافظ وبشار الاسد يسمى رسمياً ((قصر الشعب))، وهو في الواقع((حصن جبلي)) مبني بصورة تجسد حالة العزلة، أو البرج عاجية التي كان يعيش فيها حافظ الاسد، حيث يدير مملكته من بلاطه المغلق في داخل القلعة التي لا يغادرها إلا للضرورة القصوى، ولا يتردد إلا بين دمشق والساحل حصراً. وهو خلال ثلاثين سنة قضاها رئيساً لم يزر المدن الرئيسية سوى مرة واحدة، بعد الانقلاب الذي قاده ووضعه على رأس الدولة في تشرين الثاني/ نوفمبر 1970 بشهور قليلة، وأما المحافظات الشرقية فلم يزرها أبداً الى أن مات. وعرف عن حافظ قلة زياراته الخارجية أيضاً، وهي انحصرت غالباً بين موسكو وبكين وبيونغ يانغ، وعواصم اوروبا الشرقية سابقاً، وبعض العواصم العربية. وأما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي والانظمة الشيوعية فقد تقلصت زياراته الى الحد الادنى، لا سيما بعد أن طعن في السن.

قصر قاسيون هو الاول من نوعه في تاريخ سورية. إذ لم يكن لرؤساء سورية قصور بهذا الشكل، وكان للدولة ((قصر جمهوري)) رسمي يقع في حي المالكي وشارع ابو رمانة، كان معداً لاستقبال الرؤساء الذين يزورون البلد، وكان اشبه بمكتب للرئاسة وحسب. ومنه أدار أسلاف الأسد السابقون شؤون الدولة، نور الدين الاتاسي، وقبله أمين الحافظ، وقبله ناظم القدسي، وقبلهم جمال عبد الناصر. وأما الرئيس شكري القوتللي فكان يسكن في منزله العائلي الخاص الواقع في أحد أحياء دمشق القديمة  ((القنوات))، قرب المسجد الأموي وسوق ((الحميدية))، وكذلك رؤساء الوزراء المشاهير من فارس الخوري وخالد العظم الى يوسف زعين.

حافظ الاسد هو أول من شيد قصراً رئاسياً يقيم فيه ويدير الدولة منه. وهو في الواقع ليس قصراً كالبيت الابيض أو الكرملين أو الاليزيه، بل هو أقرب الى قلعة جبلية محصنة محاطة بقوات نخبة خاصة، على قمة قاسيون بعيداً عن دمشق. ولأنه قلعة لا قصراً فقد استعان حافظ الاسد بشركات بناء كورية شمالية لبناء بعض التحصينات السرية، ومن بينها شبكة أنفاق سرية، لا يعرف أسرارها غير الله والبنائين الكوريين .

وبالقرب من القصر قاعدة جوية ملاصقة له، وعدة ثكنات للحرس الجمهوري الذي يعتبر جيشاً طائفياً مستقلاً حل محل سرايا الدفاع بعد حلها عام1984 ، وجميع عناصر الجيش هم من العلويين لأن الاسد.. لا يثق ببقية السوريين! .

وبحسب شخصيات عملت في السابق في القصر فإنه يحوي أجهزة إنذار الكترونية، ونظام اتصالات متقدماً ومشفراً جداً يربط الرئيس بقيادة القوات الخاصة، والحرس الجمهوري وهيئة الأركان العامة. وقد استمر بناء القصر لأزيد من عشر سنوات، منذ منتصف السبعينيات الى أواخر الثمانينيات، بمواصفات خاصة جداً، وبكلفة باهظة جداً.

والقصر يخضع لحماية ومراقبة، واجراءات أمنية عالية المستوى، وكل حركة في اتجاهه تظهر للحراس بوضوح من مسافات بعيدة، ولا يسمح بالاقتراب منه على مسافة عشرة كيلو مترات على الاقل!.

ورغم كل هذه المزايا والاحتياطات الامنية المتوفرة في ((قصر الشعب)) فإن حافظ الاسد لم يكن يأمن البقاء فيه خلال عامي 1979 – 1981 فكان لا ينام فيه، ولا في أي مكان آخر لأكثر من ثلاثة ايام . كان يبدل مكان مبيته باستمرار، وفي نطاق من السرية المطلقة خوفاً من الاغتيال، لا سيما بعد محاولة 1980 الفاشلة أمام القصر القديم الواقع في المزة، وحتى في النهار لا يتواجد الرئيس فيه إلا لاستقبال الضيوف، أو عقد الاجتماعات الرسمية.

بشار الاسد منذ بداية الثورة الشعبية عام 2011 يكرر أسلوب والده بحذافيره. لا يمكث في القصر إلا ساعات من النهار ليوحي لمن يراقبه أنه يعيش ويزاول عمله بشكل طبيعي، ولكنه لا يطيل فيه المكوث ولا ينام أبداً. ويقوم جهازه الأمني الخاص المسمى ((أمن الرئاسة)، ومن ضمنه (( من القصر)) بوضع برنامج سري للغاية لمبيته في مناطق ومساكن مختلفة جداً من دمشق ومحيطها القريب، أو في منطقة الساحل ويبدلها باستمرار، ولا ينام في مكان واحد لأكثر من ثلاثة ايام .

وفي بعض الفترات حين اشتدت ضغوط الثوار على العاصمة لجأ بشار الى سفن روسية راسية قريباً من الساحل للاقامة والمبيت مع افراد اسرته الصغيرة، بناء على نصائح أصدقائه الروس، نتيجة الخوف على حياته من الاغتيال، من الثوار أو من الايرانيين، أو من أقرب حراسه، أو القصف الجوي من الدول الغربية واسرائيل، وخصوصاً عام 2013 بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة، حيث توارى عن دمشق، وعن الظهور لأكثر من اسبوعين.

وتتكرر الآن نصائح الروس لبشار بعدم المبيت أو البقاء طويلاً في قصر قاسيون، أو في أي مكان محدد، خوفاً من قصفه أو استهدافه بصاروخ أو غارة جوية من الاسرائيليين أو الأميركيين.

ويبدو أن الروس يستعملون أسلوب النصائح الامنية هذا لدفع بشار الى احضانهم والاحتماء بهم أكثر فأكثر، وإشعاره بأنه في خطر دائم، ولا يستطيع الثقة بغيرهم، وأنه مستهدف من الجميع .

وهو أمر صحيح بالمطلق طبعاً، وعلى الأخص من شعبه، ومن جيشه، ومن حراسه، بل ومن ..أبناء طائفته ..