2021-04-07 21:16:51

رمضان موسمُ العمرِ وفعلِ الخير / بقلم الشيخ أسامة السيد

رمضان موسمُ العمرِ وفعلِ الخير / بقلم الشيخ أسامة السيد

رمضان موسمُ العمرِ وفعلِ الخير / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 8 نيسان 2021

 

الحمد لله وكفى وسلام على عباده الذين اصطفى.

قال الله عزَّ وجلَّ في القرآن الكريم: {شهر رمضان الذي أنزل فيه القرءان هدًى للناس وبيناتٍ من الهدى والفُرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه} سورة البقرة.

ها قد أهل علينا شهر رمضان الكريم بنفحاته القُدسية وبركاته الجليَّة فتحرَّكت هممُ الصَّالحين لاغتنام أيامه الجليلة ولياليه العظيمة بالتزود من الخيرات لتصفوَ الأرواحُ وتطمئن القُلوب، فإنه لا يُفرّطُ في هذا الشهر إلا محروم ولا يُعرض عنه إلا مغرور أو جاهل، ومهما تغيَّر الزمان وتقلَّبت الأيام يبقى لشهر رمضان رونقه وبهجته وأنسه وفضله الذي يهنأ في ظلاله المؤمنون ويغترف من معينه المفلحون. 

إن المؤمن يرى في شهر رمضان موسمًا مُهمًّا لمضاعفة الأجور فينشط فيه نشاطًا عظيمًا فقد روى الطبراني عن محمد بن مسلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن لربكم عزَّ وجلَّ في أيام دهركم نفحات فتعَرَّضوا لها لعل أحدكم أن تُصيبه منها نفحة لا يشقى بعدها أبدا". ولا شك أن شهر رمضان فيه من النفحات المباركات ما لا يُحصيه إلا الله، وإذا ما كان طالب الدنيا الفانية يقتنص الفُرص لكسب تجارةٍ أو شراء عقار فأولى بطالب الآخرة الدائمة أن يتعرَّض للنفحات الزِّكية فإن ثواب الآخرة خيرٌ وأبقى.     

                                                شهر إيقاظ الضمائر

فكم من ضمائر تستيقظ في شهر رمضان وكم من همَّة تتحرك نحو المبرَّات فينطلق المؤمن بقوة إلى فعل الطاعات وترك السيئات، فتراه تارةً يعتكف في المسجد وتارةً يُصلي قيام الليل وتارةً يقرأ القرآن وتارةً يجلس مُصغيًا لدرس علم الدين وقد استقام وترك كثيرًا أو كل ما كان عليه قبل دخول شهر رمضان من الإثم والمنكر يريد بكل ذلك التَّقرُّب إلى الله تعالى والرغبة فيما أعده ربُّنا للمسارعين إلى الخير في هذا الشهر من الثواب الجزيل في الآخرة. وكم للصوم من أثر على تهذيب النفس وكبح جماحها لتنقاد للخير وتكُفَّ عن الشَّر وتستشعر عظيم كرم الله تعالى ونعمه السابغة وما مَنّ سبحانه به علينا فيما لا يجد بعضُ الناس ما يقتاتونه ولا ما يأوون إليه.

يعود شهر رمضان المعظَّم هذا العام والبلاد تغرق في البلاء والغلاء والضائقة ولعل القارئ أعرف بذلك من الكاتب حتى صار بعضهم يقلق كيف يأتي لأهله برغيف الخبز، وهذا فيما نرى فرصةٌ للموسر ليمد يد العون لإخوانه في هذا الشهر الكريم فإن من أعدَّ فيه إفطارًا لصائم كان له أجرٌ يشبه أجرَ هذا الصائم وإن لم يكن مثله تمامًا، وهذا معنى ما جاء عن أم المؤمنين عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من فطَّر صائمًا كان له مثلُ أجرِه من غير أن ينتقص من أجر الصائم شىء" رواه النسائي. وروى البخاري عن ابن عبَّاس قال: "كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس وكان أجودَ ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل وكان يلقاه في كل ليلةٍ من رمضان في دراسة القرآن فَلَرَسول الله صلى الله عليه وسلم أجودُ بالخير من الريح المرسلة". وقوله: "أجود الناس" أي أسخاهم وأكثرهم كرمًا "والريح المرسلة" هي التي يدوم هُبوبها ويعمُّ نفعها، فمن رزقه الله تعالى الغنى فليجعل من هذا الرزق وهذا المال وسيلةً لمواساة الناس في هذا الموسم وليُقدم مما رزقه الله لآخرته، ومن لم يكن كذلك فليقدم عملاً صالحًا فإن أبواب الخير كثيرة، ومن فاته التَّصدق لقلة ذات اليد فلا يفته جانبٌ آخر من جوانب الخير فإن سُبُل البِرِّ كثيرة ولكن قليلٌ من يسلك تلك السُبل.    

مرقاة الرُّقيِّ

ومن غلبته شهوته على مدار العام فليستعن على قهرها اليوم بنفحات رمضان ومن غرَّه شيطانه في سالف الأيام فليقهره بالإقبال على الطاعة في شهر رمضان ومن مال به الهوى إلى الموبقات فيما مضى فليعتدل الآن فإن ساعات رمضان من أعظم فُرص العمر لمن يهتم لزاد الآخرة، وجديرٌ بمن قرأ ما رواه مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا جاء رمضان فُتِّحت أبوابُ الجنة وغُلِّقت أبوابُ النار وصُفدت الشياطين" أن يأخذ الأمور على محمل الجدِّ وأن يغتنم تلك الأوقات العظيمة فيستعين بما في طيَّاتها من الأسرار على التَّخلص من براثن الشياطين فقد قال النووي في "شرحه على صحيح مسلم" نقلاً عن القاضي عياض: "يحتمل أنه (أي الحديث) على ظاهره وحقيقته وأن تفتيح أبواب الجنة وتغليق أبواب جهنم وتصفيد الشياطين علامة لدخول الشهر وتعظيم لحرمته ويكون التصفيد ليمتنعوا من إيذاء المؤمنين والتهويش عليهم، ويحتمل أن يكون المراد المجاز ويكون إشارةً إلى كثرة الثواب والعفو وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم ليصيروا  كالمصفدين". وروى البخاري في "الأدب المفرد" أن جبريل الأمين عليه السلام قال لرسول الله محمد صلى الله عليه وسلم "رَغِمَ أنفُ عبدٍ دخل عليه رمضان لم يُغفر له". فمن أدرك شهر رمضان وتكاسل عن التعرُّض لنفحاته ولم يتقدَّم للاغتراف من بحر فيوضاته ولم يُحاسب نفسه ويُحسن التوبة لخالقه حتى انسلخ الشهر ولم يُغفر له فليبكِ على نفسه.

وإن سبق أن حملت نفسك على الفساد فاحملها اليوم على السداد أو سبق أن قصَّرت في الخير فأقصر اليوم عن الشر أو كنتَ تماديتَ في الأوزار فتدارك ما فات قبل فوات الأعمار فلستَ تعيش في دنياك إلا لمرةٍ واحدة، وأجدر بمن يقتنص الفُرص في الدنيا أن يغتنم مواسم التَّزود للآخرة فإن الله تعالى يقول:{والباقيات الصَّالحات خيرٌ عند ربك ثوابًا وخيرٌ أملا} سورة الكهف. ومن كان مقصودُه العملَ الصالح فذلك من الباقيات الصالحات وهي خيرٌ ثوابًا وذلك أن ثوابها يبقى في الآخرة وخير ما يأمل المرء لأن آمال الدنيا خدَّاعة أما الأمل بثواب العمل الصالح فلا يخيب فرمضان مرقاة الرُّقيِّ إلى المراتب الشريفة وطريقٌ لإصلاح النفس وحملها على الاستقامة.

وحيث علمت ما لهذا الشهر من الفضل وما تحمل أوقاته من أسرار فليس من السداد أن تركنَ إلى الكسل وتقصُرَ همتُك بينما يفوز الفائزون بما قدَّموا من سعيٍ صالح فإن الله تعالى يقول: {وفي ذلك فليتنافس المتنافسون} سورة المطففين.

والحمد لله أولًا وآخرا.