2021-03-31 21:31:07

داء الحسد المدمر / بقلم الشيخ أسامة السيد

داء الحسد المدمر / بقلم الشيخ أسامة السيد

داء الحسد المدمر / بقلم الشيخ أسامة السيد

مجلة الشراع 1 نيسان 2021

الحمد لله وكفى وسلامٌ على عباده الذين اصطفى.

قال الله تعالى في القرآن الكريم:{أم يحسُدُون الناسَ على ما ءاتاهم الله من فضله}  سورة النساء.    

وعن الزبير بن العوَّام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"دبَّ إليكم داء الأمم قبلكُم الحسد والبغضاء والبغضاء هي الحالقة حالقة الدين لا حالقة الشَّعر والذي نفس محمدٍ بيده لا تؤمنوا حتى تحابّوا أفلا أنبئكم بشىءٍ إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا السلام بينكم" رواه الإمام أحمد.

لا شك أن الحسد من أمراض القلوب وهو آفةٌ مدمِّرة تُهلك من ابتُلي بها إذ يبقى الحاسد مغتمًّا كئيبًا بسبب ما انطوى عليه قلبه المريض من الحسد الممقوت، والحسد كراهية النعمة التي أنعم الله بها على المؤمن دينيةً كانت كالأعمال الصَّالحة التي يُتقرَّب بها إلى الله أو دنيويةً كبيتٍ أو عقارٍ واستثقالها والعمل بمقتضى زوالها عنه، أي فيسعى لتذهب هذه النعمة عنه، أما إن تمنَّى أن يكون له من النعم مثل ما لفلانٍ من غير أن يسعى في زوال النعمة عن فلان فليس هذا حسدًا محرَّمًا، ثم إن الحاسد حسدًا محرَّمًا لا يهدأ له بال حتى يتحقق له مأربه الخبيث وربما لا يتحقق له ما يريد فيتمادى في محاولة الإضرار بأخيه المؤمن مرةً بعد مرةٍ فيغرق في الذنب بعد الذنب، وربما جرَّه الحسد إلى الحقد وهو إضمار العداوة لأخيه المؤمن مع العمل بمقتضاه فيسعى مثلًا لحبسه أو ربما لقتله.

أول ذنب يقع بين البشر

 وقد جاء في كتاب "التسهيل" لابن جُزي ما نصُّه:"وقال بعض العلماء: الحسد أول معصيةٍ عُصي الله بها في السماء والأرض، أما في السماء فحسدُ إبليس لآدم وأما في الأرض فقتلُ قابيل لأخيه هابيل بسبب الحسد". فقد حسد إبليسُ الملعونُ سيدَنا آدمَ عليه السلام وحمله الحسدُ على الاعتراض على الله تعالى فأصبح من الكافرين بعد أن عبدَ اللهَ مع الملائكة زمنًا وإن لم يكن من جنسهم، وكذلك حسد قابيلُ أخاه هابيل فحمله الحسدُ على مخالفة الشريعة وقتل أخيه، وليس بخافٍ ما كان من حسد إخوة يوسف لأخيهم يوسف عليه السلام وما حملهم عليه حسدُهم من الأفعال الخسيسة فأرادوا قتلَ أخيهم ثم استقرَّ رأيهم أن يلقوه في البئر ثم كان ما كان. وقلَّ أن تجد حاسدًا يرعوي ويتوب من هذه الخَصلة القبيحة ويقنع بما قسمه الله له من الرزق بل لا يزال عدوًا لحاسده ظالما لنفسه ساعيًا في الشر، وكلما كان محسوده في نعمة كان هو في كربٍ وضيق فإذا به مع ما يقترفه من الإثم يعيش متألم القلب مُتحسِّرًا من شؤم الحسد ولقد قيل:

اصبر على كيد الحسود                              فإن صبرك قاتلُه

النارُ تأكل بعضَها                                  إن لم تجد ما تأكلُه

ولكننا نقول لمن ابتُلي بداء الحسد: ادفع عن نفسك هذه الخَصلة بقصر الأمل وذكر الموت وفناء الدنيا فإنك ميتٌ فبمعوثٌ فمحاسبٌ فاتقِ اللهَ فكثيرًا ما يأتي الحسد بسبب الغفلة، وليتذكر الحاسد فوق ذلك أنه لا يكون شىءٌ في هذا العالم إلا بتقدير الله فقد شاء اللهُ لفلانٍ أن يكون غنيًّا ولفلانٍ أن يكون ميسورًا ولفلانٍ الفقرَ ولفلانٍ البلاءَ لحكمةٍ يعلمها الله تعالى فلن يكون إلا ما أراد الله، فأقصِر عن الشر ودَع عنك الحسدَ وأقبِل على شأنك واشتغل بما يعنيك ولا تكن حسودًا فتعش مهمومًا بلا طائل وتُحاسب على ذنبك في الآخرة وإن سعيك للشر بدافع الحسد لا يُغيِّر تقدير الله ولن تستطيع مهما حاولت دفعَ ما قضى اللهُ ولا منع ما أعطى، فإن الله يُعطي من شاء ما شاء ويمنع من شاء ما شاء.

نصيحة فيها السلامة

 ونقول: أيها الإنسان إذا أردت العيشَ الطَّيب فابتعد عن الحسود فإنه إذا رأى ما أنعم اللهُ به عليك لم يُرضه بعد ذلك إلا زوال نعمتك، فإن دعتك الحاجةُ الملحة إلى مخالطته فلا تفش له سرَّك ولا تُشاوره في أمرك ولا يغُرَّنك تملقُه لك ولا ما يُظهره من حُسن الحال، وتذكَّر دومًا ما أمر به ربنا عزَّ وجلَّ في كتابه الكريم من الاستعاذة من شر الحاسد إذ يقول جلَّ جلاله {قل أعوذ برب الفلق} سورة الفلق. ومعنى "أعوذ" أستجير، و"الفلق" هو الصبح. ثم ذكر الله تعالى أشياء أمر نبيه الكريم بالاستعاذة منها، والأمر وإن كان في الظاهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن فيه تعليمًا للأمة لتستعيذ من ذلك أيضًا، وجاء منها: {ومن شر حاسدٍ إذا حسد} أي الحاسد إذا أظهر حسده أي احتال للمحسود فيما يؤذيه. وقد بالغ النبي صلى الله عليه وسلم في التنفير من الحسد في الحديث أعلاه وبيَّن لأصحابه ولسائر الأمة محذِّرًا بقوله "دبَّ إليكم داء الأمم قبلكم" الحديث بتمامه، أي سار إليكم ما كان من عادة الأمم قبلكم، وفيه بيان أن بعض أفراد الأمة يُداخلهم شىءٌ من هذه الصفات وهي الحسد والبغضاء، وتلك خِصالٌ من شأنها أن تُذهب عن صاحبها كمال الإيمان كما يُذهب الموسى الشَّعر، أي فلا يكون الحاسد مؤمنًا كاملًا بل هو آثمٌ عاصٍ مستحقٌ للعذاب في الآخرة ما لم يتب إلى الله تعالى من ذنبه، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بحال الحاسد وأن التَّحابَّ فيما بين المؤمنين ابتغاء مرضاة الله من أسباب انتفاء الحسد من القلوب، وأن السلام يبعث على هذا التَّحابَّ فينتفي بذلك الحسد، وقد جاء في كتاب الله ما يوافق هذا قال تعالى:{ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم} سورة فُصِّلت. قال الماوردي في "أدب الدنيا والدين": "قال مجاهد: معناه ادفع بالسلام إساءة المسيء".

وبعض الناس إن قابلتهم بخلاف ما يكيدون لك من الشر وما يُضمرون لك من الحسد يؤثر هذا في قلوبهم فينقلبون إلى الأحسن. قال الشاعر:

قد يلبثُ الناسُ حينًا ليس بينهم                     وُدٌّ فيزرعه التسليمُ واللطف

أما من عُلِم منه أنه لا يتأثر بذلك بل يظنه منك جُبنًا أو مداهنةً فالتعامل مع هؤلاء له طريقةٌ أخرى ولسنا بصدد ذلك الآن.

 والحمد لله أولًا وآخرا.